كواليس دولية

“ونغ يي” رجل ثقة “شي جنبينغ” يتحدث في كل المواضيع دون مقدمات

وزير خارجية الصين يقلب الطاولة على ترامب و"يتوعد" دعاة الانفصال في اليابان ويقول إن فلسلطين للفلسطينيين

سعيد الريحاني من بكين

 

    كشف وزير الخارجي الصيني، المخضرم “وانغ يي”، اليوم عن الوجه القوي للسياسة الخارجية الصينية، بل إن الحاضرين في الندوة الصحفية التي عقدها، صباح اليوم، باعتباره عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، وأحد رجال ثقة الرئيس الإمبراطوري شي جنبينغ، على هامش استمرار انعقاد “الدورتان”، دهشوا للحرية التي تحدث بها هذا الوزير، حيث واجه مئات الصحفيين دون تحضير مسبق، قائلا: “أنا جاهز لأسئلتكم” وقد كان لافتا أنه لم يستعمل الأسلوب الكلاسيكي، ولم يقدم أي عرض في البداية، ودخل مباشرة في الإجابة على الأسئلة المطروحة، ولم يتجنب الخوض في أي موضوع، بداية من موضوع الرئيس الأمريكي ترامب، ومحاولات التلاعب في ملف تايوان، وصولا إلى اليابان والعلاقة مع أروبا وإفريقيا ودول أمريكا اللاتينية والهند .

تتمة المقال تحت الإعلان

الندوة الصحفية المذكورة، هي إحدى اللقاءات الصحفية التي تنعقد بين الفينة والأخرى، بالتزامن مع “الدورتان”، وهو الاسم المختصر، لافتتاح أشغال الدورة السنوية لكل من لكل من المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، والمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، اللذان تحتضنهما قاعة الشعب الكبرى في ساحة “تيان آن من”، تميزت باستعمال، قطب الدبلوماسية العالمية، “وانغ يي” لعبارات، ظل صداها يتردد داخل القاعة بشكل كبير، لا سيما عند قوله بأن الجبال لا تستطيع أن توقف جريان الأنهار، وقوله: “حيث ما يوجد حصار يوجد اختراق، وحيث ما يوجد قمع يوجد ابتكار”، وكانت تلك طريقة تفاعله، مع سؤال الصحافة، المتعلق بتطورات، مشروع الذكاء الاصطناعي الخارق، “ديبسيك”، حيث قال: “إن الإبتكارات العلمية والتكنولوجية الصينية في الآونة الأخيرة، فاقت تخيلات الناس، من القنبلتين الذرية والهيدروجينية، والصواريخ والقمر الإصطناعي، إلى المركبة الفضائية – شنتشو- والمسبار الفضائي -تشانغ اه- ثم إلى شبكة الجيل الخامس والحوسبة وتطبيق ديبسيك، ولم يتوقف الشعب الصيني بأجياله المتتالية عن الكفاح.. “، غير أنه أكد بالمقابل، على وجود فلسفة صينية تقضي بأن تكون التكنولوجيا ملكا مشتركا بين الجميع، كما يدعوا لذلك الرئيس شي جنبينغ، الذي يدعوا لبناء مستقبل مشترك للبشرية.

تتمة المقال تحت الإعلان

جل تساؤلات الصحفيين في البداية كانت تتمحور حول الرئيس الأمريكي العائد الى البيت الأبيض دونالد ترامب المشهور بتهديداته، وساعد عدم تردد وانغ يي في تقديم الأجوبة على طرح المزيد من الأسئلة، وقد فتحت الخارجية الصينية أبوابها أيضا في وجه وسائل الإعلام المعادية (منها الأمريكية)، المعروفة بأسئلتها المعدة سلفا (..)، وقد ذكر إسم ترامب في البداية مرتبطا بتطورات الحرب في أوكرانيا، ودخوله على خط التسوية، وأكد وانغ يي، في هذا السياق بأن “الصين تدعو منذ اليوم الأول للسلام والمفاوضات، والرئيس شي جي بينغ وضع الضرورات الأربعة.. والدبلوماسية الصينية أعدت تقدير موقف.. وموقفنا هو الموقف الموضوعي والعادل، وهو بلورة توافقات لتسوية الأزمة واحلال السلام”، غير أن وزير الخارجية الصيني لم يفوت الفرصة دون أن يشير إلى ضرورة ادراك الأسباب الجدرية لهذه الأزمة، و”هي ليست وليدة اليوم”، و”امتدت دون حل لثلاث سنوات وقد كان بالإمكان تجنبها”، هكذا تحدث عضو المكتب الوطني للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني قبل أن يضيف بأن “أمن دولة لا يجب أن يكون على حساب أمن دولة أخرى”، مبديا تشبت بلاده بالسلام، حيث “لا يوجد طرف خاسر في السلام حسب قوله”.

ولم يكن اللقاء ليمر دون مناقشة، دعوات ترامب لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وهنا أيضا أكد وانغ يي، بأن الصين تدعم “مبادرة إعمار غزة التي أطلقتها مصر ودول أخرى”، مؤكدا أن الدول يجب أن تدفع بوقف شامل لإطلاق النار، وأن تكون فلسطين للفلسطنيين، وتجاوز وزير الخارجية الوضع الراهن، ليقول: إن دوامة الصراع مع إسرائيل بدأت منذ زمن..”.

وانغ يي قال بشكل واضح، “إن قطاع غزة ملك للشعب الفلسطيني، وجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية، وأي عمل لتغيير وضع غزة قسرا لا يمكن أن يأتي بالسلام، بل سيثير اضطرابات جديدة، ندعم خطة التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة التي أطلقتها مصر، وغيرها من الدول العربية بشكل مشترك، إن إرادة الشعب لا تخالف والحق لا يدحض وإذا كانت الدول الكبرى تهتم حقا بسكان غزة فيجب عليها أن تدفع بوقف إطلاق النار الشامل والدائم في غزة، وتعزز المساعدات الإنسانية، وتلتزم بمبدأ حكم فلسطين من قبل الفلسطينيين، وتساهم في إعادة الإعمار”.

وفيما يتعلق بسؤال حول توجهات ترامب نحو الانسحاب من منظمات حقوق الانسان، وعدة منظمات دولية أخرى، بالإضافة إلى نهجه سياسة قطع المساعدات، تساءل وانغ يي قائلا: “هناك أكثر من 190 دولة في العالم، ماذا لو سعت كل دولة الى التشبث بالقوة .. ألن يؤدي ذلك إلى تطبيق قانون الغاب”، قبل أن يضيف بأن الصين تعارض القوة والهيمنة، والتاريخ يجب أن يتقدم للأمام، والدول الكبيرة، يجب أن تتصرف بدون احتقار للدول الصغيرة، ورد على الغرب قائلا: “في الغرب يقولون لا توجد صداقات دائمة، هناك مصالح فقط.. لكن الصين تقول إن هناك أصدقاء دائمين ومصالح مشتركة”..

وفي معرض جوابه على سؤال توجه ترامب إلى فرض “رسوم” على الجانب الصيني، فيما يتعلق ب “الفنتالين” وهو مخدر أقوى من الهروين والأفيون، وبعتقد ترامب أنها مشكلة يجب أن تحل من جانب “الصادرات الصينية”، قال وانغ يي، بشكل صارم إن: “الصين ظلت تحارب بحزم الإتجار في المخدرات وإنتاجها، وهي الدولة التي تتخد السياسات الأكثر صرامة ودقة لمكافحة المخدرات في العالم.. إن إساءة استعمال الفنتالين في الولايات المتحدة (يؤدي الى آلاف الوفيات) هي مشكلة يجب على أمريكا أن تواجهها وتحلها بنفسها، وقد قدم الجانب الصيني مساعدة بمختلف الأشكال الى الولايات المتحدة انطلاقا من الروح الإنسانية، فلا يجوز للجانب الأمريكي رد الجميل بالإساءة، ناهيك عن فرض التعريفة الجمركية الإضافية غير المبررة، وهذه التصرفات لا تليق بدولة كبيرة”.

وكانت هذه البداية فقط، حيث انتقل وانغ يي الى استعمال لغة أكثر تشددا في موضوع التعريفة الجمركية، حيث قال “إذا لم ينفع عملك، إ بحثوا عن السبب في أنفسكم”، ماذا حققت التعريفة الجمركية، والحرب التجارية طيلة السنوات الماضية، هل اتسع العجز التجاري أم تقلص، هل ارتفعت القدرات التنافسية للتصنيع أم انخفضت، هل انخفض التضخم أم تفاقم هل تحسنت حياة الشعب أم تدهورت؟ إن العلاقات الاقتصادية التجارية بين الصين والولايات المتحدة متبادلة ومتكافئة.. إذا اختارت التعاون، فستحقق المنفعة المتبادلة، والكسب المشترك، وإن اختارت خلاف ذلك، فالصين سترد على ذلك بحزم وبكل تأكيد”.

هكذا إذن استخدم، وزير الخارجية الصينية، الذي كان يذكر في كل مرة، بتوجهات قائد البلاد شي جنبينغ، من موقعه الدبلوماسي لغة حازمة، فيما يتعلق بمواقف الصين من التصرفات الأمريكية، كما أنه أظهر وجها أكثر حزما وصرامة عندما طرح عليه سؤال الدور الياباني في المنطقة، حيث قال “إن الجانب الياباني يجب أن يكون على المحك من الضمير والمصداقية” ورغم أنه أشار الى تطور العلاقات إيجابيا في الفترة الأخيرة، إلا أنه قال أن هذا العام يصادف الذكرى السنوية الـ80 لانتصار مقاومة الشعب الصيني ضد العدوان الياباني.. وأضاف إن تخليد التاريخ يهدف إلى استشراف مستقبل أفضل.. فإذا نسينا التاريخ، فسنضل الطريق إلى الامام.. حيث كانت النزعة العسكرية اليابانية قد ارتكبت جرائم بشعة ضد الشعب الصيني وشعوب الدول الأسيوية، وألحقت كارثة جسيمة بالشعب الياباني أيضا. إن منع إحياء شبح النزعة العسكرية، يعد التزاما ل يمكن أن تتراخى اليابان في الوفاء به ولو لحظة واحدة.. هكذا تحدث القيادي البارز في الحزب الشيوعي الصيني، قبل أن ينتقل إلى حديث أكثر حزما عندما طرح عليه سؤال “التلاعب في موضوع تايوان”، حيث أكد “أن مبدأ الصين الواحدة يعتبر من الاساسيات السياسية للعلاقات الصينية اليابانية وقد مضت 80 عاما منذ عودة تايوان الى الصين، وأن البعض في اليابان ما زالوا عازفين عن مراجعة أنفسهم، بل ويتواطؤون مع قوى “استقلال تايوان” ضمنيا.. نحذر هؤلاء الذين يرددون “حالة طوارئ في تايوان هي حالة طوارئ في اليابان”، بأن يتذكروا جيدا، أن اثارة المشاكل باستغلال تايوان بمثابة اثارة المشاكل لليابان نفسها”.

العلاقات الروسية الصينية، وإمكانية توثرها على خلفية، العلاقات الأخيرة لروسيا مع ترامب، كان أيضا موضوعا حاضرا في هذا اللقاء الصحفي المنعقد على هامش الدورتين، حيث أكد أن المنطق التاريخي للصداقة الصينية الروسية لن يتغير، وأن ديناميكيتها الداخلية لن تقل مهما كانت تغيرات البيئة الدولية.. حيث قرر الجانبان، استخلاص الخبرات التاريخية بصورة معمقة، لتحقيق حسن الجوار الأبدي، والتنسيق الاستراتيجي الشامل والسعي وراء المنفعة المتبادلة والتعاون والكسب المشترك، معتبرا أن علاقات البلدين لن تأثر بتشويشات طرف ثالث.

لم يترك، وزير الخارجية الصيني أي موضوع إلا وتحدث فيه، مؤكدا أن هدف الدبلوماسية هو خدمة الشعب، وأن الوطن يقف وراء مواطنيه أينما وجدوا، وأن الهدف المنشود هو بناء منظمة الصين الآمنة في الخارج (..)، وفيما يخص بعض العلاقات الدولية مع قوى كبرى مثل الهند، لخص المطلوب في جملة دبلوماسية تختزل كل شيء وهي “أن يرقص التنين والفيل سويا بتناغم” هو الخيار الوحيد والصحيح للجانبين الهندي والصيني، كما تحدث عن تطور العلاقات الإيجابية مع الإتحاد الأوروبي وتبادلاتهما لإنارة العالم، كما تحدث عن دعم بلاده لإفريقيا نحو السير في طريق تنموي يتسم بالاستقلالية وتقوية الذات.. بالإضافة إلى مواضيع أخرى، حتى أنه يمكن القول إن جل الصحفيين سكتوا عن طرح الأسئلة بسبب كثرة المعلومات والرسائل الموجهة نحو مختلف جهات العالم، لتنتهي الصبحية، بإشادة كبيرة بصراحة وجرأة وانغ في تناول كافة المواضيع، من طرف الحاضرين الذين أكدوا على ذلك في نقاشاتهم، خلال خروجهم من المركز الإعلامي في بيكين. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى