ربورتاج | محاولة الاستيلاء على هبة الملك محمد الخامس لقائد جيش التحرير
هل يجهل المنتخبون في البيضاء تاريخ المقاوم بن حمو ؟
الكولونيل محمد بن حمو من أبرز رجال المقاومة الوطنية في خمسينيات القرن الماضي، بل كان مؤسس نواة جيش التحرير الوطني في الأقاليم الجنوبية، وقدم تضحيات كثيرة نال على إثرها اعترافا وتقديرا من الملكين الراحلين بطل التحرير محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما، نظرا للدور الذي لعبه في زرع الروح الوطنية لدى رجال المقاومة وأعضاء جيش التحرير أمام الاستعمارين الفرنسي والإسباني.
اليوم، تعيش زوجة وأبناء المرحوم العقيد بن حمو مضايقات من قبل جماعة الدار البيضاء وجهات أخرى(…) تسعى إلى طردهم من المسكن (فيلا قديمة) المتواجد في شارع الناظور.. هذا المنزل هو هبة ملكية من محمد الخامس للمقاوم بن حمو نظير خدماته وتضحياته الجليلة ضمن جيش التحرير والحركة الوطنية، لكن مجلس جماعة الدار البيضاء ومنتخبيه والسلطات تتنكر لتضحيات هذا المقاوم الكبير الذي حظي باستقبال خاص من قبل الملك محمد السادس في سنة 1999.
إعداد: خالد الغازي
حصل الكولونيل محمد بن حمو على هذا المسكن القديم جدا سنة 1956، قبل ظهور الجماعة أو المجالس المنتخبة، كهبة ملكية من السلطان محمد الخامس تقديرا لتضحياته ونضاله، وكان حينها بمثابة مقر خاص للمقاومين وذاكرة تاريخية للمقاومة الوطنية وأعضاء جيش التحرير، حيث شهد هذا المقر رسم مخططات وعمليات المقاومة الوطنية وجيش التحرير، وكان بن حمو يستقبل فيه المقاومين الصحراويين ورفاقه في جيش التحرير، كل من إدريس بن بوبكر، بن حمو الكاميلي، سعيد بونعيلات، بنسعيد أيت إيدر، الفقيه البصري، ماء العينين، وغيرهم، وينظم فيه اجتماعاته ويستضيف فيه رجال المقاومة من جهة الدار البيضاء وسوس والجنوب المغربي.
فالكولونيل بن حمو كان مقربا من الملك محمد الخامس وحظي بتقدير كبير من قبل الحسن الثاني عندما كان وليا للعهد، لكن بسبب خلافاته مع أوفقير وأعداء رجال المقاومة وجيش التحرير، وجد نفسه في دوامة ودائرة ضيقة تسعى إلى التخلص منه كما تم التخلص من قدماء المقاومة الذين تم سجنهم أو اغتيالهم من قبل مجموعة أوفقير، حيث تعرض للكسر خلال فراره من مطاردة الجنرال الدليمي له، هذا الأخير وضع أمامه الكثير من الحواجز لمنعه من الوصول للملك الحسن الثاني، لكونه كان يدافع عن إدماج المقاومين في القوات المسلحة الملكية والمندوبية السامية.
فالملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، كان يعرف الكولونيل بن حمو حق المعرفة منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث رافقه في سنة 1956 للأقاليم الجنوبية في زيارة تاريخية ترحموا خلالها على أرواح شهداء جيش التحرير في المعارك التي دارت في الجنوب مع القوات الإسبانية، هذا التقارب واعتراف الحسن الثاني بمكانة جيش التحرير في الدفاع عن الوطن، أزعج الجنرالين أوفقير والدليمي، مما جعل بن حمو غير مرغوب فيه من قبلهما ومستهدف في حياته.
تعرض بن حمو رفقة زوجته نعيمة أيت أومغار لعدة مضايقات ومحاولات اغتيال من قبل الجنرال أوفقير وأعوانه، للانتقام منه بصفته أبرز زعماء جيش التحرير الوطنيين الذين وقفوا أمام غطرسة الجنرال ضد رجال المقاومة والحركة الوطنية، حيث تلقى اتصالا في سنة 1964 من جهة ما بالرباط، تخبره بضرورة الهروب من منزله الموجود بشارع الناظور وإنقاذ نفسه، مما دفعه للجوء إلى الجزائر رفقة زوجته لمدة 11 سنة، لكونه كان ندا لأوفقير الذي كان يلاحق جميع رجال المقاومة الوطنيين، ثم مرت السنوات قبل أن يقرر العودة لأرض الوطن بعد المسيرة الخضراء سنة 1975.
تحكي زوجته نعيمة التي تحمل رتبة “كوموندو” في جيش التحرير، أن بن حمو هرب الأول من المنزل، ثم اتفق معها على لقائه بمنطقة لوازيس قبل الذهاب إلى منطقة أيت باعمران للمكوث فيها لعدة أشهر، ليظل تحت حماية المقاومين الذين كان يعتمد على بعضهم للتواصل وتبادل المعلومات والتواري عن الأنظار، من بينهم البريني، الصحراوي، إدريس بن بوبكر، الحسن ولد الكرشة، البيضاوي، وغيرهم.

وقذ حظي الكولونيل بن حمو رفقة زوجته بعد عودته من الجزائر، باهتمام كبير من قبل الملك الحسن الثاني الذي استضافه في قصر الصخيرات لعدة أشهر، حتى تم منحه منزلا في حي أكدال بالرباط سنة 1975 ليستقر فيه رفقة زوجته إلى غاية سنة 1995، وعمل بن حمو على إلحاق عدد كبير من أعضاء جيش التحرير بالقوات المسلحة الملكية، بعد موافقة الملك على منحهم رتبا عسكرية، وتم إلحاقهم بالمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير التي تأسست بفضل نضال بن حمو ورفاقه لإنصاف رجال جيش التحرير.
بعد سنوات في العاصمة الرباط، قرر الكولونيل بن حمو رفقة زوجته العودة إلى منزله القديم الأول في الدار البيضاء، الممنوح لهما من قبل السلطان محمد الخامس للاستقرار فيه واستحضار ذكريات المقاومة وجيش التحرير، بعدما أخذ موافقة الملك الحسن الثاني الذي أعطى تعليماته للجنرال القاديري والمهندس المسفر، لإصلاح وترميم البيت على نفقته الخاصة بملايين السنتيمات خلال الفترة ما بين 1994 و1995، حتى يكون جاهزا للاستقرار بشكل دائم، لكن في سنة 1996، فوجئت أسرة بن حمو بمحاولة جماعة الدار البيضاء تحفيظ المنزل باسمها، لكن طلبها رفض مرتين، إلا أنه في سنة 1997 تم قبول الملف من قبل المحافظة العقارية، مما جعل الأسرة تتساءل عن الجهة التي تريد نزع ملكية البيت منها الذي ظل في حوزتها منذ ما قبل الاستقلال.
وفي سنة 1999، استقبل الملك محمد السادس أمير المؤمنين وراعي أسرة المقاومة بالقصر الملكي الكولونيل محمد بن حمو، تقديرا واعترافا بوطنية الرجل المقاوم الذي سخر حياته رفقة زوجته لدعم جيش التحرير، ودعم المقاومين الوطنيين في الجنوب والوسط، وعقب هذا اللقاء، صدرت تعليمات ملكية في رسالة أولى موجهة إلى إدارة الوقاية المدنية بمدينة ورزازات، التي كانت تستولي على محل تجاري، لكنها لم تنفذ القرار إلا في سنة 2006، أما الرسالة الثانية، فقد أرسلت إلى الجماعة الحضرية بالدار البيضاء والأملاك المخزنية، تحثها على تسوية وضعية المنزل المتواجد في شارع الناظور لفائدة بن حمو وزوجته، لكن لم يتم تنفيذ هذا القرار الصادر عن الديوان الملكي، مما يطرح تساؤلات عريضة حول الجهة التي رفضت تنفيذ التعليمات الملكية بالدار البيضاء، والتي تقف وراء محاولة نزع المنزل من الأسرة حاليا، رغم توصل الجماعة سابقا بقرار ملكي.
