تحقيقات أسبوعية

للنقاش | تدبير الأموال المشتركة بين الزوجين في المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا

مقارنات تشريعية

لا يعتبر التشريع المتعلق باكتساب الأموال خلال الحياة الزوجية وكيفية تدبيرها واستثمارها، موضوعا حديث العهد، ولكنه تشريع قديم ومنصوص عليه في ديانات أخرى، وعرف هذا التشريع في صدر الإسلام، وفي عهد عمر بن الخطاب، حيث عرضت عليه قضية تتعلق بزوجة تسمى حبيبة بنت زريق، كانت تساعد زوجها في خياطة الملابس وتجارة الثياب، ولم ترزق منه بأولاد ولما توفي زوجها حاول أشقاءه الاستيلاء على أموال تركته كلها، فرفعت أمرها لعمر بن الخطاب، وعرضت عليه مشاركتها لزوجها في ممارسة الخياطة والتجارة في الثياب وجني زوجها أرباحا طائلة شاركت في الحصول عليها، فقضى لها عمر بن الخطاب باستحقاقها لنصف ما وقع الحصول عليه من أرباح خلال الحياة الزوجية ومشاركتها في تنمية واستثمار مداخيل تلك التجارة، وترث من باقي أموال تركة زوجها الربع شرعا لعدم وجود الفرع الوارث.

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    رغم أن المغرب استقل سنة 1956، وصدرت مدونة الأحوال الشخصية، إلا أن المشرع لم يتطرق لهذا الموضوع، لكن العمل كان يجري في بعض المناطق  المغربية الجنوبية بنظام الكد والسعاية، بناء على قول الله تعالى: ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى))، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل أو صائم النهار)) (أخرجه البخاري في كتاب “النفقات”)، وأصبح الكد والسعاية عرفا مستقرا وثابتا، نظرا للدور الذي كانت تقوم به المرأة، فبالإضافة إلى عملها المنزلي كانت تقوم بأعمال خارج منزل الزوجية طيلة السنة، وتساعد الزوج في المجهود الفلاحي، وتربية الماشية، أو في أنشطة تجارية أو صناعية، أو جمع الحطب للتدفئة، وغير ذلك من الأعمال التي ذكرت في موضوع مشاركة الزوجة للزوج فيما كان يمارسه من عمل يومي، ولم يكن هذا العرف عاما يشمل جميع المناطق المغربية، بل كان مقتصرا على نساء البادية، وقد جاء في “العمل الفاسي”:

تتمة المقال تحت الإعلان

وخدمة النساء فـي البوادي             للزوج بالدراس والحصـــــــاد           

تتمة المقال تحت الإعلان

قال ابن عرضون لهن قسمة            على التساوي بحساب الخـدمــة

تتمة المقال تحت الإعلان

لـكن أهــل فـــاس خالفــــوا            قالوا في ذلك عرف يعرف

 لكن وقع خلاف يتعلق بطريقة استخراج حق أو نصيب الزوجة في الأموال المكتسبة خلال الحياة الزوجية، لذلك فبعض التشريعات الحديثة نصت على ضرورة تعيين وتحديد نسبة المشاركة حسما لكل نزاع، ومنذ ما يزيد عن نصف قرن من تاريخ صدور مدونة الأحوال الشخصية، فكر المشرع المغربي في تعديل وتجويد وتحيين قانون الأحوال الشخصية، لعدة أسباب، فصدرت سنة 2004 مدونة الأسرة، ومن مستجداتها المادة 49، التي تنص على تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، والاتفاق على استثمارها وتوزيعها، وجاءت صيغة المادة 49 من مدونة الأسرة كما يلي:  ((لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها ـ يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج ـ يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر ـ إذا لم يكن هناك اتفاق، فيرجع للقواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين، وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة))، وما دامت المادة 49 من مدونة الأسرة تتحدث عن الذمة المالية لكل من الزوجين، فما هو تعريف الذمة المالية؟ الفقه عرف الذمة المالية ويقصد بها في اللغة “العهد والكفالة”، وعرفها الفقه الفرنسي بأنها “مجموع ما للشخص من حقوق والتزامات مالية حاضرة ومستقبلية”، وفي الفقه للإسلامي، قيل أنها ترادف “الذمة المالية للشخص أهلية وجوب لدى جانب من الفقه”، وعرفها الدكتور عبد الرزاق السنهوري بقوله: “الذمة المالية في الفقه الإسلامي هي وصف شرعي يفترض الشارع وجوده في الإنسان ويصير به أهلا للالتزام”، أي صالحا لأن تكون له حقوق وعليه واجبات، ولما كانت هذه الصلاحيات التي تترتب عن ثبوت الذمة يسميها الفقهاء بأهلية الوجوب، إذ يعرفون هذه الأهلية بأنها صلاحية الإنسان للحقوق والواجبات المشروعة.

ولقد صدرت أحكام مغربية من محاكم الموضوع، ووقع خلاف في كيفية تطبيق المادة 49، واستغرق النزاع مدة طويلة بسبب الإجراءات المعقدة، مثل الإجراءات المتعلقة بتحقيق الدعوى عن طريق الخبرة، ثم إن النزاع يقطع جميع مراحل التقاضي من ابتدائية إلى استئناف إلى الطعن بالنقض إلى طلب الطعن بإعادة النظر، وعلى إثر صدور حكم من قسم الأسرة، التابع للمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بتاريخ 2005، وجاء في حيثية رفض الطلب: “وحيث ما دام المدعي قد ادعى حقا له على ما اكتسبته زوجته خلال فترة الزواج، ولم يدل بما يثبت مساهمته في تنمية تلك الأموال وأن الوثائق المدلى بها من طرفه لا تنهض كحجة في إثبات ما يدعيه، وبذلك يبقى طلبه مخالفا لمقتضيات القواعد العامة في الإثبات، ويبقى غير مبرر ويتعين التصريح برفضه”، هذا الحكم كان محل تعليق، جعل المشرع يحث الزوجين على تحرير وثيقة مكتوبة تبين كيفية تدبير الأموال المشتركة ونصيب كل جانب، وفي هذه الحالة وعند الخلاف، تطبق قاعدة العقد شريعة المتعاقدين المنصوص عليها في الفصل 400 من قانون الالتزامات والعقود، ويكون كل زوج ملتزم بما التزم به.

هذا بالنسبة لمدونة الأسرة المغربية، أما بالنسبة لمدونة الأسرة الجزائرية، فإن المادة 37 من قانون الأسرة الجزائري نص على أن لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة، يمكنه التصرف في أمواله دون إذن الزوج الآخر، إلا أن المشرع الجزائري أجاز لهما من خلال المادة 37 من قانون الأسرة ونص في تلك المادة  على أنه يجوز للزوجين أن يتفقا في عقد الزواج أو في عقد رسمي لاحق، على الأموال المشتركة بينهما، وجاء نص المادة كما يلي: ((لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز أن يتفقا في عقد الزواج أو في عقد رسمي لاحق، حول الأموال المشتركة بينهما التي يكتسبانها خلال الحياة الزوجية وتحديد النسب التي تؤول إلى كل واحد منهما))، وبتحديد النسب، يحسم النزاع وتنهي صعوبات المساطر القضائية، والاستغناء عن الخبرة، ويكون حكم المحكمة يتعلق بوقائع، وهي لا تخضع لمراقبة محكمة النقض.

وبالنسبة لتونس، فقد اهتم الفقه التونسي بموضوع الأموال المكتسبة بعد الزواج ونصيب كل زوج منها، ومن تلك الأبحاث دراسة قيمة بعنوان: “نافدة على القانون: الأموال المكتسبة خلال الحياة الزوجية”، وقد تطرق الباحث للتجربة المغربية، وجاء في دراسة القانون الصادر عام 1998، المتعلق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين، أن ذلك النظام يسري على العقارات المكتسبة بمقابل مادي أثناء قيام العلاقة الزوجية، والتي هي معدة لمصلحة العائلة، كأن تكون مخصصة للسكنى المستمرة أو الفصلية، وأن يكون العقار مسوغا للتغيير وتنتفع العائلة من مداخيله، ويعتبر هذا النظام في تونس نظاما ماليا اختياريا يتفق عليه الزوجان عند إبرام عقد الزواج أو حتى بعده، بمقتضى كتاب لاحق مستقل عنه،  وإذا سكت الزوجان ولم يصرحا بالنظام المالي الذي يختارانه عند إبرام عقد  الزواج، فإن ذلك يعد منهما اختيارا لنظام الفصل في الأموال باعتباره المبدأ والأصل، وعلى المأمور العمومي المحرر لعقد الزواج، أن يذكر الطرفين بمحتوى هذا النظام وشروطه، وقد نص المشرع التونسي في الفصلين 14 و15 من قانون 9 نونبر 1998، على إشهار نظام الاشتراك لإعلام الغير، وذلك بالتنصيص عليه في دفاتر الحالة المدنية للزوجين، وفي مضامين دفاتر الملكية العقارية وشهادة الملكية، ربما تجنبا لتوقيع حجز عقاري ينصب على حقوق زوج لا يعتبر مدينا حتى يقع الحجز العقاري على تنصيبه في العقار المشترك، ويفهم مما ذكر، أن الأمر يقتصر على العقارات فقط.

وفيما يخص ليبيا، فقد اطلعنا فقط على بحث فقهي قام بتعريف مفهوم المال  المشترك، وعرف المال المشترك بين الزوجين على أنه “المال الذي تحصل بعد الزواج نتيجة مساهمة كل من الزوجين في تحصيله وتنميته، ويكون الاستحقاق لهذا المال عند من أجازه من الفقهاء المعاصرين، بسبب مشاركة الزوجين في تحصيله، ويتم تقسيم هذا المال حسب مقدار المساهمة والمشاركة في تحصيل المال من قبل الزوجين”، أما الأموال التي كانت لكل من الزوجين قبل إبرام عقد الزواج، فهذه تكون ضمن الذمة المالية المستقلة لكل من الزوجين، والتي لا تدخل ضمن الأموال المشتركة، وطرح سؤال مهم جدا وهو: هل عمل المرأة داخل المنزل له مقابل مالي، ويدخل في تكوين المال المشترك للأسرة، أم لا؟ وما هي الأموال التي تدخل في إطار المال المشترك بين الزوجين؟ ما هي الأموال التي تدخل ضمن الذمة المالية المستقلة لكلا الزوجين؟ فكان الجواب الإشارة إلى قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، والذي ينظم الذمة المالية بين الزوجين، ورد في القرار تحت عنوان: “عمل الزوجة خارج البيت”:

1) من المسؤوليات الأساسية للزوجة رعاية الأسرة وتربية النشء والعناية بجيل المستقبل، ويحق لها عند الحاجة أن تمارس خارج البيت الأعمال التي تتناسب مع طبيعتها واختصاصاتها بمقتضى الأعراف المقبولة شرعا، بشرط الالتزام بالأحكام الدينية والآداب الشرعية ومراعاة مسؤولياتها الأساسية؛

2) إن خروج الزوجة للعمل لا يسقط نفقتها الواجبة على الزوج والمقررة شرعا، وفق الضوابط الشرعية، ما لم يتحقق في ذلك الخروج معنى النشوز المسقط للنفقة؛

3) ويكاد يجمع المسلمون على أن كافة الأعمال التي تقوم بها المرأة، تعتبر جزء من مسؤولياتها المنزلية هو عمل غير مأجور.

وهنا نسجل مرة أخرى أن المجلس العلمي الأعلى خرج عن إجماع المسلمين في موضوع العمل المنزلي وكأنه يدخل في باب الكد والسعاية، مما يشكل الحرج للمغاربة المسلمين.

أما بالنسبة لموريتانيا: فقد حاولنا الاطلاع على القانون رقم 052ـ2001 الصادر بتاريخ 19/08/2001 في الجريدة الرسمية العدد 1004 المتعلق بقانون الأحوال الشخصية، ولم نعثر على فصل أو مادة تتعلق بموضوع الأموال التي تكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية وكيف تدار وتستثمر، وكيف تقسم إذا حدث ما يدعو إلى تقسيمها، وفي تعريف مدونة الأحوال الشخصية، قيل أنها تتضمن: الكتاب الأول: الزواج وانقضاؤه. الباب الأول: الزواج؛ مصالح الأسرة؛ الزوجة تساعد زوجها في إدارة شؤون العائلة. المادة 56: الزواج الصحيح تترتب عليه جميع أثاره من حقوق وواجبات في: 1) النفقة والإسكان؛ 2) حفظ العرض والوفاء والمساعدة والتعاون.

والخلاصة من استعراض التشريع المغاربي هي محاولة الاطلاع على المواقف في موضوع تدبير واستثمار الأموال المشتركة بين الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية، ومعرفة ما إذا كان العمل المنزلي تؤدى عنه الأجور، وتوصية وفتوى المجمع الفقهي العلمي الدولي والتي انعقد الإجماع الإسلامي عليها، ومن وجهة نظرنا، نرى أن عقد الزواج اختلط به أو تفرع عنه عقد آخر هو عقد الشركة أو المشاركة في الأموال التي تكتسب أثناء قيام الزوجية، مع أن العناصر والأهداف التي يقوم عليها عقد الزوج تختلف تماما عن عناصر والأهداف المكونة لعقد المشاركة في مال، فعقد الزواج كما ورد في المادة 4 من مدونة الأسرة هو “ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة”، وإذا كانت المشاركة ترمي إلى تقسيم الأرباح، فهي لا تعتبر من الإحصان والعفاف، والاستقرار ولا الرعاية، بل تضارب المصالح، والخصومات والمنازعات القضائية ونسيان الفضل بين الزوجين، وكمثال واحد، الحكم المشار إليه أعلاه، وكم من طلب رفع إلى محكمة قضاء الأسرة يتعلق بالتطليق للشقاق بسبب الخلاف حول الأموال المشتركة، ولا سيما بالنسبة للسكن الزوجي عندما يكون مملوكا مشاعا بين الزوج والزوجة، فإذا وقع فك العصمة، من منهما سيغادر المنزل الذي يملك نصفه مشاعا والدستور يضمن حق الملكية؟ إنه موضوع شائك يجب معالجته بحذر شديد احتراما لمشاعر ووضعية الزوجة والزوج، وفي المقدمة مصلحة الأطفال، وإن الدكتور أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أكد أن “الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة لا تقوم على الحقوق والواجبات، وإنما تقوم على المعاشرة بالمعروف والكرم والفضل، أما الحقوق والواجبات فنستدعيها أمام القاضي فقط”، وقال أمين الفتوى في البث المباشر لصحيفة “دار الإفتاء” على “الفايسبوك”: “إن الرأي الفقهي الذي يقول بعدم وجوب خدمة الزوجة لزوجها والقيام بالأعمال المنزلية، هو قول واحد وليس إجماع الفقهاء، فلا يصح أن نتمسك به ولا نرى غيره”، وأضاف أن “هذا الرأي ليس القول الوحيد وإنما كثير من الفقهاء رأوا أنه يجب على المرأة شرعا أن تقوم بأعمال المنزل وخدمة زوجها، والسيدة فاطمة كانت تفعل ذلك مع زوجها” منوها بأنها لو فعلت ذلك وقامت بأعمال المنزل فلها الأجر الكبير على ذلك، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى