المنبر الحر

المنبر الحر | طلاب العلم بين التعاسة والسعادة

بقلم: نور الدين الرياحي

    منذ 15 سنة كتب أنيس منصور عن ظاهرة جد غريبة أصبحت تغزو الجامعات ومعاهد التكوين، ناتجة طبعا عن تضاعف كثرة الطلبة في كل ميادين التخصص، من تعليم وطب وهندسة ومحاماة ومحاسبة وصحافة، وغير ذلك من المهن..

ولا شك أن الظاهرة بقدر ما كانت ولا زالت تهم إنجلترا ومصر، فهي كذلك تهم بلادنا.

فقد أخبر بأن استفتاء في بريطانيا حول سعادة طلاب الجامعات الخاصة وتعاستهم، خلص إلى أن السعادة هي أن الطلاب أساتذتهم بالقرب منهم وأن تكون بينهم علاقة شخصية، والتعاسة أن يوجد الطلبة ويغيب الأساتذة، ولكن لأسباب غريبة عنا.

تتمة المقال تحت الإعلان

فطبعا لا يسعنا إلا أن نهنئ الجامعة الإنجليزية على اهتمامها بالجانب النفسي للطالب أو المتكون ولأساتذته، ولكن ما هي السعادة؟ يعجبني دائما ذلك التعريف الذي يعطيها لها ليون تولستوي: “يخطئ من يظن أن غاية الحياة هي في خدمة الله فقط، بل إن غاية الحياة هي في الحصول على السعادة أيضا، وقد أرادها الله لنا، فمن يطلبها يتمم إرادة الله”، لذلك فإن حق الطلاب في أن يكونوا سعداء طوال حياتهم الطلابية، هو إتمام لإرادة الله، لكن كيف يتحقق ذلك؟ طبعا لا يمكن أن نطلب من الأستاذ الجامعي، سواء كان طبيبا أو محاميا أو مهندسا أو محاسبا أو قاضيا أو غيره، أن يلبي جميع طلبات طلابه ويكون قريبا منهم، فهو حسب أنيس منصور ليس عنده وقت لأنه يجري من عيادة إلى مستشفى إلى مكتب أو محكمة ولا يجد وقتا للقراءة، وحسب استفتاء الجامعة الإنجليزية هو أن الأستاذ مشغول بأبحاثه أكثر من انشغاله بالطلبة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وخلص الاستفتاء إلى المعادلة الصعبة، وهي أن يختصر الأساتذة من ساعات البحث ويضيفونها إلى ساعات المحاضرات والمناقشة الشخصية مع الطلبة.

وفي شعور هؤلاء بأن أستاذهم أقرب إليهم، وعندما يتقاسم معهم همومهم من مشاكل البحث والنقل والمعيشة اليومية والسكن والترفيه والمشاكل النفسية، وغير ذلك من المعاناة التي يجدون في الأستاذ ذلكم المتوفر على “العصى السحرية” لرفعها، يطمئنون إليه ويسعدون بالقرب منه.

وقد جربنا ونحن طلبة هذه السعادة كما جربناها ونحن أساتذة.

يحكون على الفنان الأمريكي الكبير فرانك سيناترا، أنه في أحد المطاعم الفاخرة بلوس أنجلوس رفقة بعض أصدقائه، تنبه إلى أن نادلا تبدو عليه علامات الحزن والكآبة، وبعد أن هم بمغادرة المطعم سأل النادل عن سبب ذلك، فأجابه بأنه طالب ويعمل من أجل أداء مصاريف الجامعة والكراء والتنقل، ولكن رغم مضاعفة وقت العمل المرهق، أصبح غير قادر على تسديد أقساط المصاريف والتغلب على القروض… هنا أخرج فرانك سيناترا دفتر شيكاته وطلب من النادل الطالب كم يلزمه من المال ليسعد، فأخبره، ووقع له الشيك، وكان ذلك خلسة من صاحب المطعم وعماله وضيوفه، وفي سرية تامة، وبعد إشاعة الخبر في الوسط المخملي لهوليود الذي كان يظن أن فرانك رجل ذو مشاعر جافة في ميدان المال والأعمال، علموا بأن طيبوبة وسخاء الرجل وابتغاءه السعادة للآخرين، ناتجة عن ما عاناه هو الآخر في بداية حياته، وأن ما يشاع على الإنسان ليس هو الحقيقة في بعض الأحيان، لذلك تبدأ تعاسة الطالب من الكلية والجامعة ولا تنتهي أحيانا إلا إذا وجد أستاذا يحل المعادلة الصعبة بالتضحية بوقت بحثه لفائدة طلبته، ومحسنا كفرانك سيناترا يقرأ في وجه الإنسان الحزن والألم والفرحة، ويسعى إلى إتمام إرادة الله بتحقيق السعادة لنفسه كما قال ليون تولستوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى