تحقيقات أسبوعية

قانون | هل تطبق قواعد الكد والسعاية على العمل المنزلي ؟  

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    خلال مناقشة تعديل مدونة الأسرة، شاع أن عمل الزوجة في البيت الزوجي سيعتبر كمساهمة في تنمية الأموال المكتسبة خلال الحياة الزوجية، كما هو الحال بالنسبة لما يعرف بالكد والسعاية، المطبق في بعض الأقاليم المغربية الجنوبية،  فإذا قبل هذا التعديل، فإن عمل الزوجة في بيت الزوجية أعتقد أنه سيطبق عليه القضاء ما صدر عن المحاكم من أحكام تتعلق بالمنازعات والخصومات المتعلقة بتوزيع المال المكتسب في حالة فك رابطة الزوجية أو في حالة الوفاة، ونذكر بعض تلك الأحكام ليكون كل طرف معني بهذا الموضوع على علم تام بما قد  يقع، وليطلع على ما يجب أخذه بعين الاعتبار في حالة حدوث  نزاع يتعلق بتوزيع الأموال المكتسبة إذا حدث ما يستوجب توزيعها، وليتخذ منذ البداية الاحتياطات التي تحمي حقوقه، فمن تلك الأحكام والقرارات نذكر ما يلي:

1)  قرار صدر عن محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ 15/12/1991، جاء في قاعدته: دعوى استحقاق بدل الكد والسعاية، دعوى مالية، تستوجب في حالة عدم إثبات المدعية لدعواها، توجيه اليمين للمدعى عليه ردا للدعوى مع إعمال قاعدة النكول عملا بالحديث “شاهداك”، أو يمينه، وقول المتحف: “والمدعي عليه باليمين” في عجز المدعي عن التبيين؛

تتمة المقال تحت الإعلان

2) قرار آخر صدر عن نفس المحكمة بتاريخ 19/02/2008، جاء في قاعدته: “تتحمل المدعية بالكد والسعاية عبء الإثبات بمقبول قانونا لادعاءاتها، ومنها مساهمتها في تنمية ممتلكات الزوج”؛

تتمة المقال تحت الإعلان

3) قرار صدر بتاريخ 11/03/2008، جاء في قاعدته: “على المطلقة المدعية في إطار تدبير الأموال التي اكتسباها أثناء قيام الزوجية، الإدلاء بما يثبت اتفاقها مع زوجها على طريقة استثمارها أو توزيعها بينهما طبقا للمادة 49 من مدونة الأسرة”.. المدعية بالكد السعاية ملزمة بإثبات دعواها وتقديم الدليل على ذلك طبقا للفصل 393 من قانون الإلتزامات والعقود، وقرار المجلس الأعلى عدد 1620 الصادر بتاريخ 05/03/1998 في الملف المدني عدد 2256/1997 المنشور بمجلة “قضاء المجلس الأعلى” عدد 52 صفحة 328، للمحكمة القيام بأي إجراء من إجراءات تحقيق الدعوى، ومنها إجراء بحث أو الخبرة أو الأمر بتكملة الحجج، وذلك يدخل في سلطتها التقديرية، خصوصا عند تقديم بداية حجة  إثبات المساهمة المدعى بها والوضع المادي لها ولمطلقها، لكن المجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) كانت له وجهة نظر وتوجه آخر، حيث جاء في  قراره المذكورة مراجعه أعلاه، أن “حق السعاية: إثباته، حقوق عينية، تسجيلها في الرسم العقاري، نعم”، وأضاف: “حق السعاية يجب إثباته والمحكمة غير ملزمة بأي إجراء من إجراءات التحقيق، لأن ذلك يدخل في سلطتها التقديرية طالما أن الأمر بتكملة الحجج موكول للأطراف وحدهم، ولذلك فلا أثر لما تدعيه الطالبة من حقوق عينية على عقار محفظ ما لم تكن هذه الحقوق مسجلة باسمها في الرسم العقاري؛

تتمة المقال تحت الإعلان

4) ومن أهم الاجتهادات القضائية الصادرة في موضوع الكد والسعاية، الحكم  الصادر عن المحكمة الابتدائية بتارودانت بتاريخ 08/06/2004، جاء في قاعدته: لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي تكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها، وإذا لم يكن هناك اتفاق، فيرجع للقواعد العامة للإثبات مع مراعاة عمل وكد كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة طبقا للمادة 49 من مدونة الأسرة “النظام المالي للزوجين في الشريعة الإسلامية” والمادة 49 أعلاه، يقتضي باستقلال الذمة المالية لكل واحد ما لم يوجد اتفاق بذلك “الكد والسعاية من لدن المرأة، سواء في  البادية أو الحاضرة، المعتبر للتعويض عنه هو الفعل الثابت المترتب عن عمل مكتسب وافر على الحاجيات الشخصية، يصب في ثروة مادية أنشئت أثناء الحياة الزوجية”.

إن مدعي السعاية يتحمل عبء الإثبات، نظرا لكون السعي من المسائل الواقعية الجائز إثباتها بكل وسائل الإثبات والمنصبة على بيان المال المستفاد، ومساهمة المدعي بعمله أو بماله في تكوين أو تنمية ذلك المال، وبيان فترة السعي والعمل وبيان تاريخ حصول المال المستفاد، وبيان ما كان للزوج قبل حصول السعي والكسب، ثم الإدلاء بوثائق أخرى مكملة لمعرفة تاريخ بداية الكسب وتواريخ انتهاء فترة الكسب وكل ما يثبت وما يزيد من منقول أو عقار.

وأكدت محكمة النقض، بقرار صدر بتاريخ 05/03/1998، أنه إذا كان موضوع الدعوى هو السعاية حقا عينيا، فإنه يجب على مدعيه إثباته، والمحكمة غير ملزمة بإجراء تحقيق بشأنه مراعاة للقواعد الخاصة بشأن حجية التسجيل على الرسم العقاري: “الأمر بأي إجراء من إجراءات تحقيق الدعوى يدخل في إطار السلطة التقديرية للمحكمة”، وعن الغرفة الاجتماعية لمحكمة النقض صدر قرار بتاريخ 13/03/2001، جاء في قاعدته أن “الأصل هو استقلال كل واحد من الزوجين بذمته المالية”: إن المحكمة في نطاق اطلاعها على وثائق الملف وحجج الأطراف وتقييمها لها، لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى أمر مسألة تقدير الوقائع، وبقيت محكمة النقض على نفس التوجه في قرار جاء في قاعدته: “إن الأصل في التشريع الإسلامي هو استقلال الذمة المالية للزوجين، وعلى من يدعي الشركة بمقتضى الكد والسعاية إثبات ذلك”، فمناقشة الوقائع وإثباتها يدخل في  تقديري في صميم سلطة قضاة الموضوع، والتي لا رقابة للمجلس عليها، وأمام  هذه الأحكام والقرارات، يجب – في نظرنا – على من سيدخل في نظام الذمتين المشتركتين بالنسبة للأموال التي ستكتسب خلال فترة الزوجية وتدبيرها واستثمارها، أن يحتاط باتخاذ وسائل الإثبات ومنها مثلا: تحرير عقد مكتوب بواسطة موثق أو عدلين ليكون حجة رسمية يحتج به على الطرفين وعلى الكافة، أو تحرير عقد عرفي بواسطة محامي مقبول للترافع أمام محكمة النقض  ومصادق على صحة توقيعاته، يحتوي على شروط المشاركة وكيفية توزيعها عند الاقتضاء، وإذا كان الأمر يتعلق بعقار محفظ، يجب تسجيل ذلك العقد في الرسم العقاري ولا يعتد بأي حق ما لم يكن مسجلا في الرسم العقاري، وأن يذكر في العقد نسبة المشاركة هل بالثمن أو الربع أو النصف، وعند عدم تحديد النسبة، يكون التوزيع مناصفة بين الطرفين، ويستحسن أن يكون للطرفين سجل تدون فيه وتسجل حركية الأموال المشتركة، وما هو مفروض عليها، مثل الضرائب ، وأن يكون الأداء بواسطة شيك بنكي إذا زاد المبلغ عن 10.000 درهم، إضافة إلى ما يمكن التصريح به تلافيا لفرض الغرامات.

إن القضاء لا يمكن أن يحكم إلا بتقديم وسائل الإثبات، وإذا كان القانون يحتم الإثبات بالكتابة، فلا يجوز الإثبات بشهادة الشهود، طبقا للفصل 443 من قانون الالتزامات والعقود، ولا شك أن كل نزاع يحدث بين الطرفين ويدور موضوعه حول عدم احترام شروط تدبير واستثمار الأموال المكتسبة بين الزوجين، تختص بالبت فيه نوعيا محكمة قضاء الأسرة، لأن مدونة الأسرة تنص على الإجراءات الشكلية والقواعد الموضوعية للبت في النزاع، وكل دفع أمامها بعدم الاختصاص النوعي يعتبر تقاضيا بسوء النية، وتعسفا في تقديم الدفوع وعرقلة سير الدعوى  والرغبة في تطويل مدة النزاع، مما يترتب عنه ضرر يمكن للمدعى عليه  المتضرر أن يطلب التعويض عن ذلك الضرر طبقا لقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” في الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى