
بالإجماع يعتبر الإضراب حقا من الحقوق اللصيقة بالأجراء والشغيلة، وهو وسيلة قانونية ومشروعة للدفاع عن المصالح والمطالب المعقولة للفئتين، شريطة المحافظة على توازن المصالح بينهم وبين مصالح المشغل والمحافظة على استمرار سير المرافق العامة في حدها الأدنى، كي لا يقع أي اضطراب أو خلل أو صراع اجتماعي، كما أنه يمارس في إطار قوانين الدولة المنظمة لممارسة حق الإضراب حتى لا ينقلب إلى فوضى اجتماعية عارمة.

من هيئة المحامين بالرباط
لحق الإضراب تاريخ موغل في القدم، مما جعل المجتمع الدولي يعترف بأهمية تنظيم ممارسة حق الإضراب، إذ جاء النص عليه في العهد الدولي، وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فمفوضية الأمم المتحدة المهتمة بحقوق الإنسان، وأرشيف المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، تؤكد أن فهرس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اعتمد القرار 217 ألف ـ د 3 ـ الصادر عن الجمعية العامة والمؤرخ في دجنبر 1948، جاء في مادته 23 البند رقم 1، أن “لكل شخص الحق في العمل وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومواتية وفي الحماية من البطالة”، وفي البند رقم 4: “لكل شخص الحق في تأسيس النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية المصالح”، وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تنص المادة 8 “البند حرف د”، على حق الإضراب شريطة ممارسته وفق قوانين البلد المعني، ونظرا لأهمية هذا الحق، نصت عليه مختلف الدساتير مهما كان نوع نظامها السياسي آخذة بعين الاعتبار مصالح المشغل ودوره الاقتصادي وأثر الإضراب على سير المرافق العمومية، والمرافق الخاصة، وكذلك رعاية ظروف العمال والشغالين، وكان المغرب من الدول التي نصت دساتيره على ضمان حق الإضراب، فدستور 1972 نص في فصله 14 على أن “حق الإضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق”، ودستور 2011 وسع نطاق الفصل 14 ونص في الفصل 29 على “حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وأن تأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمونة”، ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات في الفقرة الثانية، إذ نص على أن “حق الإضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط ومعرفة كيفيات ممارسته”.
ونقف وقفة تاريخية لنشير إلى صدور مراسيم قديمة كانت ترمي إلى تنظيم حق الإضراب، يظهر أن نصوصها كانت مقتبسة مما يجري به العمل في فرنسا، ومن تلك القوانين مرسوم 5 فبراير 1958، الذي ينص في فصله الخامس على “معاقبة المضربين العاملين في المرافق العمومية، وذلك خارج الضمانات التأديبية”، ويليه من حيث التاريخ صدور دستور 1962، حيث ورد في فصله 14 أن حق الإضراب مضمون، وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات اللازمة لممارسة هذا الحق، كما أن كلا من دستور 1970 و1972 كررا نفس النص، ونلاحظ أن مشروع القانون التنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، اقتبس من قانون أجنبي المساطير التي يمكن أن تتبع في المغرب قبل شن الإضراب، مثل الوساطة والتحكيم، ولكنه حذف التحكيم واستبدله بالمصالحة، إذن، أصبح من الضروري وبعد مدة طويلة، أن يصدر قانونا يبين بوضوح كيفية ممارسة حق الإضراب، وأثار ذلك الإضراب، وطرق المحافظة على سير المرافق العمومية في حدها الأدنى، أي ألا يكون الإضراب شاملا لنشاط جميع مصالح المرفق العام، والنصوص المنظمة لحق الإضراب تبين المرافق المستثناة من ممارسة حق الإضراب، ومرت مدة طويلة والمغرب ينتظر صدور القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، وربما كان من أسباب التأخير التخوف من التعسف في ممارسة هذا الحق، أو حدوث وقائع تمس الأمن والنظام العام وترتكب أعمال عنف من طرف المدسوسين في صفوف الأجراء، أو عرقلة سير النشاط التجاري والاقتصادي، أو كون الإضراب سيمس بالمصالح المادية لأرباب العمل والمقاولات، وكان أيضا لابد للمغرب أن يفعل وينزل لأرض الواقع ممارسة حق الإضراب المنصوص عليه دستوريا، وعلى التزامه باحترام وتطبيق المواثيق الدولية والتي وافق وصادق عليها، وهكذا أعد المغرب مشروع قانون يتعلق بممارسة حق الإضراب، وفي منتصف سنة 2024، طرح المشروع للحوار والنقاش وجلسات الاستماع للمعنيين كما حدث مثلا مع المطالبة بتعديل مدونة الأسرة، وهذا الحوار المفتوح كان يرجى منه أن يضمن وحدة الاتجاه وتحديد المفاهيم، وتدقيق الشروط تجنبا لكل لبس أو تأويل أو خلاف يكون سببا في التصدع وإفراغ حق الإضراب من مضمونه الأساسي، والحرص على التوازن بين الفئتين، وسبق لـ”الأسبوع” أن أشارت إليه تحت عنوان “تحويل العمال إلى عبيد للباطرونا”، في عدد 21 شتنبر 2024، ويفهم مما نشر أن جلسات الحوار لم ترق إلى طموحات النقابيين، إذ أكدت النقابات الأكثر تمثيلية خلال اللقاء، على ضرورة التوافق على مضامين مشروع القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب وأهمية خضوع هذا المشروع للنقاش والحوار الاجتماعي الجاد والبناء، وغيرها من المقتضيات المتعلقة بهذا القانون، بهدف تطابق وجهات النظر، وأن النقابة الأكثر تمثيلا طلبت توسيع دائرة الحوار والنقاش، وعدم تهميش جهات لها اهتمامات بهذا المشروع، ومن المفيد جدا إشراكها في ذلك الحوار، خصوصا وأن هناك ـ كما نشر ـ معارضة قوية لهذا القانون من قبل هيئات ونقابات وتنسيقيات وطنية لما يتضمنه من قيود صارمة وغرامات مالية، تحول العمال إلى عبيد لدى المصانع والشركات والمؤسسات والمقاولات.
ونذكر أن الفقه اهتم بدراسة الجوانب الهامة من جوانب حق الإضراب، حيث تطرق إلى أثر الإضراب على عقد العمل، ورأي القضاء في ممارسة حق الإضراب، وهل الإضراب ينهي عقد العمل، وبقراءة أولية لمشروع القانون التنظيمي رقم 97.15 والاطلاع على تحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، تبين أن المشروع يحتوي على 49 مادة ومفهرس كما يلي: “الأحكام العامة، شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب في القطاع الخاص، شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب في القطاع العام، الأحكام الخاصة بالإضراب في المرافق الحيوية، العقوبات، أحكام مختلفة وختامية”، وإذا كان التعريف غالبا ما يصدر عن القضاء والفقه، فإن المشروع أبى إلا أن يعرف الإضراب بقوله: ((الإضراب هو كل توقف جماعي عن العمل يتم بصفة مدبرة ولمدة معينة، من أجل الدفاع عن حق من الحقوق أو مصلحة من المصالح الاجتماعية أو الاقتصادية للأجراء المضربين))، ويستنتج من هذا التعريف، أن الإضراب لا يقوم به أجير واحد أو موظف واحد، فذلك يعد منه تخليا عن مهامه، ولم يحدد المشروع عدد المضربين لتتكون منهم الوقفة الاحتجاجية، وأن يكون هدف الإضراب تحقيق مصالح أو مطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة، لذلك فلا يقبل شن إضراب للمطالبة بأهداف سياسية، فذلك متروك للأحزاب السياسية المكلفة دستوريا بتأطير المواطنين، وهكذا نصت الفقرة الثانية من المادة 5 من مشروع القانون، أن كل إضراب لتحقيق أهداف سياسية يعتبر ممنوعا، ورغبة في رفع كل التباس حول مدلول بعض المصطلحات، نص المشروع على المقصود من الأجير، والمشغل والجهة الداعية إلى الإضراب، والمرافق الحيوية، والمقصود من الحد الأدنى من الخدمة في حالة شن الإضراب، كما عرف المقصود من عرقلة حرية العمل، وذكرت المادة 425 التعريف المتعلق بالمنظمة النقابية الأكثر تمثيلا على الصعيد الوطني، والتزم مشروع القانون بمقتضيات تلك المادة، ومن هنا انطلقت بداية فرض القيود الصارمة على ممارسة الإضراب، وتفرغه من محتواه، وكانت هذه المناسبة فرصة لمعرفة حق الأجراء والمساعدين في المنازل، وقد صدر بشأنهم قانون خاص ينظم أحكام هذا النوع من العمل، وفي موضوع الأجراء في منازلهم، يقول شرح القانون الاجتماعي: “لكن على أرض الواقع، نجد أن حق الإضراب والانتماء النقابي من الأمور البعيدة كل البعد عن ممارستها من طرف الأجراء المشتغلين بمنازلهم، نظرا لتفرقهم وعدم تكتلهم بسبب البعد المكاني الذي يفصل بينهم والذي يجعل التواصل بين الأجراء شيئا بعيد المنال”، ولا يخفى أن الممارسة والمشاركة في الإضراب تخضع لاقتناع الأجير بفائدة شن الإضراب، ففي هذه الفرضية لا يلزم ولا يرغم الأجير على المشاركة في الإضراب، وتجب حمايته إذا خرج عن الجماعة الموافقة على الإضـراب، وذلك من باب احترام مبدأ حرية العمل، لذلك نصت المادة 13 من المشروع على أنه “يمنع عرقلة حرية العمل خلال مدة سريان الإضراب، ويمنع كل فعل يؤدي قد يؤدي إلى منع الأجير غير المضرب أو المشغل من ولوج أماكن العمل أو القيام بمزاولة نشاطه المهني، بواسطة الإيذاء أو العنف أو التهديد أو احتلال أماكن العمل أو مداخلها أو الطرق المؤدية إليها”، وسند هذه الحماية الفصل 21 من الدستور الذي ينص في فقرته الأولى أن “لكل فرد الحق في سلامة شخصه”، والفصل 22 الذي ينص على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف”، وفي إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع، أن المشغل لا يشترط على الأجير في عقد العمل أن يتنازل عن ممارسة حق الإضراب، فذلك شرط باطل لأن ممارسة ذلك الحق أو عدم ممارسته من النظام العام ما دام النص مقرونا بجزاء، وهو البطلان، وفي نظرنا يكون البطلان جزئيا، إذ يبطل الشرط ويبقى عقد العمل نافذا بمقتضى الشروط القانونية الأخرى الواردة في عقد العمل، وهذا ما استقر عليه العمل القضائي رغم أن الفصل 109 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أن “كل شرط من شأنه أن يمنع أو يحد من مباشرة الحقوق والرخص الثابتة لكل إنسان، كحقه في أن يباشر حقوقه المدنية، يكون باطلا ويؤدي إلى بطلان الالتزام الذي يعلق عليه”.
وإذا كان المشروع قرر حماية غير المشارك في الإضراب، فإنه من باب التوازن قرر حماية من اختار المشاركة في الإضراب لأنه مقتنع بأسبابه ودواعيه، لذلك يمنع على المشغلين ومنظماتهم المهنية وعلى المنظمات النقابية للأجراء، عرقلة ممارسة حق الإضراب بواسطة الاعتداء أو الانتقام أو الإغراء أو بواسطة أي وسيلة من الوسائل التي يمكن أن تحول دون ممارسة الأجراء لحقهم في الإضراب، وحفظا على مناصب الشغل للمشاركين في الإضراب، ولمنع كل تواطؤ من المشغل ليجلب محل المضربين أجراء لا تربطه بهم سابقا أي علاقة شغل قبل تاريخ تبليغه قرار الإضراب، لكن نظرا لأهمية نشاط المقاولة وما تقدمه للجمهور من خدمات أو سد الحاجيات الضرورية، سمح للمشغل بالاستعانة بأجراء آخرين خلال مدة الإضراب، لأن المشروع رأى أن الإضراب قد يؤثر على تزويد السوق بالمواد والخدمات الأساسية اللازمة لحماية حياة المواطنين وصحتهم وسلامتهم، لذلك يتعين على المشغل أو من ينوب عنه، الاستعانة بأجراء آخرين لتأمين استمرار المقاولة في تقديم خدماتها خلال مدة سريان الإضراب، وإذا وجدت عراقيل يمكن للسلطات المحلية المختصة اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرار المقاولة في تقديم خدماتها على مسؤولية المشغل ولم يبين المشروع – ولو على سبيل المثال – ما نوع تلك التدابير، وكيفية ممارستها، إذ قد يتعذر الحصول على من يحل محل المضربين إذا كان العمل يتطلب مهارات خاصة وتخصصات تتعلق بسير نشاط المقاولة، وكيف سيتحمل المشغل المسؤولية وتكاليف وعبء الأجراء المؤقتين ؟
وقد أخذ المشروع بمبدأ الأجرة مقابل العمل، فنص في المادة 14 أنه يعتبر الأجراء المشاركين في الإضراب، في حالة توقف مؤقت عن العمل خلال مدة إضرابهم، وفي هذه الحالة لا يمكنهم الاستفادة من الأجر عن المدة المذكورة، وهذه المادة سيعتمد عليها المشغل ليقتطع ويخصم من أجرة المشاركين في الإضراب أجرة الأيام التي توقفوا فيها عن العمل خلال مدة إضرابهم، وبعض المراجع الفقهية أشارت إلى أنواع الإضراب وذكروا منها: الإضراب الكلاسيكي أو التقليدي، الإضراب الدائري، الإضرابات قصيرة المدة والمتكررة، والإضراب عن الإنتاج، والإضراب مع احتلال أماكن العمل، وأنواع أخرى من الإضرابات منها: الإضراب عن العمل أثناء الساعات الإضافية، الإضراب مع التمسك بالشكليات الإدارية، والإضراب الإنذاري، والمشروع أشار إلى الإضراب الذي يتم بالتناوب وبكيفية متتالية، ومنعت المادة 12 من المشروع كل توقف مدبر عن العمل يتم بالتناوب وبكيفية متتالية بين فئات مهنية معينة أو مختلفة، تعمل في المقاولة أو المؤسسة نفسها، أو في إحدى المؤسسات التابعة لها، سواء تعلق هذا التوقيف بنشاط واحد من أنشطة المقاولة أو المؤسسة أو بعدة أنشطة، وفي نظرنا هذا المنع الصارم يضع قيودا قد تؤثر على ممارسة حق الإضراب، وتحد من فاعليته وجدواه وإن كان المشروع حاول التخفيف من تلك القيود بأن سمح باتخاذ قرار الإضراب على الصعيد الوطني، ونحن بصدد الاطلاع على مواد هذا المشروع، نقف على ما ورد في المادة 21، التي خولت للمشغل والجهة الداعية للإضراب، أن تطلب من رئيس المحكمة تعيين مفوض قضائي لمعاينة وإثبات ما شاب الإضراب من خروقات، وما أسفرت عنه وما وقع من حوادث، ومعاينة كل خرق لأحكام القانون التنظيمي أثناء سريان الإضراب، ونلاحظ على هذه المادة أنها أغفلت الاختصاصات المخولة للمفوض القضائي، والمنصوص عليها في القانون المنظم لمهنة ممارسة المفوضين القضائيين، فإثبات خرق القانون مسألة تخضع لمراقبة القضاء، والمفوض القضائي مختص بالمعاينة المادية المجردة من أي رأي قانوني، وإذا كان المفوض القضائي سيمارس هذا الاختصاص، فيجب إدخال تعديل على المادة التي تحدد اختصاصات المفوض القضائي والمنصوص عليها في القانون المنظم لممارسة مهنة المفوضين القضائيين، وابتداء من المادة 16 إلى 29 من المشروع، تظهر الشروط والأعباء والتحملات التي من شأنها أن تثقل كاهل الجهة الداعية للإضراب، والحيطة من عبء مسؤولية ما قد يحدث إذا وقع إضراب مخالف لما نص عليه قانون ممارسة حق الإضراب، وذلك كله يتضمن نوعا من الإجراءات المعقدة المرهقة، ومساعي تتطلب وقتا طويلا ومراسلات مختلفة مع جهات إدارية متعددة، واحترام الآجال، ودراسة مطالب العمال والاستعانة بالوسيط، ثم المصالحة قبل شن الإضراب، ثم تأتي المرحلة القضائية، مما يزرع اليأس لخوض الإضراب، ومن النتائج التي سيسفر عنها ذاك الإضراب، لأنه إضراب فرضت عليه قيود صارمة منها مثلا أجل 15 يوما لعقد جمع عام للمقاولة أو المؤسسة، وأجل 15 يوما لتبليغ المشغل بقرار الإضراب، وأجل 30 يوما ليدرس المشغل مطالب الأجراء المضربين، ويخفض الآجال إلى 5 أيام إذا كان سبب الإضراب عدم أداء الأجور، وأجل 7 أيام لتبليغ الجهات المعنية بقرار الإضراب، و48 ساعة لطلب تعيين مفوض قضائي يقوم بمعاينة الإخلالات التي وقعت خلال مدة الإضراب، أما القضاء، فإن الفقرة الثانية من المادة 25 نصت على اختصاصات قاضي المستعجلات للبت في الطلبات المتعلقة بالأضرار التي لحقت بممتلكات المقاولة أو المؤسسة، وكذا الوقائع المشار إليها في تلك الفقرة، ويمكن لقاضي المستعجلات أن يأمر بتعليق الإضراب في حالة ما إذا كانت ممارسته ستؤدي إلى تهديد النظام العام أو عرقلة تقديم الخدمات الأساسية في حدودها الأدنى، أما المادة 28 من المشروع، فقد منحت لرئيس الحكومة سلطة واسعة ليقرر بصفة استثنائية وبموجب قرار معلل منع الإضراب أو وقفه لمدة محددة في حالة حدوث آفات أو كوارث طبيعية أو أزمة وطنية، ويبقى للقضاء تحديد المقصود من الأزمة الوطنية ولو على سبيل المثال، لأن عبارة أزمة وطنية فضفاضة وقابلة لعدة تفسيرات وتأويلات، والمشروع ذكر الاستعانة بوسيط، ولم يذكر مؤهلات واختصاص هذا الوسيط وكيف يقع عليه الاختيار، ولا كيف تجري مسطرة المصالحة وطريقة إثباتها للرجوع إلى محاضر المصالحة عند الاقتضاء.
فهذه الإجراءات المعقدة والشاقة أفرغت حق ممارسة الإضراب من محتواه وجدواه، وأصبحت عائقا بسبب صعوبة التغلب على مسطرة ممارسة حق الإضراب، وجاء في رأي فقهي أن الوساطة والتوفيق هي وسائل تستغرق وقتا أطول، فضلا عن أن صاحب العمل يظل محتفظا بمركزه المتفوق في مواجهة العمال، ولذلك، فإن الإضراب يعد وسيلة ناجعة في نجاح الوسائل الأخرى لحل منازعات العمل الجماعية، فالتلويح به أثناء هذه الوسائل يعد عاملا قويا في إنجاحها. المهم الآن، أن البرلمان صادق على مشروع قانون ممارسة حق الإضراب، ولكن نسبة الموافقة كانت ضعيفة جدا، بسبب غياب عدد كبير من النواب، فكيف يفسر هذا الغياب، هل يعتبر امتناعا عن التصويت؟ هل يعتبر رفضا لما ورد في المشروع المتعلق بممارسة حق الإضراب؟ هل هو تهاون وتخلي عن المهمة والمسؤولية التي يتحملها كل نائب في ظروف في منتهى الدقة وتتعلق بموضوع يهم الفئة الكبرى من المواطنين الذين وضعوا ثقتهم في النواب الغائبين؟
والقاعدة أنه لا ينسب لساكت قبول، ونظرا لأهمية هذا القانون وكونه يمس الشريحة المهمة التي يتكون منها الشعب المغربي، كان يجب أن يحظى باهتمام جميع النواب، وها هو الغياب تسبب في رفض ما حمله هذا القانون بعد طول انتظار، وتعالت أصوات الاحتجاج على عيوبه، وحدث إضراب لعيوب قانون الإضراب، ومنها الإفراط في فرض العقوبات والغرامات الفادحة، إذ يكفي الرجوع إلى الباب الخامس لنجد أن المشروع خصص المواد من 35 إلى 44 التي تنص على العقوبة بغرامات باهظة تصل إلى 50.000 درهم، والمادة 45 نصت على تضاعف العقوبة في حالة العود، فترتفع الغرامة إلى 100.000 درهم، لم يكن هذا هو الأمل المعقود على صدور قانون الإضراب بعد طول انتظار، ويا ليتها لو بقيت الحالة كما كانت عليه، فإذا لم يكن القانون مرآة ساطعة تعكس التطلعات المشروعة التي تروج في المجتمع، فلن يقبل ولن يذعن أحد لذلك القانون، وهذا ما حدث منذ مدة قريبة في بعض الدول، التي رفضت شعوبها صدور قوانين اعتبرتها جائرة ولا تساير التطلعات، ولإطفاء نار الوقفات الاحتجاجية اضطرت حكومات تلك الدول التراجع عن موقفها، فالحكومات جاءت لخدمة الشعوب وليس لفرض عقوبات عليها لمجرد المطالبة بممارسة حق مشروع، أو إحداث فجوات الشقاق بين طبقة العمال وطبقة المشغلين، الأمر الذي يضر بوحدة التماسك الوطني بين مختلف الطبقات، وللإشارة، سبق للمشرع المغربي أن تراجع ونسخ القانون المتعلق بأداء ضريبة عن السفر ومغادرة التراب الوطني، ويبقى الأمل معقودا على المحكمة الدستورية، لمراقبة مدى دستورية هذا القانون وكون مواده مطابقة أو غير مطابقة لما نص عليه الدستور من حقوق وضمان ممارستها، وهذه مناسبة للمطالبة بصدور القانون المتعلق بالطعن في عدم دستورية القانون.