عقب وفاة الكولونيل بن حمو، توصلت زوجته وأبناؤه برسالة تعزية من الملك محمد السادس، أكد فيها وطنية الرجل المقاوم الصادق الذي كرس حياته دفاعا عن الوطن واستقلاله، وجاء فيها: ((لقد فقد المغرب برحيل الكولونيل محمد بن حمو مقاوما صادقا استرخص الغالي والنفيس في سبيل حرية الوطن واستقلاله، إذ كان رحمه الله من أقطاب المقاومة وجيش التحرير بالأقاليم الجنوبية للمملكة)).
واليوم، فوجئت أسرة الكولونيل مرة أخرى بقرار صادر عن مجلس جماعة الدار البيضاء، يرغب في عرض مسكن بن حمو الذي يعد بمثابة متحف ومقر للمقاومين، للبيع في المزاد العلني، باعتباره ملكا جماعيا، حيث أرسلت لجنة إدارية وتقنية في أكتوبر 2024 مرفوقة برجال السلطة والباشا، لمعاينة هذا المسكن، الذي يعتبر ذاكرة تاريخية للمقاومة والمقاومين، والقيام بالإجراءات المفضية لإفراغ الأسرة منه وعرضه للبيع.
وتقول أرملة الكولونيل بن حمو نعيمة أيت أومغار، في شكايتها التي رفعتها إلى الملك محمد السادس أمير المؤمنين: “كما سبق لكم يا مولاي بمناسبة آخر مثول للمرحوم بين أيديكم، أن زكيتم مقرر والدكم رحمة الله عليه، ووجهتم رسالة ملكية سامية إلى المجموعة الحضرية الكبرى للدار البيضاء من أجل تسوية ونقل ملكية العقار لفائدة زوجي الفقيد، إلا أنه وخلافا للتعليمات الملكية السامية، فوجئنا مؤخرا يا مولاي بقرار المجلس الجماعي بالدار البيضاء، عزمه على عرض محلنا السكني هذا للبيع بالمزاد العلني باعتباره ملكا للجماعة الحضرية”.
وتلتمس أرملة قيدوم المقاومين تدخلا ملكيا لإنصافها وإنقاذ أبنائها من الضياع ومن سلبهم الهبة الملكية الكريمة، الممنوحة للفقيد وأسرته لقاء ما أسداه الرجل من خدمات جليلة للوطن، راجية إصدار تعليمات ملكية إلى المجلس الجماعي للدار البيضاء، لإيقاف إجراءات تنفيذ القرار القاضي بحرمانهم من المنزل الموهوب من الملكين الحسن الثاني ومحمد الخامس لزوجها محمد بن حمو، وتسوية الوضعية القانونية للمسكن الذي لا يتوفرون إلا عليه عبر نقل ملكيته لذوي الحقوق وأبناء الكولونيل بن حمو.
الكولونيل بن حمو من خيرة رجال المقاومة الذين قدموا تضحيات كبيرة لهذا الوطن، وساهموا في توحيد جيش التحرير والمقاومين وراء الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، ويعود له الفضل في بداية تأسيس المندوبية السامية للمقاومين وأعضاء جيش التحرير التي أنصفت الكثير من المقاومين الوطنيين وأبنائهم، ومن المهم إنصاف هذا المقاوم الراحل عبر تكريم زوجته وأبنائه والحفاظ على منزله الذي يعتبر إرثا تاريخيا للعائلة وأسرة المقاومة.



