تحقيقات أسبوعية

قانون | إشكالية تعدد الزوجات بين القانون والواقع

هذا الموضوع نستهله بمقدمة وردت في بحث جاء في مقدمته أن “تعدد الزوجات هو ممارسة تقوم على تزوج الرجل بأكثر من امرأة في وقت واحد”، وتعدد الزوجات جائز في بضعة أديان مثل الشريعة الإسلامية، وبعض الطوائف المسيحية المورمونية، في حين تبيح قوانين بعض الدول تعدد الزوجات وممنوع في دول أخرى، وأحيانا قد تصل العقوبة للسجن، ويختلف العدد المسموح به من الزوجات من ثقافة لأخرى، كما يختلف انتشار تعدد الزوجات حول العالم بحسب الثقافة والمفاهيم التقليدية السائدة، وتنتشر هذه الممارسة في القارة الإفريقية أكثر من أي قارة أخرى، خصوصا في منطقة غرب القارة.

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    في المغرب، يقع التركز في إباحة تعدد الزوجات على ما ورد في القرآن الكريم، وفي قول الله سبحانه وتعالى: ((وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا)) (سورة النساء الآية 3)، وفي شرح هذه الآية الكريمة، جاء  في كتاب “القرآن الكريم وبهامشه التفسير الميسر” في الصفحة 77 ما يلي: “وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن، اثنين أو ثلاثا أو أربعا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فانكحوا واحدة، أو بما عندكم من الإماء، ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين أقرب إلى عدم الجور والتعدي”، ويضاف إلى ذلك حتى “تعولوا”، أي يكثر عيالكم وتصابون بالفقر، وبما أن العدل المطلق والكامل صفة من صفات الله تعالى، فلن يصل الإنسان إلى تحقيق العدل الكامل في معاملاته ولو حرض على ذلك، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم زوجات، وميالا لعائشة رضي الله عنها، فشعر بذلك وقال يخاطب الحق سبحانه: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك))، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتحكم في مشاعره وما مال إليه قلبه.

تتمة المقال تحت الإعلان

ونتطرق الآن للتشريع المغربي، لمعرفة موقفه من تعدد الزوجات.. ففي قانون الأحوال الشخصية الملغي، لاحظنا أن المشرع لم يتعمق في بيان النظام القانوني المتعلقة بتعدد الزوجات، بل اكتفى بفصل، هو الفصل 30، مكون من فقرتين جاء فيهما: 1) “إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لم يجز التعدد”. 2) “للمتزوج عليها إذا لم تكن اشترطت الخيار، أن ترفع أمرها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها ولا يعقد على الثانية إلا بعد اطلاعها على أن مريد الزواج منها متزوج بغيرها”. فصل واحد جد مختصر في موضوع شائك، وصياغة معقدة، ولكن الفقرة الأولى ذكرت الأصل وهو منع التعدد، بينما جانب من الفقه تمسك بأن الإسلام أحل تعدد الزوجات، ولكن بشروط، فإن لم يكن الرجل يتوفر على تلك الشروط فلا يحق له التعدد ومن أهمها:

تتمة المقال تحت الإعلان

1) العدل: وهو أهم الشروط، فإذا كان الإنسان غير قادر على العدل فلا يحق له التعدد، ويكون العدل في كل الصور، في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، فلا يفرق بين الأولى والثانية في المال أو المبيت؛

تتمة المقال تحت الإعلان

2) القدرة على الإنفاق على الزوجات: والقدرة المادية لمن يريد تعدد الزوجات، أما مدونة الأسرة التي صدرت سنة 2004، فقد نصت على عدة مواد تتعلق بموضوع التعدد، المواد من 40 إلى 46، وقد استهل المشرع تلك المواد بالمادة  40 التي تمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها، والملفت للنظر هو ما ورد في الفقرة الثانية من المادة 44، التي تنص على ما يلي: “للمحكمة أن تأذن بالتعدد بمقرر معلل غير قابل لأي طعن، إذا ثبت لها مبرره الموضوعي الاستثنائي، وتوفرت شروطه الشرعية، مع تقييده بشروط لفائدة المتزوج عليها وأطفالها”، ورغم أن هذه الفقرة يستفاد منها ضرورة توفر شروط التعدد، لكنها تنص على أن المقرر القضائي بالسماح بالتعدد يكون نهائيا لا يقبل أي طعن عادي أو استثنائي، فكيف  يمكن أن نوفق بين ما جاء في تلك الفقرة وما تنص عليه المادة 118 من الدستور، التي تنص على أن “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون”؟ وحق التقاضي جاء عاما شاملا لجميع درجات التقاضي والطعن في أي مقرر شابه غلط أو ضعف في التعليل، أو مس بحق الدفاع، أو لم يراع ما يمس النظام العام، وأيضا مما يلفت النظر، أن الفقرة الأخيرة من المادة 45، تنص على أن الزوج إذا تمسك بطلب الإذن بالتعدد ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها، ولم تطلب التطليق، طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97، أي أن المحكمة تعتبر ذلك بمثابة تعذر الإصلاح بين الزوجين وتقوم مقام الزوج، وتحكم بالتطليق للشقاق، أي بفك رابطة الزوجية وكأنها تعاقب الزوجة على عدم قبولها للتعدد وتصبح بموقفها ضد مشاركة الغير في زوجها مطلقة ومشردة هي وأطفالها، ولأنها رفضت أن تكون لها ضرة، وإرضاء لرغبة زوجها، لنا وجهة نظر في موضوع تعدد الزوجات مثنى وثلاث ورباع، ذلك أن الآية القرآنية الكريمة، وبقراءة متأنية، نجد أن الخطاب موجه لفئة خاصة من خلق الله، إلى أصحاب البيت الذي تعيش فيه يتيمة تحت كفالة ونفقة صاحب البيت، ويطمع صاحب البيت ودون اعتبار لفارق السن، أن يتزوج بها، وحرمة شبابها، ولن يمتعها بما تستحقه من صداق، وسكن خاص، ويطمع في مالها إن كانت تتوفر على مال، ويميل الكفيل كل الميل إلى اليتيمة ناسيا زوجته الأولى، وإقامة العدل بينهما، لذلك أراد الحق سبحانه أن يحمي تلك اليتيمة، فأمر لمن كان يرعى تلك اليتيمة أن يتخلى عنها، ويعوضه بالزواج بمن تناسبه، وبزواجه بامرأة ثانية وثالثة ورابعة، وبما أنه لا يستطيع أن يعدل بين تلك الزوجات ولو كان حريصا على إقامة العدل، فإن الزوج سيكتفي بزوجة واحدة، ((وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة))، فالآية الكريمة لم تخاطب العموم بقولها مثلا: “يا أيها المؤمنون” أو “يا أيها الناس”، “قل للذين آمنوا..”.

ومن هنا منعت بعض الدول تعدد الزوجات، فالفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية في تونس، ينص على أن كل من تزوج وهو في حالة الزوجية، يعاقب بالسجن لمدة عام بالإضافة إلى غرامة مالية، كما يمنع إكراه الفتيات على الزواج، ما جعل تونس الوحيدة من بين الدول العربية التي تمنع تعدد الزوجات، وهذا التوجه اعتمد على تأويل فقهي من كبار علماء الدين، مثل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والمفتي محمد عبد العزيز جعيط، الذين رأوا أن منع التعدد يتماشى مع مقاصد الشريعة، كما أن هذا التوجه وهذا القرار يعود إلى رؤية الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، الذي استعان بالمؤسسة الدينية لتطبيق الإصلاحات بما في ذلك حظر تعدد الزوجات، وهنا نتذكر قضية علي بن أبي طالب، الذي كان متزوجا بفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يتزوج   بامرأة أخرى، فلما استشار أهله رسول الله صلى وطلبوا موافقته، تغيرت ملامحه، وقال: ((فاطمة فلذة كبدي، يؤلمني ما يؤلمها))، أي منع علي بن أبي طالب من التعدد ولم يوافق عليه، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسباب أخرى، منها الغيرة التي تنشب بين الزوجات، ثم إن علي بن أبي طالب أراد أن يتزوج ببنت أبي لهب، فكيف يمكن أن يصاهر نبي الله عدو الله والقرآن الكريم  قال فيه: ((تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب…))، وفي رواية أخرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها، وإني لست أحرم حلالا أو أحل حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله أبدا))، فهل تسمح الظروف التي نعيشها وقد خيم عليها غلاء المعيشة والبطالة، وضعف الضمانات لحماية الأجير، وصعوبة العثور على السكن المناسب، والاكتظاظ في المدارس ومشاكل النقل في ظروف مناخية قاسية.. هل نسمح بالتعدد لإرضاء شهوة طائشة؟ هل نضحي بحقوق الأطفال لينام والدهم كل ليلة في حضن زوجة؟ ولنا في رسول الله أسوء حسنة، وموقفه يعد سنة واجبة الاتباع، ربما لقائل أن يقول أن زوجته عقيم، ويرغب في الأبوية، ومن يخلد نسبه ويرث ماله، ويكون الجواب، أن الله سبحانه وتعالى يفعل في خلقه ما يشاء، وهو يتصرف بحكمة لا يعلمها إلا هو، وما يفعل ربك إلا خيرا، ولذلك جاء في كتابه الكريم:  ((لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير)) صدق الله العظيم، ولمن أراد أن يطلع على أسباب نزول هذه الآية وشرحها بالتفصيل، فعليه أن يطلع على تفسير القرطبي (شمس الدين محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي)، وكم من ولد قتل والده أو أمه، مما يجعل القانون الجنائي ينص على أن عقوبة قتل الوالدين هي الإعدام، فاعتبروا يا أولي الألباب، وكم من زوج صرح أمام الملأ بأنه أصبح غير قادر على الوفاء بالتزاماته إزاء زوجة واحدة وأطفالها، فكيف يكون حاله إذا تعددت الزوجات وارتفع عدد أولاده ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى