المنبر الحر

المنبر الحر | المثقف اليوم.. من النضال السياسي إلى النضال التنويري

بقلم: بنعيسى يوسفي

    لازال سؤال المثقف ودوره في المجتمع يحمل دائما راهنية خاصة، ولا زال المخيال الجمعي في جل مجتمعات العالم يعتقد أن الأسلوب النضالي التقليدي الذي كان يمارسه المثقف في الماضي لا زالت شروطه قائمة وإمكانياته متاحة، والواقع أن الأمور والظروف تغيرت تغيرا كبيرا، وأصبح من الصعب، حتى لا نقول من المستحيل، أن تجد مثقفا اليوم ينحاز بشكل مباشر عضوي وتفاعلي مع هموم وانشغالات ومشاكل فئات عريضة من أبناء هذه المجتمعات، كما تجنح إلى ذلك العديد من الأطياف الاجتماعية، ويمكن أن نذهب بعيدا ونجد رأيا يقول بنهاية المثقف بصفة نهائية وانتهى الأمر، والحقيقة إذا كانت الأمور تبدو هكذا ظاهريا، وقد ينساق وراءها جمهور واسع في كل دول العالم، فإن المسألة في مجملها فيها نوع من التسرع، ومن دون شك تحتاج إلى تدقيق وتأمل..

صحيح أن دور المثقف تراجع بشكل كبير وتأثيره في الميدان تكاد لا تجد له أثرا، لكن هذا لا يعني أنه غير موجود، وإنما الذي تغيَّر هو أسلوب وشكل وجوده، فلا شك أن هناك حيوية تاريخية ونخبا جديدة فاعلة، وليس المهم أن يبقى النموذج التقليدي المألوف، الذي ارتبط بالنضال والمثقف العضوي، هو السائد، حيث أن المثقف حاضر في الاجتماعات والإضرابات والنقابات والاحتجاجات، وغيرها من الأشكال القديمة، وهذه لم تعد إلا من بقايا الفكر الاشتراكي والماركسي، والتي كانت سائدة في فترة من الفترات، ولكن التجربة التاريخية للمثقف بينت أن دوره ليس دورا نضاليا بالمعنى الحركي، إذ لم يعد من المفروض عليه أن يمارس نضالا حركيا أو أن يحضر الاجتماعات ويخطب في الناس ويؤمُّ الجماهير وغير ذلك، فهذه المرحلة عفا عنها الزمن، إذ اكتشف المثقف بالتدريج، وعبر العديد من التجارب، أن دوره الحقيقي هو دور معرفي تنويري، وهذا هو المعنى الذي نلاحظه اليوم.. فقد تحول الكثير من مثقفينا في المغرب من الحركة السياسية إلى الإنتاج الفكري، ولنأخذ نموذج محمد عابد الجابري، في لحظة من اللحظات سلم مفاتيح الحزب والصحيفة وتفرغ للبحث العلمي والفكري، واستطاع أن يحافظ على نفس الدور النضالي، لكن بوسائل مختلفة، لأنه شعر بأن النضال الحركي والسياسي ليس كافيا، وبأن مداه محدود وبأنه لما يحدث التغيير أو التحول، يحدث في نفس الأفق ويتراجع، لذلك عاد إلى البحث والنضال على مستوى الفكر والبحث في المحددات الفكرية، التي هي محددات طويلة في الزمان، وتتعلق بالمدة التاريخية الطويلة من خلال البحث عن كيفية تكوُّن هذه العقليات والذهنيات، وهذا لا يكفي كي نقول أنه يجب تحديث المجتمع، بل يجب أن نبحث في كيفية تحديث الثقافة وفي كيفية تحديث المثقفين، وكيفية تحديث المناضلين أنفسهم وفي كيفية تطويرهم ثقافيا .

لقد حصلت تطورات وتحولات كثيرة ناتجة عن تجربة تاريخية وعن اقتناعات ذاتية مؤسَّسة على قراءات من المثقف لواقعه، فالجابري يمكن تعميم حالته على جل المثقفين، الذين أحسوا بأنهم تحرروا من العديد من القيود المفروضة عليهم للتعبير عن آرائهم وكذا الكتابة والإبداع بكل حرية، ولو بقي الجابري في حضن السياسة والنضال السياسي الحزبي الصرف، لتم استنزاف كل طاقاته الإبداعية، وربما سيكون المغرب قد ضيع مثقفا كبيرا، وربما لأضعنا معه مشروعا فكريا ضخما اسمه “نقد العقل العربي”، فحسنا فعل محمد عابد الجابري، الذي آثر النضال السياسي بالقلم والفكر، وأعطى للتأليف الفكري في المقابل حقه كاملا غير منقوص، فكما أن هناك مثقفين سلكوا مسلك الجابري وغيره، نجد في المقابل مثقفين اختاروا السياسة والحركة السياسية بشكل نهائي، واكتفوا بهذا الدور النضالي السياسي إذ وجدوا فيه ضالتهم، وهذا الاختيار في حقيقة الأمر له ما له وعليه ما عليه، لكن أغلبية المثقفين اقتنعوا تماما بأن دورهم ثقافي وفكري وتوعوي على المدى البعيد، وفضلوا الاشتغال على التأثير الثقافي والذهني الذي من شأنه أن يؤثر على المجالات الأخرى، ولذلك يبدو أن من يدَّعي موت المثقف أو نهايته أو أي شيء من هذا القبيل، فهذا رأي ينم عن عدم الاستيعاب الكافي للتطورات والتحولات التي يعرفها العالم عامة في العقود الأخيرة، والتي تقتضي من المثقف الصمود أمام تياراتها الجارفة التي تأتي على الأخضر واليابس، ليس تحولات سياسية وحسب، وإنما أيضا تحولات اجتماعية وثقافية وقس على ذلك، فالمثقف كمن يحارب على جبهات عدة، وهو دائما في قلب العاصفة، لأنه هو الذي يراهن عليه الجميع للتوضيح والتفسير والتحليل حتى يستطيع الفرد أن يفهم ويدرك كل ما يدور حوله، ولا يخفى من جهة أخرى، أن من يقفون وراء هذا الرأي أو هذا الادعاء، هم سياسيون بالدرجة الأولى.. هؤلاء الذين يزعجهم صوت المثقف ومواقفه النقدية، وجرأته في كشف عيوبهم وخلفياتهم توجهاتهم. وهكذا، فإن السياسيين يقولون إن هؤلاء المثقفين مجرد عدميين، بمعنى أنه لا يكفيهم ما يتم تحقيقه، أو ينكرون التطورات فينزلون إلى البحث والدرس، أحد مصادر هذا الحكم هي الفئات الحركية في المجتمع. إذن، فدور المثقف تتحقق نتائجه على المدى البعيد وليس دورا حركيا سياسيا آنيا، قد لا يظهر أثر أفكاره وتصوراته وتحليلاته في الواقع بشكل فوري وآني، لكن بكل تأكيد حينما تختمر بعض الشروط الموضوعية والتاريخية، تقفز كل تلك الأفكار إلى الواقع ويظهر أثرها جليا في المجتمع.

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى