تحقيقات أسبوعية

تقرير | المغرب في قلب معادلات إفريقية معقدة من أجل السلم والسلام

الوجه الآخر للاتحاد الإفريقي

بقلم: جميلة حلبي

    تواجه القارة الإفريقية تحديات كثيرة لعل أهمها وأكبرها تلك المتعلقة بتحقيق السلم والأمن باعتباره الضامن الوحيد بالنسبة للإنسان الإفريقي للعيش بسلام في قارة مزقتها الحروب الأهلية والانقسامات، إضافة إلى تفشي الإرهاب والجماعات المسلحة، وتبني حركات انفصالية من طرف بعض الدول كسياسة تهدد الاستقرار، ولهذا الغرض تعقد مؤتمرات ومنتديات تدعو إلى محاربة الانفصال نظرا لعواقبه الوخيمة ولكلفته الضخمة على جميع الأطراف، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا..

وتلوح في أفق القارة الإفريقية مؤشرات انقسامات جديدة في ظل الصراعات الدائرة بين عدة دول، مثل النزاع المشتعل بين الكونغو الديمقراطية ورواندا بسبب تمرد حركة “إم 23” على الحدود بين البلدين، أو بسبب حروب أهلية كما يقع في السودان، أو كنتيجة للانقلابات العسكرية التي تغير السلطة لأي سبب من الأسباب، علما أن المشاكل التي تعيشها الدول الهشة تغذيها سياسة الانفصال التي ما فتئت تقسم الدول إلى دويلات، وهذا من أكبر التحديات التي تواجهها القارة، ويتحمل عبئها ساسة إفريقيا الناضجون سياسيا ودبلوماسيا، والتي تعمل بعض الدول، ومنها المغرب، على مواجهتها ومحاربة الجماعات المسلحة التي تنشط في القارة، وكل أعمال العنف التي تغذي الانفصال وتجزيئ الدول تحت مبررات غير قانونية.

ولطالما دعا المغرب، من مختلف المنابر، دوليا وقاريا وإقليميا، إلى ضرورة تظافر الجهود من أجل تحقيق السلم والأمن ليعيش المواطن الإفريقي في بلده آمنا مستقرا، آخرها المنتدى الثاني لرؤساء لجان الشؤون الخارجية بالبرلمانات الإفريقية، المنظم مؤخرا تحت شعار: “نحو وضع أسس دائمة للاستقرار والأمن في إفريقيا”، وذلك حرصا من المغرب على تعزيز التعاون والتضامن على صعيد إفريقيا من خلال تنسيق جهود وعمل البرلمانات الإفريقية من أجل رفع التحديات التي تواجهها القارة، حيث تناولت أشغال المنتدى محورين رئيسيين: “الوساطة والتعايش: من أجل مواجهة النزاعات واستكشاف آليات برلمانية للوقاية من الأزمات وتعزيز السلم الدائم”، والمحور الثاني ناقش “الاندماج الاقتصادي ومسارات التنمية كقاعدة للأمن في إفريقيا”، وقبل هذا المنتدى، كان مجلس النواب قد احتضن في يوليوز 2023، الاجتماع الأول لرؤساء لجان الشؤون الخارجية بالبرلمانات الإفريقية في موضوع: “التعاون البرلماني الإفريقي في سياق التحديات الراهنة”، والذي توج ببيان أكد فيه المشاركون على “وحدة وتكامل القارة الإفريقية، والالتزام بسيادة الدول الإفريقية ووحدتها الترابية، وتعزيز التعاون البرلماني الإفريقي من أجل التنمية المستدامة ومواجهة التحديات العالمية الراهنة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد تميز اللقاء الذي نظم يوم 20 فبراير 2025، بالكلمة التي ألقاها وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، والتي حملت دلالات كبيرة على التزام المغرب الدائم من أجل أن تكون إفريقيا قارة واعدة وخالية من الإرهاب، ومتمتعة بالسيادة وغير خاضعة للتبعية، وقال بوريطة في جلسة افتتاح المنتدى: “إن السياسة الخارجية المغربية في إفريقيا تقوم على التفاؤل والثقة بقدرات القارة مقابل تشاؤم العديد من الأطراف”، وشدد على أن “المغرب يرفض القيادات الزائفة والانتهازية السياسية التي تحاول التقليل من شأن الدول الإفريقية”، وأوضح أن “المغرب يعتبر إفريقيا ركيزة أساسية لسياسته الخارجية وفق رؤية شمولية تهدف إلى ترسيخ الأمن والسلم، وتشجيع التنمية، واحترام الوحدة الترابية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”، مشددا على “أهمية تجنب إيواء أو دعم الجماعات الإرهابية والانفصالية التي تهدد استقرار القارة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالمغرب في إطار جهوده الدبلوماسية بقيادة الملك محمد السادس، يرى فرص الأمن والسلام حيث يرى البعض المشاكل، ويدعم الحلول المستدامة والطويلة الأمد بدل الحلول السهلة والمؤقتة، كما أنه ملتزم تجاه القارة حتى تتجاوز الشعارات إلى العمل الملموس، وهي مبادئ كبرى ورسائل إلى من يعنيهم الأمر، هؤلاء الذين يلعبون في ملعب المغرب بورقة الانفصال، ويمولون الجماعات المسلحة ويدعمون الإرهاب، ولا أدل على ذلك من المخطط الإرهابي الذي أحبطه جهاز الأمن المغربي المختص يوم الأربعاء 19 فبراير 2025، وكان يستهدف عدة مدن مغربية بتخطيط من قيادي ينتمي لتنظيم “داعش” في منطقة الساحل، التي أصبحت بؤرة تهدد السلم والأمن في إفريقيا.

فمواجهة التحديات، سواء الاقتصادية أو الأمنية، تتطلب شراكة فعلية من مختلف الأطراف المعنية، وتظافر الجهود واعتماد سياسات جذرية تعمل على تغيير العقليات التي تتبنى فكر الانفصال والإرهاب على حد سواء، باعتبارهما لا يختلفان في الأهداف، أي زعزعة استقرار الدول، ولذلك يعمل المغرب على وضع استراتيجيات لتحقيق السلم المنشود من طرف الدول التي تعاني من التمزقات، ومن النزاعات العرقية، من خلال الوساطات، وتاريخ المغرب حافل بوساطات كبيرة آخرها ((الزيارة التي قام بها كل من مدير المديرية العامة للدراسات والمستندات ياسين المنصوري، ووزير الخارجية ناصر بوريطة، مؤخرا، إلى شرق إفريقيا، حيث استقبل الرئيس الرواندي بول كاغامي، يوم السادس من شهر فبراير 2025، كلا من ياسين المنصوري وناصر بوريطة، الذي حمل إليه رسالة من الملك محمد السادس، وبعد ذلك بيوم واحد، انتقل الرجلان إلى البلد المجاور أنغولا، حيث استقبلهما رئيس الجمهورية جواو لورينسو.. هذه الزيارات تأتي، بدون شك، نتيجة تصاعد الصراع في شرق الكونغو، الذي تعد حركة “إم 23” المتمردة، محركه الرئيسي، بعد سيطرتها على مناطق استراتيجية قبل دخولها إلى غوما عاصمة إقليم شمال كيفو، وهو ما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين وتصاعد الأزمة الإنسانية، وفي تداخل بين الملفات الداخلية والخارجية في المنطقة، تتهم الكونغو وأطراف أخرى رواندا بتقديم الدعم للحركة المتمردة، وهو ما تنفيه كيغالي، ما يثير المخاوف من انزلاق البلدين إلى حرب مباشرة لن تنجو دول الجوار من تداعياتها…)) (تفاصيل أكثر في ركن: “ملف الأسبوع” عدد 14 فبراير 2025).

ثم وساطة المغرب بين الأطراف المتصارعة على السلطة في ليبيا منذ سنة 2011، وهي الوساطة التي تحظى بإشادة دولية كبرى لما كان لها من أثر إيجابي وفعال في إيجاد خارطة طريق من أجل إرساء مؤسسات الدولة في هذا البلد المغاربي(…)، كما أن المملكة سبق وعرضت وساطتها على فرقاء النزاع في السودان، غير أن الأوضاع لم تنضج من أجل إيجاد الحلول للأزمة في هذا البلد الذي سبق وأن قسم إلى السودان ودولة جنوب السودان.. 

فاهتمام المغرب بأمن واستقرار القارة لم يكن وليد هذه السنة أو التي قبلها، فقد سبق أن رفع الملك محمد السادس تحدي إفريقيا قوية بمواطنيها ومكوناتها، وذلك من خلال خطاب الذكرى الحادية والأربعين للمسيرة الخضراء، انطلاقا من العاصمة السنغالية دكار، وهو الخطاب الذي جاء محملا برسائل هادفة وملتزمة بقضايا وتحديات القارة ككل وليس المغرب وحده أو الدول الصديقة، ومما جاء في الخطاب الملكي: ((إن عودة المغرب للاتحاد الإفريقي ليست قرارا تكتيكيا، ولم تكن لحسابات ظرفية، وإنما هو قرار منطقي جاء بعد تفكير عميق.

وإن المغرب، الذي لا يتدخل في السياسة الداخلية للدول، ولا ينهج سياسة التفرقة، يأمل أن تتعامل كل الأطراف مع هذا القرار بكل حكمة ومسؤولية، لتغليب وحدة إفريقيا ومصلحة شعوبها.

فهذا القرار تتويج لسياستنا الإفريقية، وللعمل الميداني التضامني الذي يقوم به المغرب مع العديد من دول القارة، على مستوى النهوض بالتنمية الاقتصادية والبشرية، في سبيل خدمة المواطن الإفريقي.

وإضافة إلى التعاون الثنائي ومع المجموعات الإقليمية، سيتيح هذا الرجوع لبلادنا الانخراط في استراتيجيات التنمية القطاعية بإفريقيا، والمساهمة الفعالة فيها، وإغنائها بالتجربة التي راكمها المغرب في العديد من المجالات.

أما على مستوى القضايا والإشكالات الكبرى، فإن عودة المغرب إلى أسرته المؤسسية ستمكنه من إسماع صوت القارة في المحافل الدولية، وستتيح له مواصلة وتعزيز انخراطه من أجل إيجاد حلول موضوعية لها تراعي مصالح الشعوب الإفريقية وخصوصياتها.

وفي هذا الصدد، فإننا حريصون على مواصلة المساهمة في توطيد الأمن والاستقرار بمختلف المناطق التي تعرف التوتر والحروب، والعمل على حل الخلافات بالطرق السلمية.

كما أن هذه العودة، ستمكن المغرب من تقوية انخراطه في الجهود القارية لمحاربة التطرف والإرهاب، الذي يرهن مستقبل إفريقيا، وإننا ملتزمون بتقاسم تجربتنا المتميزة، المشهود بها عالميا، مع إخواننا الأفارقة، سواء في مجال التعاون الأمني أو على مستوى محاربة التطرف…))، وللتذكير، فهذا الخطب كان بتاريخ 6 نونبر 2016.

وهكذا يظهر من خلال خطة عمل المغرب التي وضعها الملك محمد السادس منذ توليه العرش، فيما يخص تقدم القارة الإفريقية على جميع المستويات، اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، أن المملكة تساوي بين أولويات إفريقيا وأولويات المغرب، لأن ((إفريقيا ليست مجرد انتماء جغرافي أو ارتباط تاريخي، بل هي علاقات إنسانية وروحية عميقة وتعاون مثمر قائم على التضامن، مما يجعل القارة محورا أساسيا في السياسة الخارجية المغربية))، كما جاء في إحدى الخطب الملكية.

فالمغرب انطلق في العمل من أجل أن تنهض القارة بشعوبها، وأن تحقق السلم والأمن، وهما العمود الفقري للاستقرار، منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي، وأخذ على عاتقه مشعل الدفاع عن مكانة القارة تاريخيا في المحافل الدولية، ودعا ولا زال يدعو مختلف الدول إلى ضرورة تجاوز الخلافات والتفرقة من أجل إفريقيا خالية من الانقسامات.. هذه النعرات القبلية والنزاعات على الحدود التي رسمها ورسخها الاستعمار فقط من أجل أن يبقى واضعا يديه على ثروات الإنسان الإفريقي، وهو ما يجب التصدي له بالعمل القاعدي وبتبني سياسات واستراتيجيات يتمكن من خلالها المواطنون الأفارقة من العيش في أمان في بلدانهم، وهذا لن يتحقق دون النهوض بالمجالات الاجتماعية والاقتصادية، أولها التعليم والصحة، وهما قطاعان أساسيان لكل نهضة، فبدون تعليم متقدم وبدون القضاء على الأمراض والأوبئة التي تنخر القارة لا يمكن تحقيق أي تقدم، وهو ما جعل معظم مناطقها منذ فترة الاستقلال عن الاستعمار الغربي، بيئة خصبة للنزاعات والصراعات، وتنشط فيها الحركات الانفصالية بشكل كبير يهدد سلم وأمن إفريقيا، خاصة في ظل تسليح جماعات إرهابية وجعلها ورقة سياسية لتهديد استقرار الدول.

ولهذا تم تنظيم منتدى رؤساء لجان الشؤون الخارجية بالبرلمانات الإفريقية، من أجل “وضع أسس دائمة للاستقرار والأمن في إفريقيا”، والذي أكد فيه الوزير ناصر بوريطة، أن المغرب يرى في إفريقيا فرصا للنمو والتكامل الاقتصادي، وأن التزام المملكة تجاه إفريقيا هو التزام بالأفعال لا بالشعارات، وفق رؤية ملكية تؤمن بروح المبادرة والمسؤولية، مشيرا إلى أن الملك محمد السادس قام بحوالي 50 زيارة لأكثر من 30 دولة إفريقية، ما يعكس الأهمية التي تحظى بها القارة في السياسة الخارجية للمغرب، وشدد بوريطة على أن “التعاون المغربي الإفريقي يركز على مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية، من خلال مشاريع ملموسة في مجالات التعليم والصحة والإسكان الاجتماعي، بهدف تحسين ظروف العيش للمواطن الإفريقي”، وختم الوزير مداخلته بالتأكيد على أن “المغرب يواصل استثماره في العلاقات الإفريقية عبر تعزيز التعاون جنوب-جنوب، إيمانا منه بأن مستقبل القارة يكمن في التكامل والعمل المشترك لتحقيق ازدهار دائم ومستدام”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى