تحقيقات أسبوعية

متابعات | مؤشرات تورط الحكومة في تعميق أعطاب الديمقراطية التشاركية

يطرح سؤال التشريع والديمقراطية العديد من التساؤلات لدى الفاعلين السياسيين والحزبيين في المشهد البرلماني الحالي، الذي تهيمن عليه الأغلبية الحكومية، ويكشف عن إشكاليات في صياغة وإعداد وتمرير مشاريع القوانين دون استحضار المقاربة التشاركية المجتمعية، أو المقاربة الدستورية التي تنص على ضرورة أن تتحلى هذه القوانين بالسيادة الشعبية قبل تمريرها داخل المؤسسة التشريعية.

إعداد: خالد الغازي

    يؤكد العديد من الخبراء والفاعلين السياسيين، أن الحكومة الحالية استفردت بمجال التشريع لنفسها، محتكرة جميع المراحل التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار، سواء من ناحية المناقشة أو القراءة أو المشاركة المفتوحة لكل الفاعلين في المجتمع، على غرار ما حدث في مشروع مدونة الأسرة، الذي لولا الإرادة الملكية لما قامت الحكومة بتوسيع باب النقاش مع كل الفاعلين السياسيين والمدنيين والحقوقيين، حيث تم الاستماع إلى الجمعيات والأحزاب ومختلف الهيئات من قبل اللجنة المكلفة بصياغة مشروع مدونة الأسرة وفق أسس الديمقراطية التشاركية.

تتمة المقال تحت الإعلان
أحمد البوز

في هذا الصدد، يرى أحمد البوز، أستاذ العلوم السياسية، أنه لا يمكن أن يكون هناك تشريع ديمقراطي إذا وقفنا على التشريع الديمقراطي انطلاقا من ثلاثة مداخل، سواء تعلق الأمر بالتشريع الدستوري أو التشريع بالمعنى الضيق، أي القانون الصادر عن البرلمان، أو غيره من أنواع التشريعات، كيفية وضع مضمونه وكيفية تطبيقه، فيمكن أن يكون نصا جيدا ولكن على مستوى التفعيل يمكن ألا يعكس روح ذلك المضمون، والطريقة أيضا تعطي صورة أولية على طبيعة هذا النص، هل هو ديمقراطي أو يمكن أن يكون ديمقراطيا ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

وأوضح البوز، في لقاء نظم يوم 6 فبراير الجاري بمقر هيئة المحامين بالرباط حول موضوع: “صناعة التشريع وسؤال الديمقراطية”، (أوضح) أن هناك أربعة قواعد أساسية معروفة: المسألة الأولى هي السيادة الشعبية، حيث لا يمكن الحديث عن تشريع ديمقراطي إلا في إطار واحد: نظام سياسي السيادة فيه مصدرها الشعب أو الأمة حسب التسميات، بمعنى أن السيادة يتم التعبير عنها بطريقة مباشرة عن طريق الاستفتاءات، ثم المبدأ الثاني هو دولة الحق والقانون، عبر قانون تحترم فيه المساطر ويستجيب للحقوق ولحاجيات التطور والتقدم، ثم فصل السلطات، أي صلاحية المشرع أو الجهة التي تتولى التشريع، والتي هي البرلمان، في ممارسة التشريع بكل استقلالية عن السلطة التنفيذية، والمبدأ الثالث يتعلق بالشفافية والمسؤولية، أي النقاش العمومي بالشكل الذي يسمح للرأي العام والصحافة بالتتبع والمراقبة والمصاحبة، ثم القاعدة الخامسة وهي المساواة أمام القانون، أي أن القوانين يجب أن تطبق على الجميع دون تمييز، موضحا أننا اليوم نعيش إشكالية المعارضة والأغلبية، بحيث أن هذه الأخيرة تعتبر نفسها مساندة لكل ما ينتج على المستوى الحكومي، وهذا إشكال كبير مقارنة مع دول أخرى مثل بريطانيا، والتي طورت مفهوما يسمى “الضمير السياسي”، يسمح للبرلماني الذي ينتمي للأغلبية أن يتحفظ ويتخذ موقفا حتى لو كان ضد حزبه.

وقال البوز: “إن الدستور يتضمن الكثير من جوانب الغموض والالتباس حول حقيقة العلاقات بين السلطات، داخل السلطة التنفيذية، وبين المؤسسة الملكية والحكومة، وفي علاقة السلطة التنفيذية بباقي السلط، حيث أن الدستور لم يعد يتحدث عن الملك كسلطة تنفيذية، بل أصبح يربط السلطة التنفيذية بالحكومة”، وتساءل: أين موقع الملكية هل هي سلطة طبيعتها دستورية؟ علما أنه في جميع دول العالم بدون استثناء رئيس الدولة هو رئيس السلطة التنفيذية، وبما أن الملك يرأس المجلس الوزاري فهو رئيس السلطة التنفيذية، صحيح أن المجلس لم يعد ممرا ضروريا لكل مشاريع القوانين، ولكنه لا يزال معبرا ضروريا لكل مشاريع القوانين والقضايا الاستراتيجية، لذلك حل النص الدستوري الكثير من الإشكالات كإشكالية الازدواجية التمثيلية، إذ أن النص الدستوري يتكلم عن التمثيل، فمن قبل كان يتكلم عن المؤسسة الدستورية، والآن يتكلم عن ممثلين ولم يضف كلمة المنتخبين، ولذلك فالازدواجية التمثيلية بين المؤسسة غير المنتخبة والمؤسسات المنتخبة، لازال موضوعا قائما، يؤكد البوز، مبرزا أن هناك إشكالية كبيرة في مقترحات القوانين، حيث أصبحت لنا بدعة سياسية هي المبادرة التشريعية، يجب أن تقبل من طرف الحكومة، وهناك مشكلا غير موجود في الدستور، ووزير العلاقات مع البرلمان يقول أن الحكومة لا تقبل هذا المقترح، والحال أن الحكومة تعترض على مقترح القانون عن طريق تحريك أغلبيتها داخل اللجنة أو الجلسة العامة بمجلس النواب، كما أن المحكمة الدستورية نفسها في بعض الاجتهادات ساهمت في نصوص غير دستورية، حيث أجازت في الكثير من الحالات مقتضيات غير دستورية، مثال التصويت بالوكالة بالنسبة للمهاجرين، والحق في الحصول على المعلومة.. هذه من أكثر القوانين التي خرجت مشوهة.

عبد الكبير طبيح

من جهته، كشف المحامي عبد الكبير طبيح، أن العديد من القوانين اليوم في البرلمان تمر بأقلية الأغلبية، لأن الحكومة لا تستطيع تجنيد أغلبيتها للدفاع عن هذه القوانين، مثل المسطرة المدنية التي مرت بـ 102 أصوات، والأغلبية الحكومية لديها 292 مقعدا، وقانون الإضراب الذي مرر بـ 40 صوتا، لهذا يظهر الفرق بين سلطة الهيمنة أو التغول كما يقول إدريس لشكر، متسائلا: “هل السلطة التشريعية سلطة الأغلبية بدون رقابة؟”، بما أنك أنت أغلبية في البرلمان يمكن لك أن تشرع في بلد ما كما تريد، أما وأنت أغلبية في العدد، لا يمكنك أن تشرع كما تريد.

وقال طبيح: “خلقت للسلطة التشريعية كوابح وسيقت لها رقابات متعددة، من أجل ألا تتجاوز تلك الأغلبية سلطاتها، بحيث ليست للحكومة أي سلطة تشريعية وعليها احترام الضوابط والقواعد التي يفرضها العدل والإنصاف والتوازن في المجتمعات، وهي التي تحكم السلطة التشريعية، فعندما لا نطالب بها كأحزاب وكمجتمع وكمفكرين، أو نتنازل عنها، ستجد من يتجاوز عنها وأكبر نموذج هو قانون الإضراب، رغم أن الإضراب هو حق مضمون لا يشرع له ولا يسمح به ولا يمنع، لأن الدستور يقول أنه حق مضمون والقانون التنظيمي إجرائي وليس موضوعيا، وما كان للحكومة أن تقدم قانونا قد يمس هذا الحق، ثم إن قانون الإضراب لا يناقش في البرلمان مثل القوانين الكبيرة المجتمعية، والتي تتم تسويتها مع مؤطرين في المجتمع، لأن البرلمان لا يتضمن كل الفاعلين في المجتمع وفي النقابات”، وأوضح أن القانون لكي يكون مشروعا، يجب أن يلائم الإرادة الشعبية لكي يجد تفهما وقبولا به، فالوعود القانونية ليس فيها إجبار لأن فيها منفعة، والجوانب النفعية في النص يجب أن تكون أكثر في النص حتى يكون مقبولا بالنسبة للمواطن، حيث تحول الضوابط دون استبداد السلطة التنفيذية، التي تمارس اليوم من خلال سلطة الأغلبية في البرلمان، مضيفا أن هناك ثلاثة أو أربعة ضوابط تمنع الأغلبية من أن تكون مستبدة بعددها، منها ضوابط قبلية للتشريع، وأخرى موازية، ثم ضوابط بعدية، مرتبطة بالفهم الحقيقي للدستور، حيث أن الدستور سقف الالتزامات تجاه المواطن، إذ أن الحكومة يمكن أن تعطي من الحقوق أكثر مما هو منصوص عليه في الدستور، ولكن لا يمكنها أن تلزم المواطن بأكثر ما في الدستور، لأنه يمنع عليها أن تشرع تشريعا وقانونا يمس بالحقوق المكتسبة، والإضراب هو حق مكتسب منذ الاستقلال ودُفِع عليه الثمن قضائيا وسياسيا.

نبيلة منيب

بدورها، قالت البرلمانية نبيلة منيب: “هناك قوانين تعرض علينا في البرلمان لا نعرف أسباب نزولها، وتظهر عدد من الأمور غير واضحة، وحتى تتبع العمل التشريعي يمر بسرعة فائقة كما تم تمرير قانون الإضراب قبل أن يستوفي النقاش مع النقابات الأكثر تمثيلية والمجتمع المدني، للخروج بمشروع شبه متكامل يراعي مصلحة العمال والشغيلة، جاؤوا بمشروع ومرروه بسرعة، لأن هناك أغلبية ساحقة مرتاحة تمرر كل شيء، وحتى بعض القوانين تم رفض أكثر من 400 تعديل بدون مبررات، وفي قانون الإضراب تقدمت فرق المعارضة بتعديلات جوهرية ولم يقبل منها أي شيء”، موضحة أن “المغرب وقع سنة 1946 أول اتفاقية مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي لإعادة الإعمار والتنمية، ومنذ ذلك الحين والدولة تخضع لتوجهات المؤسسات المالية الدولية بعدما كانت لدينا حكومة تقدمية، بدأت بوضع خطة للنهوض بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، من أجل الحفاظ على السيادة الاقتصادية للمغرب، ومنذ سنة 1964 ونحن نسير في الخضوع أكثر فأكثر لتوجهات المؤسسات المالية”، متسائلة: أين هي قيمة العمل التي تعطي للإنسان كرامة؟ أين هو الدفاع عن المدرسة العمومية المجانية، التي تدرس الأبناء بدون تكاليف؟ أين هي الصحة العمومية ؟

وانتقدت منيب الحكومة، لأنها تعتبر أن المداخيل بقيمة 386 مليار درهم غير كافية وتقول أنها في حاجة إلى 188 مليارا، وتسعى إلى اقتراض 125 مليار درهم لإغراق المديونية والجيل الحالي والأجيال المقبلة، وتبحث عن التمويلات المبتكرة، التي تتم عبر بيع المراكز الاستشفائية، وعبر بيع البيانات الإدارية من أجل استخلاص الموارد، وبعد ذلك يتم كراؤها، وعندما ننظر إلى المغرب نرى أن هناك العديد من المؤسسات التي تم تفويتها، مشيرة إلى الإصلاح الأخير الذي يهم المؤسسات والمقاولات العمومية الكبرى، والذي يتحدث عن تفويت وخوصصة وإغلاق العديد من هذه المؤسسات الكبرى، التي تكلموا عنها في الأشهر الماضية، من بينها مكتب السكك الحديدية والمطارات والموانئ ومكتب الهيدروكاربورات، فهذه المؤسسات العمومية المهمة جدا ستتم خوصصتها تدريجيا.

رشيد روكبان

من جانبه، أكد رشيد روكبان، أستاذ جامعي وبرلماني سابق عن حزب التقدم والاشتراكية، أن مجموعة من الدول المتقدمة تعرض مسودات مشاريعها على العموم وعلى المهتمين، وعلى الأحزاب السياسية، وتفتح المجال للجميع لكي يساهم في تجويدها في إطار ما يسمى شفافية التشريع، وتعلن هذه الحكومة عن نواياها التشريعية قبل بدء المسطرة، إلا أن هذه الآلية في المغرب موجودة عند الولوج لموقع الأمانة العامة للحكومة، لكن المشكل أنها غير مفعلة وهناك انتقائية في اختيار ووضع القوانين، حيث أن القوانين ذات الأهمية التي تتطلب إشراك المجتمع، لا تضعها، كمثال القانون المتعلق بممارسة حق الإضراب، وأضاف أن القوانين المنشورة والمعروضة من أجل التعليق قديمة كثيرا، الأمر الذي يتطلب تفعيل هذه الآلية إن كانت هناك إرادة حكومية حقيقية لإشراك مختلف الفعاليات خلال هذه المرحلة، حيث أن اعتماد المقاربة التشاركية قبل اعتماد مشروع القانون، تختلف عند المقارنة بين مشروع مدونة الأسرة والقانون المتعلق بكيفية تحديد شروط ممارسة الحق في الإضراب، لأن المدونة عرفت إرادة قوية واتخاذ تدابير وإجراءات ذات طبيعة إشراكية واسعة بمبادرة ملكية، شكلت لجنة انفتحت على مختلف الهيئات والجمعيات والأحزاب. المهم كان هناك ورش تشاركي، وتلقي المذكرات والاقتراحات، واستقبال جمعيات في لقاءات مباشرة، فالمهم أنه في ورش مدونة الأسرة، كان هناك إشراك ونقاش استبق حتى إعداد مسودة مشروع القانون، وهذا من صميم الديمقراطية التشاركية.

وقال رشيد روكبان، أن الديمقراطية ليست هي التمثيلية فقط، بل هناك ديمقراطيات، والديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في الدستور تفضي إلى ما نسميه الديمقراطية التوافقية، وهي أسمى وأرقى أشكال الديمقراطيات، بالإضافة إلى النقاش المجتمعي كآلية من آليات الديمقراطية التشريعية في وسائل الإعلام العمومي، مبرزا أهمية دور الأمانة العامة للحكومة في مراحل قبلية وفي الصياغة التشريعية والمواكبة اللصيقة لجميع القطاعات الوزارية فيما يتعلق بحرية التشريع والجولات المارطونية مع مختلف القطاعات.

وتساءل روكبان: هل تتوفر الحكومة على مخطط تشريعي أو رؤية تشريعية واضحة وخارطة طريق تحدد أولوياتها التشريعية؟ فهذه الحكومة في برنامجها الحكومي لم تعلن عن مخطط تشريعي وهذا مشكل كبير في البرنامج الحكومي المرتبط بالتنصيب، بمعنى أن تصبح الحكومة معرضة للمساءلة والمحاسبة، حتى الأحزاب السياسية في برامجها الانتخابية في دول أخرى تعرض أولوياتها التشريعية في إطار التزامها مع الناخبين حول أولوياتها التشريعية، مشددا على ضرورة وضع المخططات التشريعية في برامج الأحزاب التشريعية في البرامج الانتخابية لكي يتمكن المواطن من محاسبة الأحزاب في الانتخابات حول مدى التزامها بالتشريع، الذي يعد شكلا من أشكال تجسيد السياسات العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى