تحقيقات أسبوعية

للنقاش | الصحراء الشرقية المغربية.. العقدة المسكوت عنها

يقول المثل المغربي: “أنا باللقمة لفمّو وهو بالإبرة لعيني”.. هذا هو حال المغرب مع الجارة الجزائر منذ عقود طويلة، وبالأخص منذ عهد السلطان الراحل محمد الخامس مرورا بفترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني وصولا إلى عهد الملك محمد السادس، الذي لطالما نهج سياسة اليد الممدودة إلى حكام الجزائر من أجل طي صفحات الخلاف والبدء في عهد جديد من أجل بلدين وشعبين شقيقين.. إلا أن الجزائر لها رأي آخر، ولا زال رئيسها وزبانيته يتمادون في غيهم السياسي تجاه المغرب وهم يعلمون أن شعبهم يعيش بعضه فوق أراض تاريخية للمملكة المغربية اقتطعها الاستعمار الفرنسي في فترة الحماية وأضافها إلى “الجزائر الفرنسية”، لأنه لم يكن يرغب أبدا في الخروج من الأراضي الجزائرية..

بقلم: جميلة حلبي

    عبر تاريخ المغرب الأقصى، تشهد الوثائق التاريخية على أن الصحراء الشرقية للمغرب تضم مناطق توات وتيدكلت وكورارة، إضافة إلى مناطق أخرى.. وتؤكد السجلات التاريخية أن هذه المناطق كانت تدين بالولاء للسلاطين المغاربة، إذ كان سكانها يقدمون البيعة ويدفعون الضرائب للسلطات المغربية، وقد تناول عدد كبير من المؤرخين والباحثين والمؤلفين مغربية الصحراء الشرقية، ومن بينهم المؤرخ الفرنسي أوجست مولييراس، الذي يؤكد في إحدى كتاباته أن “السلطة المركزية المغربية كانت تعين القضاة والعمال في هذه المناطق”، كما تطرق عدد من المهتمين بملف الصحراء الشرقية المغربية، للمراسلات القنصلية الأجنبية وكتابات الرحالة الأوروبيين، والتي تشهد على الوجود المغربي القوي في هذه المناطق قبل الاستعمار، وكذا وجود وثائق مغربية تبرز تداول العملة المغربية في أسواق المنطقة وارتباطها الاقتصادي والاجتماعي الوثيق بالمغرب.

كما سبق لمديرة الوثائق الملكية، بهيجة سيمو، أن قالت في إحدى المحاضرات أنها “تتوفر على وثائق تؤكد أن المغرب لم يتوان قط في الدفاع عن حدوده الشرقية التي امتلكها منذ القرن 17 إلى غاية وصول الاستعمار الفرنسي في 1912، وأنه منذ حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، وفي شهر أبريل من نفس السنة وفي سنة 1957، حاولت فرنسا الدخول في مباحثات مع المغرب لحل مشكلة حدود الصحراء الشرقية، عبر سفيرها في الرباط آنذاك، ألكسندر بارودي، الذي أصر على لقاء الحكومة المغربية واقترح عليها حلا لمشكلة الحدود، ومن بين القضايا التي يتعين حلها، منطقة تندوف”، وأضافت مديرة الوثائق الملكية، أن “فرنسا كانت تنوي إعادة تندوف إلى المملكة المغربية، غير أن الملك الراحل محمد الخامس رفض هذا الاقتراح، من منطلق أن القرار سيكون بمثابة طعنة في ظهر المقاتلين الجزائريين، ومن ثم فضل ملك المغرب انتظار استقلال الجزائر لحل مشكلة الحدود هذه مع الأشقاء الجزائريين”.

تتمة المقال تحت الإعلان

ففي عهد الملك محمد الخامس، كان المغرب السند الحقيقي للثورة الجزائرية، حيث تضامن المغرب مع الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي ملكا وشعبا، وقد كان استقلال المغرب في سنة 1956 بارقة أمل للثوار الجزائريين، إذ أصبح للجزائر حليف ومساند قوي ماديا ومعنويا، وفعلا شكل ذلك التاريخ بداية حقيقية لدعم الثورة الجزائرية على يد الملك محمد الخامس، وهو الذي ألقى بتاريخ 15 شتنبر 1956، خطابه الشهير بمدينة وجدة، والذي تطرق من خلاله لمعاناة شعوب المغرب العربي من السياسة الاستعمارية الفرنسية، وركز في خطابه على معاناة الشعب الجزائري بالذات والذي قضى 130 سنة تحت حكم المستعمر، وأكد على “ضرورة إيجاد حل سلمي وعادل للقضية الجزائرية، وأن مستقبل الجزائر يدخل ضمن إطار وحدة المغرب العربي”، وهو ما جعل فرنسا تقوم وقتها باختطاف الطائرة التي كانت تقل قادة الثورة الجزائرية من جبهة التحرير الوطني فوق التراب المغربي، والذين قدموا لزيارة الملك محمد الخامس يوم 23 أكتوبر 1956، فما كان من الملك طبعا إلا الوقوف في وجه فرنسا والوقوف مع الثورة الجزائرية معبرا عن موقفه الصارم من خلال صحيفة “فرانس تيرور”، بأن “عملية القرصنة هذه طعنة أكثر خطورة بالنسبة لشرفه من حادثة تنحيته عن العرش”، كما فشلت فرنسا في خنق القضية الجزائرية من خلال عرض صفقات تجارية كبرى على المغرب، ومنها صفقة النفط داخل الجزائر سنة 1957، وهي التي اعتبرها السلطان محمد الخامس “مساسا بكرامة وقضية الشعب الجزائري الشقيق، الذي هو في أمس الحاجة للمساندة من قبل جيرانه”، وبالمقابل ماذا تفعل السلطات الجزائرية مع المغرب من الاستقلال إلى الآن؟ لا شيء سوى العراقيل والتحرشات وخلق البوليساريو ومحاولة تثبيتها دولة على أراض مغربية ضدا على الحقيقة التاريخية للمملكة المغربية، والتي لا تخفى على المواطنين العاديين فما بالك بأصحاب القرار والمؤرخين والباحثين في مجال الحدود والسياسات بين الدول.. فقد قابلت الجزائر – ولا زالت – كل مواقف المغرب مع الشعب الجزائري باختلاق الصراعات، ولا زال المغرب إلى اليوم يؤدي ثمن دعمه للجزائر غاليا، وقد شهدت فترة حكم الحسن الثاني أقوى المناورات من قبل رؤساء الجزائر، وكان الملك الراحل يواجه الأمر بحكمة وتبصر وهو الذي قال يوما في أحد خطاباته “ليعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار”.. جار يسخر كل إمكانياته المادية والسياسية من أجل ضرب المغرب، وقد كانت آخر شطحات حكام الجزائر الدعوة إلى خلق اتحاد مغاربي دون المغرب، بعدما استمالت تونس إلى جانبها مستغلة الأزمة السياسية والاقتصادية للبلد، ثم ليبيا، غير أن موريتانيا فطنت مؤخرا بألاعيب الجزائر ورفضت الدخول معها في تحالفات لا تجني منها إلى الخراب وهي بذلك تعمل من أجل إفشال مبادرة الأطلسي التي دعا إليها الملك محمد السادس من أجل إفريقيا قوية بإمكانياتها الطبيعية والبشرية لتخرج من جلباب التبعية.

تتمة المقال تحت الإعلان
بهيجة سيمو

فالملك محمد السادس لم يتوان قط في مد يده للجارة الجزائر، من أجل تجاوز الخلافات القائمة بين البلدين، ولطالما عبر عن ذلك من خلال خطاباته حتى يعلم العالم النوايا المغربية الصريحة تجاه الجوار، لكن كل محاولات الملك تبوء بالفشل وهو الذي كان قد قرر في سنة 2022، حضور القمة العربية المنعقدة  

بالجزائر العاصمة، إلا أن الأمور لم تسر كما يجب، فعندما أرسل الملك محمد السادس وفدا خاصا برئاسة وزير الخارجية، ناصر بوريطة، للتحضير لهذه الزيارة التي كانت ستضع حدا لغياب استمر منذ سنة 2005، بل وأيضا إعلانا صريحا على حسن النوايا من المملكة تجاه الجزائر، غير أن السلطات الجزائرية جعلت هذه الزيارة مستحيلة، بنشر خريطة المغرب بدون الصحراء، ومنع بعض أعضاء الوفد الإعلامي المرافق للبعثة المغربية من دخول البلاد ومصادرة أجهزة القناة الأولى، هذا قبل رفض إدراج النقطة المتعلقة بإدانة إيران لدعمها لجبهة البوليساريو.

كما أن الجزائر تستمر إلى الآن في سياسة الأبواب الموصدة بفرض “الفيزا” على المواطنين المغاربة الراغبين في دخول أراضيها وغلق المجال الجوي على الطائرات المغربية، وغيرها من السياسات الاستفزازية التي لا زال عسكر الجزائر يمارسونها في المنطقة.

كل هذه المناورات السياسية، تقوم بها الجزائر من أجل وضع العراقيل أمام فتح ملف الصحراء الشرقية، وهي تعلم أنه لو تم التحقيق في مشاكل الحدود بينها وبين المغرب.. لاسترجعت المملكة كيلومترات من الأراضي في الصحراء الشرقية، وقد أكد ذلك لموقع “هسبريس”، الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في ملف الصحراء، أحمد نور الدين، وبرهن عن “حقائق صادمة” حول الصحراء الشرقية المغربية، مؤكدا أن هذه المنطقة التي تمتد على مساحة 1.5 مليون كيلومتر مربع، كانت جزء لا يتجزأ من المغرب قبل أن تقتطعها فرنسا الاستعمارية، كما أكد وجود آلاف الوثائق في الخزانة الملكية بالرباط، إضافة إلى سجلات فرنسية، تثبت السيادة المغربية على هذه الأراضي، بما في ذلك تعيينات الموظفين ومراسلات السلطان وسجلات الضرائب، مشيرا إلى أن توسع “الجزائر الفرنسية” من 500 ألف كيلومتر مربع في سنة 1905 إلى 2.3 مليون كيلومتر مربع عند الاستقلال، كان على حساب الأراضي المغربية، ودعا – من خلال حواره – إلى ضرورة إعادة فتح ملف الحدود، مستندا في ذلك إلى اتفاقية سنة 1972 التي تضمنت بنودا يمكن استعمالها قانونيا، وإلى مواصلة الجهود الدبلوماسية والقانونية لاسترجاع هذا الحق التاريخي للمغرب، وقال: “الصحراء الشرقية منطقة شاسعة جدا تفوق مساحة المغرب الحالية بمرتين تقريبا، وتضم مناطق تمتد من بشار وتندوف وكرزاز إلى أدرار وعين صالح ومناطق أخرى، والوثائق التي تثبت ذلك تعد بالمئات إن لم نقل الآلاف، وهي ترقى إلى درجة التواتر لكثرتها، ونحن نعتمد أولا وقبل كل شيء على الوثائق التي تتوفر عليها الخزانة الملكية بالرباط، التي تتناول تعيين العمال والباشوات والقادة والقضاة من ممثلي السلطة المخزنية وشيوخ الزوايا، كما تتضمن مراسلات السلطان مع ممثليه في تلك الأقاليم”، وهناك أيضا “وثائق تتعلق بالضرائب التي كان يدفعها سكان تلك الأقاليم كأفراد أو كقبائل للسلطة المخزنية، وكل هذه الوثائق تمثل أسانيد شرعية وقانونية لبسط سيادة المغرب على أقاليم الساورة وتوات وكورارة وتيدكلت وغيرها من ربوع الصحراء الشرقية، يؤكد أحمد نور الدين.

ولا يأبى ملف الصحراء الشرقية إلا أن يخرج إلى العلن، بعد توالي الأحداث التي تنبش في ماضي هذه المنطقة، وقد عرف الماضي القريب أكبر احتجاجات من قبل مواطنين مغاربة خرجوا للتظاهر يوم 12 مارس 2021، ضد قرار السلطات الجزائرية إخلاءهم من أراضيهم بواحة “العرجة”، بعد أن دخلت إلى المنطقة رفقة عناصر من الجيش، ليمهلوا الفلاحين 6 أيام ليكون يوم 18 مارس من نفس السنة هو آخر أجل لهم للخروج من المنطقة معتبرين أنها “تابعة للأراضي الجزائرية” ؟

لقد دفع المغرب الثمن غاليا ليس فقط من أرواح مواطنيه في حربه مع الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي فقط، وإنما باقتطاع أجزاء شاسعة منه وضمها إلى الجزائر الفرنسية، نتيجة موازين القوى التي كانت تلعب لصالح فرنسا، حيث استغل الجانب الفرنسي ضعف المغرب آنذاك وهزيمته في معركة “إيسلي” سنة 1844 ليفرض شروطه في بنود اتفاقية “للا مغنية” (1845) التي تضمنت ثغرات كبيرة، خاصة في ما يتعلق برسم الحدود الشرقية للمملكة من السعيدية إلى ثنية الساسي، ثم إلى فجيج، وتركت كل الجنوب المغربي دون تحديد، مبررة ذلك بأنها مناطق خالية(…)، وهو ما سمح بخلق وتوطيد البوليساريو في الصحراء الجنوبية للمملكة، في قضية عمرت لما يزيد عن نصف قرن كلفت المغرب غاليا قبل استرجاع أقاليمه الجنوبية وتوالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، وبالتالي طي هذا الملف بشكل نهائي.. فهل يتم فتح ملف الصحراء الشرقية ليتمكن المغرب من استرجاع كافة أراضيه ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى