تحقيقات أسبوعية

متابعات | كيف نجح أصحاب النفوذ الاقتصادي في فرض شروطه على قانون الإضراب

الوجه الآخر لحكومة أخنوش

تسبب قانون الإضراب المصادق عليه من قبل مجلسي النواب والمستشارين، في انخراط المركزيات النقابية وبقية الهيئات النقابية الحزبية والمستقلة، في الإضراب العام الوطني، الذي شكل سابقة في عهد حكومة أخنوش، التي كانت تعتقد أن جميع النقابات تحت سيطرتها وبإمكانها تمرير هذا القانون بالأغلبية التي جعلتها تتغول على العباد والبلاد، وتسبب في أكبر حراك نقابي تعرفه المملكة بعد عقود من الزمن.

إعداد: خالد الغازي

    جاء قانون تقييد الحق في الإضراب بعدة مواد ومقتضيات تحاصر العمال والموظفين والأجراء وتحرمهم من ممارسة الإضراب وفق ما تنص عليه منظمة العمل الدولية، والدستور والقوانين السابقة، بحيث أصبح من المستحيل تنظيم أي إضراب في ظل فرض شروط تعجيزية تجعل الإضرابات أمرا شبه مستحيل، مع تعطيل الصلاحيات النقابية ومنح الإدارة سلطات واسعة لرفض الإضرابات أو تعطيلها، بالإضافة إلى فرض إجراءات عقابية ضد العمال المشاركين في الإضرابات، وتشويه حق الإضراب من خلال إلزام العمال بتقديم خدمات حتى أثناء الإضراب في قطاعات حيوية، كما تضمن هذا القانون مجموعة من العقوبات والغرامات الثقيلة في حق العمال والداعين إلى الإضراب دون اتباع المساطر التي يتضمنها هذا القانون المجحف بسبب النقابيين.

تتمة المقال تحت الإعلان

حسب الفاعلين النقابيين، فإن هذا القانون هو محاولة من الحكومة لخنق الحق في الإضراب خدمة لمصالح الباطرونا وأصحاب النفوذ الاقتصادي أصدقاء رئيس الحكومة في قطاع المال والأعمال، لكون هذا القانون يسعى إلى جعل ممارسة الإضراب أمرا شبه مستحيل من خلال شروط وقيود بيروقراطية معقدة، وعقوبات مشددة على المضربين وتحكم شبه مطلق في توقيت الإضرابات وسيرورتها، وذلك سعيا من الحكومة إلى إحكام قبضتها على الحركات العمالية والاجتماعية، وتحويل العمال إلى عبيد لدى الأغنياء وكأننا في زمن “الفاشية الأوليغارشية” في عهد حكومة ترفع شعار الدولة الاجتماعية المزيف، بينما رئيسها عزيز أخنوش، هو المستفيد الأول من الريع والصفقات وتضارب المصالح واستغلال العمال في مصانعه لإنتاج السمك وتصديره.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا السياق، يرى المستشار البرلماني خالد السطي، أن الحكومة تسعى إلى إقبار الحق في الإضراب باعتباره حقا دستوريا ومكتسبا تاريخيا للشغيلة المغربية يكفله الدستور المغربي والعهود والاتفاقيات الدولية، والاعتماد على الأغلبية العددية لتمرير قانون تنظيمي تكبيلي للإضراب، معتبرا أن “استفراد الحكومة ببناء مشروع القانون التنظيمي حاذت في مضمونه عن المرجعية القانونية والدستورية والحقوقية ومضمون وفلسفة الاتفاقيات الدولية، ثم منهجيا مقتضيات المشروع خرجت عن التنظيم في اتجاه تعقيد وتقييد ممارسة الحق في الإضراب، وهي الفلسفة المنتشرة عبر مقتضيات هذا المشروع، ويظهر ذلك جليا في غياب ديباجة محددة للمبادئ والقواعد القانونية وللمقاصد والتوجهات الكبرى الناظمة له، ثم ينعكس في التعريف الذي أعطي للإضراب والذي بموجبه تم إقصاء الإضراب السياسي والتضامني وبالتناوب، ثم تقليص مكونات الجهة الداعية إلى الإضراب والآجال والإجراءات وشروط الإخبار والعقوبات.. كلها قضايا حيوية تمت صياغتها بطريقة لا تيسر ممارسة الإضراب”.

وانتقد السطي منهجية إعداد مشروع القانون التنظيمي ولمضامينه التكبيلية للحق في الإضراب، وغيره من السياسات الاجتماعية غير المنصفة، واستمرار الحكومة في نهج سياسة الاستقواء بأغلبيتها العددية عوض تنظيم حوار تشاركي متعدد الأطراف، وتملصها من التزاماتها الموقعة بموجب الحوار الاجتماعي، وعدم المتضمنة في اتفاق 30 أبريل 2022 ومحضر اتفاق 30 أبريل 2024، داعيا الشغيلة إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية للدفاع عن حقوقها ومكتسباتها.

وأوضح نفس البرلماني أنه كان على الحكومة التعجيل بإصدار القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية، الذي يضمن حق المواطنين في اللجوء إلى القضاء لحماية حقوقهم المضمونة بالدستور، لكنها فضلت إعطاء الأسبقية لقانون تكبيل ممارسة حق الإضراب الذي تمارسه الطبقة العاملة للدفاع عن حقوقها، مضيفا أنه بفضل الإضرابات انتزعت الطبقة العاملة بعض المكتسبات الاجتماعية وزيادة الأجور وتخفيض الضرائب في السنتين الماضيتين على سبيل المثال، ناهيك عن دور الحركة النقابية منذ فجر الاستقلال.

فقد حمل قانون ممارسة الحق في الإضراب، المصادق عليه في الغرفة الثانية، العديد من القيود التكبيلية في مواده، أولها المادة 11، التي أقصت عدة هيئات نقابية وحقوقية وطلابية، وحصرت حق ممارسة الإضراب لفائدة النقابة الأكثر تمثيلا أو من قبل نقابة ذات تمثيلية على الصعيد الوطني، أو من قبل منظمة نقابية ذات تمثيلية على صعيد المرفق العمومي، كما يحاصر القانون النقابات العمالية في الشركات والمؤسسات والمقاولات، من خلال عرقلة الإضراب عبر تحديد حجم ووزن النقابة داخلة المؤسسة، بحيث ينص على أن “الدعوة إلى الإضراب  على صعيد المقاولة أو المؤسسة، تتم من قبل نقابة أكثر تمثيلا على مستوى المقاولة أو المؤسسة، وتتم الدعوة من طرف الجهاز المخول له ذلك في أنظمتها الأساسية”.

كما وضع القانون شروطا مكبلة على الراغبين في الدعوة إلى الإضراب داخل المقاولة أو المؤسسة، منها “تكون لجنة الإضراب وضرورة مشاركة مجموعة من الأجراء في المقاولة بنسبة لا تقل عن 25 في المائة في التوقيع على المحضر المتعلق بالموافقة على الدعوة إلى الإضراب، ولا يكون هذا المحضر مقبولا وصحيحا إلا بعد عقد جمع عام بحضور ما لا يقل عن 35 في المائة (50 في المائة بحسب مجلس النواب) من عمال الشركة أو المؤسسة قبل الشروع في الإضراب”، مما يعد عرقلة واضحة لممارسة هذا الحق المكفول للعمال حسب القوانين الدولية والدستور، ويجعل خيار الإضراب في يد إدارة المقاولات والمؤسسات بطريقة غير مباشرة، لا سيما وأن هناك بعض المكاتب النقابية داخل بعض الشركات يتم تفصيلها وتكوينها بدعم من مدراء المؤسسات أو من ينوب عنهم للتحكم في مصير العمال.

وحدد القانون آجالا زمنية قبل الدعوة إلى الإضراب، بحسب الملف المطلبي، حيث “تجوز الدعوة إلى الإضراب في القطاع العام بعد انصرام أجل 45 يوما، مع إمكانية التمديد مرة واحدة لفترة 15 يوما بناء على طلب أحد الأطراف، أما بالنسبة للقطاع الخاص، فتتم الدعوة عبر النقابة الأكثر تمثيلا داخل المقاولة، وفي حالة عدم وجودها من طرف مجموعة من أجراء المقاولة أو المؤسسة وفق ما هو منصوص عليه في المادة 11، في أجل 15 يوما، مع إمكانية تمديده مرة واحدة بناء على طلب أحد الأطراف، بحيث تحتسب الآجال من تاريخ التوصل بالملف المطلبي، مع القيام خلالها بإجراء مفاوضات قصد البحث عن حلول متفق عليها”.

لكن من غرائب هذه المادة، أنه في حالة وجود خطر يهدد صحة وسلامة الأجراء بالمقاولة أو المؤسسة، فقد اشترط إثبات الخطر أولا ثم عدم امتثال المشغل للإجراءات اللازمة لإبعاده أو توقيفه، مما يعتبر أجلا غير منطقي، خاصة إذا كان العمال يعملون في منطقة خطرة أو حساسة أو وسط مصنع للمواد الخطيرة أو الكيميائية.

كما نص القانون في المادة 14 على “تبليغ قرار الإضراب لرئيس الحكومة وللسلطات المعنية المكلفة بالداخلية أو بالتشغيل والقطاع المعني، في ظرف 7 أيام، كمهلة للإخبار على الأقل، وخمسة أيام على الأقل إلى والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم وممثلي السلطات الحكومية المكلفة بالتشغيل والمقاولة، إذا تعلق الأمر بإضراب على صعيد القطاع الخاص”، بينما تحمل المادة 15 مجموعة من القيود التي تمس حرية الإضراب، بحيث تشترط “إرفاق قرار الإضراب بنسخة من الملف المطلبي أو نسخة من القضايا الخلافية، أو نسخة من إثبات الخطر الحال وعدم تقيد المشغل بالمقتضيات المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة 13، وبنسخة من المحضر المشار إليه، وقرار لجنة الإضراب”.

أما المادة 18 من القانون، فـ”تعطي للمقاولة الحق في تقديم طلب إلى القاضي لاستصدار أمر قضائي من أجل اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لحماية الممتلكات وحفظ الصحة والسلامة، أو الإغلاق الجزئي أو الكلي المؤقت للمقاولة أو المؤسسة، مع مراعاة حقوق الأجراء غير المضربين، إلا أن هذه المادة تعطي لأرباب المقاولات منفذا للهروب من المسؤولية وعدم الاستجابة لحقوق العمال المضربين، عبر هذا الخيار المتعلق بإغلاق المقاولة، رغم أن بداية نفس المادة تشدد على منع الإغلاق الكلي أو الجزئي للمقاولة خلال سريان الإضراب، مما يشير إلى وجود تناقض شيئا ما، خاصة وأن العمال قد ينظمون الإضراب وسط الشركة أو بساحتها.

ومن بين الأمور المثيرة للجدل، والتي تتعارض مع حقوق المواطنين في الدستور، ما جاءت به المادة 19 من القانون، والتي “تمنع المواطنين من خوض أي إضراب في حالة حدوث آفات أو كوارث طبيعية أو أزمة وطنية، من شأنها المساس بالنظام العام”، بحيث تمنح هذه المادة لرئيس الحكومة الحق في إصدار أمر بمنع الإضراب أو وقفة لمدة محددة بموجب قرار معلل، الشيء الذي قد يتعارض مع حقوق المواطنين، خاصة إذا كان الإضراب وسيلة للمطالبة بالحقوق أو تحسين الأوضاع مثل زلزال الحوز، وجائحة “كورونا” وغيرها…

كما أن المادة 20 “تعطي للسلطات الحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة بما فيها العمل على فك الاعتصامات والحيلولة دون احتلال المباني، وأماكن العمل والمرافق المحلقة بها، ومنع كل تجاوز يروم إغلاق مقرات العمل ومداخلها في وجه العمال غير المضربين والمرتفقين، ويمكنها اللجوء إلى قاضي المستعجلات من أجل استصدار أمر قضائي بوقف أو توقيف الإضراب”، مما يعتبر وسيلة بيد السلطات أو المقاولة للتصدي لأي إضراب عبر سلك هذه المسطرة، حيث أن هذه الإجراءات تمس بحقوق العمال المضربين حتى لو كانوا الأغلبية في المقاولة أو المؤسسة، وحتى لو كانت نسبة المضربين تفوق بكثير نسبة العمال غير المضربين.

أما المادة 22 من القانون، فقد حرمت العديد من موظفي الدولة من ممارسة حقهم في الإضراب، على غرار دول أوروبية وبلدان متقدمة أخرى، التي تعطي الحق لموظفي الدولة لممارسة الإضراب، بحيث منعت مجموعة من الموظفين العموميين من ممارسة الحق في الإضراب، من أبرزهم موظفي وزارة الخارجية، والدبلوماسيين والقنصليين، ووزارة الداخلية، وأفراد القوات العمومية، وضباط الشرطة، والوقاية المدنية، وسائر الموظفين والأعوان المخول لهم حمل السلاح، كما لا يمكن للعمال الذين يكلفون بضمان حد أدنى للخدمة وللعمال المكلفين بالسهر على الصحة والسلامة المهنية بأماكن العمل، ممارسة هذا الحق.

فقد جاء قانون الإضراب في بابه الثالث، بمجموعة من العقوبات التي تستهدف فقط الطبقة العاملة والموظفين، دون أن تتضمن أي قرار أو إجراء عقابي في حق المقاولات أو المؤسسات العمومية أو الخاصة، مما يبرز المقاربة التمييزية التي اعتمدها مشروع القانون في تكبيل العمال والمستخدمين بمجموعة من القرارات والمقتضيات التي تقطع الطريق عليهم للقيام بالإضراب.

فالمادة 23 تعتبر من المواد الخطيرة والمهددة لهذا الحق، وتعتبر بمثابة سيف مسلط على رقاب العمال والموظفين، وتكبل انخراطهم في الإضراب، حيث تقول أن “كل عامل مارس الإضراب دون التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في القانون، غائب عن العمل بصفة غير مشروعة، وتطبق عليه العقوبات التأديبية”، بالإضافة إلى المادة 27، التي “تفرض غرامة مالية على العامل ما بين 1200 درهم إلى 8 آلاف درهم، إذا رفض القيام بالأنشطة الضرورية التي كلف بتقديمها، بينما المادة 28 تهدد كل عامل دعا إلى ممارسة حق الإضراب دون التقيد بأحكام المادة 12 (الجهة الداعية إلى الإضراب) بغرامة مالية من مليون سنتيم إلى 5 ملايين سنتيم”.

 لكن رغم إسقاط الإكراه البدني والعقوبات الحبسية ضد العمال، إلا أن هذه الغرامات تشكل تهديدا للعمال وتعتبر وسيلة لعرقلة الإضراب، خاصة وأن الإجراءات الأولية جد معقدة ولا تفرض على العمال أو النقابيين الراغبين في خوض الإضراب الحصول على النصاب القانوني والتقييد بشروطه قبل اللجوء إليه، كما شملت الغرامات المالية موادا أخرى، منها المادة 30، التي تنص على “مضاعفة العقوبة في حالة العود”، بينما تتحدث المادة 33 عن “تدخل للشرطة القضائية وتحرير محاضر المخالفات في حق العمال المضربين إذا نظموا إضرابا دون اتباع الإجراءات المنصوص قبل تنظيم الإضراب”.

فمن خلال قراءة لهذه المواد المتعلقة بالحق في ممارسة الإضراب، تكشف مقتضيات ومواد هذا القانون اختلالا في التوازن والحقوق، بحيث ترجح كفة أرباب المقاولات والمؤسسات، سواء الخاصة أو العمومية، وتضع العديد من البنود التي تجعلهم في موقع قوة وامتياز يمنحهم القدرة على التصدي للإضراب وإفشاله بعدة طرق، لا سيما ضرورة انخراط نصف العمال خلال الإضراب وجمع التوقيعات وصياغة محضر اللجنة والتقيد بالمدة الزمنية، وعدم عرقلة العمل والتعرض للعمال غير المضربين، مما يفقد الإضراب أهدافه ويجعل حقوق العمال التي تنص عليها مدونة الشغل في مهب الريح، ويقوي شوكة صاحب المقاولة للتنصل من مسؤولياته والاستقواء بالقضاء والسلطات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى