المنبر الحر

المنبر الحر | المغرب.. من زمن التحديث إلى زمن الحداثة ؟

بقلم: بنعيسى يوسفي

    هناك سؤال يطرح دائما وبإلحاح، هل دخل المجتمع المغربي إلى الحداثة بمفهومها الواسع وبصورتها الحقيقية؟ والجواب من المؤكد ليس جوابا واحدا ولن يكون كذلك، مادام أن هناك اختلافا عميقا بين أطياف المجتمع المغربي، سواء عند الطبقة المثقفة أو باقي شرائح المجتمع حول هذا الموضوع، وطبيعي أن تكون أجوبة هؤلاء متباينة ومتمايزة حياله، أولا لكون المسألة تتعلق بمفهوم ليس من إنتاجهم وليس وليد البيئة المغربية أو حتى العربية، وبالتالي، طبيعي أن تتضارب الأفكار والآراء حوله، وثانيا لأن كل واحد ينطلق من فهمه الخاص لهذا المفهوم، انطلاقا من قراءاته وتجاربه بهذا الخصوص، وحتى الطبقة المثقفة التي من المفروض أن تُوحّد النظر والتصور إزاءه، تجدها هي الأخرى تتعاطى معه من منظورات مختلفة، وهكذا يبدو الأمر حينما نتحدث عن الحداثة وكأننا نتحدث عن حداثات كثيرة ومتنوعة، والحال أنه عند أهلها هناك حداثة واحدة لا ثاني لها، أفرزها سياق تاريخي وثقافي معين، لذلك تجد في المغرب من يتحدث عن التحديث عوض الحداثة، وهناك من يقول العكس، وإن كان في الواقع هذا التحديث هو جزء من الحداثة ووجه من أوجهها البسيطة، لكن ليس معيارا أو تمظهرا كافيا لنقل أن هذا المجتمع بوجوده يصير مجتمعا حداثيا في شموليته، ومن هنا نستطيع القول أن كل ما يعيشه المغرب من تطور على مستويات عدة هو ناتج عن التحديث وليس الحداثة، باعتبار أن الحداثة مفهوم أوسع من التحديث، والحداثة سيرورة فكرية وعلمية ممتدة في الزمن والمكان، وتنزيلها على الواقع يفترض العديد من الشروط الموضوعية والتاريخية، ومستوى جد متقدم في المجال العلمي والمعرفي والسياسي، ووضع حد لهيمنة الفكر التقليدي الذي يلقي بثقله على كل مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية فيه، الشيء الذي يبدو غير متوفر في المغرب، والتحديث لا يعدو أن يكون عملية أو دينامية تقنية ليس إلا تمس مجالات دون غيرها، ولذلك نستطيع القول مادام أن في المغرب شروط تبيئة الفكر الحداثي وترسيخه غير متوفرة وغير ناضجة بالشكل الكافي رغم ما قد يظهر لنا في العديد من المجالات من حداثة كما سنوضح ذلك لاحقا، فإنه يجوز أن نعتبر كل هذا الذي يعيشه المغرب لا يخرج عن إطار التحديث وحسب، هذه العملية التي دخلها المغرب كما دخلتها العديد من المجتمعات غير الأوروبية منذ دخول الاستعمار إلى الآن بدرجات متفاوتة، والتحديث هو سيرورة طبيعية تبدأ بالتحديث التقني وبتحديث الآلات والأجهزة وإدخال الكهرباء والسيارات والوسائل التكنولوجية وغيرها، وهذا ما يسمى بالتحديث التقني، يليه التحديث التنظيمي المتعلق بتنظيم المجتمع وتنظيم الدولة وتنظيم السياسة والمؤسسات المتفرعة عنها، سياسية كانت أو مدنية، ووضع القوانين والمحاكم، ثم بدء القبول بالديمقراطية كشكل من أشكال الحكم وممارسة السلطة وتداولها وتدبير شؤون الدولة، رغم أنها كانت في البداية تلاقي معارضة شديدة من طرف العديد من الفقهاء، لكن يبدو اليوم أن صوت معارضتها بدأ يخبو تدريجيا إذا لم نقل أنه اختفى نهائيا، هذا ما نلاحظه في المجتمع المغربي، وهذا كله يدخل في إطار التحديث الذي فرض نفسه عليه، والسياق العام والتطور التاريخي يدفعه للبحث عنه والانخراط فيه، فبالنسبة للمغرب قد يبدو الأمر عاديا، لأنه دائما منفتح على الحضارة الغربية، وله دائما قصب السبق في دخول منظومة التحديث من بابها الواسع، ولم يكن ذلك يشكل له أدنى حرج أو عقدة نقص، لكن في المقابل هناك مجتمعات متزمتة ومنغلقة تنظر إلى هذا التحديث بنظرة مريبة، وخاصة التحديث التقني الذي كانت تجعله إلى عهد قريب في خانة المحرمات، لكن في العقود الأخيرة نجدها وقد جرفها هذا التيار التحديثي العاتي ولم تستطع الصمود أمام إغراءاته والرفاهية التي يوفرها لها، وبالتالي، أمست أكبر مستهلك لكل أشكال الوسائل التقنية التي لا تعد ولا تحصى، وأصبحت جزء لا يتجزأ من حياتها ومعيشها اليومي، فالتحديث بهذا المستوى يكتسح المجتمعات تدريجيا، ويكسب مواقع بالتدريج، وتقريبا سيقضي على كل أشكال الممانعة والمقاومة التي تظهر ضدها فيها، ومجتمعنا عرف هذا الاكتساح بشكل كبير وقطع فيه أشواطا كبيرة .

من نافلة القول أن صورة الحداثة لا يمكن أن تتشكل أو تكتمل كما أسلفنا الذكر عن طريق التحديث التقني أو التنظيمي أو ما شابه، لأن ذلك يعتبر من إفرازات الحداثة ووجها من أوجهها، وليس صلب الحداثة أو عمقها، باعتبار أن عمقها وجوهرها هو فكري وثقافي وفلسفي بالدرجة الأولى، فلكي نتمثل الحداثة في صورتها الحقيقية، يجب أن نصل إلى المستوى الفكري والثقافي الذي أنتجها، وهو بيت القصيد ومربط الفرس في المسألة، فإذا لم نصل لذلك المستوى فسوف نعكس صورة مشوهة لهذه الحداثة على أبعد تقدير.

إن الإشكال الحقيقي الذي يعاني منه المغرب والذي يجعله يجد صعوبة بالغة في ولوج عالم الحداثة، هو عدم قدرته على الدخول في التحديث الثقافي والفكري باعتباره عملية داخلية صرفة لا يمكن أن نستعين فيها بأي جهة أخرى، بمعنى أن ينخرط المجتمع من تلقاء نفسه في هذه الدينامية التي تتطلب درجة أكبر من العقلانية والنسبية، والقبول بالاختلاف وبالتعدد واحترام حقوق الإنسان وما إلى ذلك من مقومات الحداثة الحقيقية، وهذا المستوى من التحديث، أقصد التحديث الثقافي والفكري، من دون شك يتطلب زمنا طويلا وقد يكون بطيئا وراسخا، حيث تغيير المقولات والمعطيات وخلق الثورات الفكرية والقطائع مع ثقافات معينة والتأسيس لأخرى، وإيجاد الأرضية المناسبة لها قد يحتاج لعقود طويلة، وإن كانت المسألة تبدو في غاية الصعوبة، وهذا التحول وإن يبدو عسيرا، فإن هناك نقطا مضيئة بدأت تتشكل معالمها بشكل بطيء وتدريجي، يمكن أن تفضي به إلى الحداثة، ولعل الانتشار الواسع للجامعات في كل ربوعه، معها يمكن أن تنتشر الحداثة بشكل أو بآخر، فالجامعة هي شكل من أشكال إشاعة الفكر الحديث، ولقد بدأت تظهر ملامح هذا التحديث الثقافي فيه ولو بشكل محتشم، يعكسها خريجو هذه الجامعات بالرغم من احتفاظهم طبعا بهويتهم العربية الإسلامية، لكنهم اكتسبوا مهارات البحث العلمي ومنطقه ومتطلباته من مقدمة ومشاهدة وتحليل وما إلى ذلك، كلها خطوات أو مسارات في هذا الدرب الكبير، الذي هو التحديث الثقافي والفكري، والذي يعتبر العصب الحي للتحول الحداثي، والمجتمع المغربي ككل المجتمعات التي تداهمها الحداثة، يعيش، بوعي أو بدونه، نوعا من الصراع، خاصة على مستوى القيم والتصورات، بين الثقافة الحداثية وبين الثقافة التقليدية، ولكن تبقى المسألة مسألة اجتهاد وتكيف وتطور قد تُحل مع الزمن .

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى