تحقيقات أسبوعية

تقرير | تحالف اليسار واليمين في مسيرة النقابات للحق في الإضراب

تعالت أصوات الآلاف من العمال والأجراء والنشطاء النقابيين في مسيرة وطنية كبيرة بالعاصمة الرباط يوم الأحد الفارط، مطالبة بوقف قانون الإضراب الذي يحد من ممارسة هذا الحق الدستوري، ويقيده بشروط مجحفة يصعب معها دفاع المستخدمين عن حقوقهم في ظل تغول “الباطرونا” والتملص من منح الحقوق لأصحابها، والمتعلقة بالتصريح بالضمان الاجتماعي، والترسيم، والزيادة في الأجور، والتعويض عن الساعات الإضافية..

الرباط. الأسبوع

    ندد المشاركون في المسيرة الوطنية التي نظمتها الجبهة الوطنية للدفاع عن الحق في الإضراب، بسياسة الحكومة تجاه الطبقة العاملة، والمخالفة للمواثيق الدولية وتوصيات منظمة العمل، المتعلقة بحرية الإضراب والعمل النقابي وحماية حقوق العمال، مرددين شعارات تتهم الحكومة بالتواطؤ مع “الباطرونا” للإجهاز على الحقوق المكتسبة خلال السنوات الماضية في مدونة الشغل والحريات النقابية، ومن بين الشعارات “لا حقوق لا حرية، الإضراب حق مشروع وأخنوش مالو مخلوع.. زيد قمع زيد قمع والله منركع”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد شكلت المسيرة فرصة لاتحاد مختلف الهيئات النقابية والتيارات السياسية بمختلف ألوانها، كل من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الاتحاد الوطني للشغل، الفيدرالية الديمقراطية للشغل، المنظمة الديمقراطية، وهيئات نقابية تمثل قطاع التعليم والقطاع الفلاحي إلى جانب بعض الأحزاب السياسية المنضوية تحت لواء الجبهة الوطنية ضد قانوني الإضراب والتقاعد.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم غياب الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب عن مسيرة النقابات بالرباط، إلا أن رفاق مخاريق يعارضون قانون الإضراب الذي يضرب في الصميم مصداقية العمل النقابي، وقد تكون لها تبعات وأثار سلبية على شعبية النقابات وعلى رأسها نقابة الاتحاد المغربي للشغل، التي تعتبر أكبر كتلة نقابية بالمغرب، مما قد يكون له تأثير على القاعدة النقابية التي ترى في الإضراب السلاح الذي يضمن الحقوق للعمال والمستخدمين، الذين يحرمون من الحقوق المنصوص عليها في مدونة الشغل، أبرزها التغطية الصحية والتصريح في الضمان الاجتماعي والتعويضات عن الساعات الإضافية والعائلية وعن حوادث الشغل..

وحسب العديد من المختصين والحقوقيين، فإن مشروع قانون الإضراب فارغ، ويهمل العديد من الفئات في المجتمع التي لها الحق في ممارسة الإضراب، مثل الدول المتقدمة والديمقراطية، لكن القانون الذي اتخذه الوزير يونس السكوري لا يشير ولا يعطي الحق لهذه الفئات في ممارسة حقها في الإضراب مثل الطلبة في الجامعات الذين يمارسون الإضرابات، والموظفين مثل موظفي إدارة السجون، والوقاية المدنية، والقوات المساعدة، وحتى الأمن الوطني الذين يتبعون وزارة الداخلية ولهم الحق للدفاع عن حقوقهم مثل بقية موظفي الدولة بحسب القوانين الدولية.

في هذا السياق، اعتبر محمد النحيلي، عضو المكتب التنفيذي للمنظمة الديمقراطية للشغل، أن هذه المسيرة هي صرخة في وجه الحكومة من أجل العدول عن قرارها السعي إلى تكبيل الحق في ممارسة الإضراب، علما أن هذا القانون غير دستوري لأن القوانين التنظيمية يجب أن تكرس المفهوم الديمقراطي والحقوقي للدستور الذي يكفل هذا الحق، وبالتالي، فإن الشروط والمعيقات التي وضعتها الحكومة في مشروع ممارسة الإضراب هي شروط تعجيزية ولا تكفل ممارسة هذا الحق، ولهذا يجب على الحكومة أن تزيل كل الموانع من قبيل النسبة لممارسة الإضراب، تشترط 50 في المائة في المقاولة، أو الموظفين في قطاع ما، وتساءل النحيلي: “هل الانتخابات التي أفرزت النواب والبرلمانيين، ساهمت فيها 50 في المائة من الهيئة الناخبة التي سجلت في اللوائح؟ وبالتالي فالحكومة غير مسنودة بسند شعبي ديمقراطي، أي من مجموع الساكنة في بلادنا، فكيف تشترط على النقابات أن يكون لديها 50 في المائة من الموظفين، هل الحكومة جاءت بنصف أصوات المواطنين؟”.

وأضاف نفس المتحدث، أن محاولة إصلاح القوانين ما هي إلا محاولة للتخريب، فموازين القوى غير معتدلة، لأن من يشرع هو اللوبي الاقتصادي، وبالتالي، فهو يعمل على حماية مصالحه وجميع التشريعات تخرج لصالح هذا اللوبي (الحكومة الباطرونا ورجال الأعمال)، الذي يحمي مصالحه، وبالنسبة لمدونة الشغل، ومن أجل المراجعة، فما سيكون إلا التأويل لصالح هذا اللوبي المتنفذ، لذلك نطالب الحكومة بتطبيق القانون لأن 70 في المائة من الإضرابات والاحتجاجات هي نتيجة عدم احترام المشغلين للحقوق المنصوص عليها في مدونة الشغل، من قبيل الحد الأدنى للأجر، والتصريح في الضمان الاجتماعي، وإيقاف التعسفات، وبالتالي، عند القصور في تطبيق القانون يحصل الاحتجاج، ولا يمكن قمع الناس ونضع قوانين المنع للتشريع للعبودية داخل معامل الإنتاج، يجب أن تكون فضاءات الديمقراطية التشاركية والمسؤولية على كافة الأطراف.

بدوره، يؤكد محمد زويتن، الكاتب الوطني للاتحاد الوطني للشغل، أن المقاربة التي تنهجها الحكومة في هذا المشروع، ليست صحيحة، لأنها لم تكن مقاربة توافقية مبنية على التشاور، لأن الإضراب هو حق مجتمعي وليس مخصصا للشغيلة، وهو حق لجميع المواطنين، وبالتالي، كان لا بد أن يفتح الحوار مع جميع المكونات والفعاليات النقابية والحقوقية، ثم المسألة الثانية هي أن مجموعة من القوانين كان يجب طرحها قبل قانون الإضراب، من قبيل قانون النقابات المرتبط بتنظيم انتخابات المأجورين، لأن النقابات هي التي تدعو إلى الإضراب، إلى جانب مشروع تعديلي لمدونة الشغل، حيث على الحكومة أن تجيب عن دراسة الأسباب التي تدعو إلى الإضراب لمعالجتها، أما فيما يتعلق بحقوق الشغل، فتبقى من مجموعة الأعمال التي يجب أن تقوم بها الحكومة قبل قانون الإضراب.

وانتقد زويتن مشروع القانون التنظيمي للإضراب بصيغته الحالية، لأنه يحتوي على مقتضيات تقيد ممارسة حق الإضراب، حيث يعتمد أسلوب الترخيص بدل الإشعار، مما يعد خرقا للمقاربة الدستورية، إضافة إلى اشتراط نسبة 50 في المائة من الجمع العام لتنظيم الإضراب، والاقتطاعات من أجور المضربين، والعقوبات المبالغ فيها، مما يجعل ممارسة هذا الحق شبه مستحيلة.

تبرز مسيرة الرباط تحالف القوى اليسارية واليمينية من أجل التصدي لمشروع الحكومة فيما يتعلق بالإجهاز على حق الطبقة العاملة في الدفاع عن حقوقها ومكتسباتها، وحسب المناضلين والنشطاء النقابيين، فإن هذا التحالف يشكل بداية لاتحاد وطني للنقابات الشعبية من أجل مواجهة المشروع الحكومي، الذي يرمي إلى خلق تراجعات كبيرة في ميدان الشغل، لاسيما وأن أسباب الإضرابات في المقاولات والشركات، وفي القطاعات الحكومية، مرتبطة بالحقوق الاجتماعية والتسوية المهنية والترقيات والأجور.

في هذا الصدد، يرى عبد الغني الراقي، عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن المسيرة الاحتجاجية الأخيرة هي محطة نضالية وطنية تضم العديد من الهيئات والقوى النقابية والزخم والشعارات، مما يطمئن شيئا ما للمستقبل، رغم أن ميزان القوى ليس في صالح النقابات ومختل بشكل كبير على مستوى البرلمان، لكن لديهم أمل لكبح جماح الحكومة والباطرونا، التي تسعى إلى تجريم ومنع الإضراب، مما سيجعل تنظيم الإضرابات من سابع المستحيلات، معتبرا أن الحكومة وأغلبيتها خاطئين لأنهم يعتبرون أنه بتمرير هذا القانون التكبيلي للحق في الإضراب سيتم الإجهاز على المكتسبات، لكن المعركة بالنسبة لهم سوف تستمر قبل التصويت النهائي عليه أو بعده.

وأوضح نفس المتحدث: “لدينا الأمل في تحقيق الهدف، إما إسقاط القانون في هذه المرحلة وإما ستستمر المقاومة والتوتر في البلاد، الناتج عن تمرير هذا القانون المجحف لأنه ليس في صالح المغرب على المستوى الاجتماعي وحتى بالنسبة للاستثمارات.. إنهم خاطئون وليست لديهم الرؤية لتكريس تسريح العمال من خلال مدونة الشغل، فالأجدر بالحكومة أن تهتم بما هو اجتماعي، وتعمل على ترجمة شعار الدولة الاجتماعية، حيث سجلنا العديد من القوانين التراجعية والنكوص الذي يتكرس اليوم من خلال قانون الإضراب والتقاعد، فمع الأسف الشديد هذا لا يبشر بالخير على المدى القريب، لكن لدينا الثقة في الشعب والقوى المناضلة لمقاومة كل ما يقع ومواجهته”.

من جانبه، يقول إدريس عدة، نائب الكاتب العام للجامعة المغربية للقطاع الفلاحي: اليوم نحن جزء من الجبهة المغربية التي تضم أكثر من 26 تنظيما سياسيا ونقابيا وحقوقيا وتنسيقيات مهنية، حاضرة للتعبير والعمل على التصدي للقانون الخطير الغير مسبوق في تاريخ المغرب وفي تاريخ قطاع الشغل، وأيضا لنسف خطاب الحكومة التي تقول أن هناك إجماعا على هذا القانون، بينما الإجماع موجود بين الباطرونا والحكومة على مصالحها التي يعبر عنها هذا النص، أما الطبقة العاملة بمختلف مكوناتها، فترفض هذا القانون وتعتبره “عدوانا طبقيا على المكتسبات التي حققتها”.

واعتبر إدريس عدة أن مشروع القانون تكبيلي للحق المطلق في الإضراب الذي هو حق دولي، والحكومة تهرول لكي تمرر هذا المخطط الجهنمي قصد تكبيل الطبقة العاملة ولا تواجه الإجراءات والقوانين القادمة، والتي يمكن إبرازها على مستويات، منها أن الحكومة عازمة على التنصل وشطبه من التزاماتها في الحوار الاجتماعي منذ سنة 2011، وتريد فرض قانون الإضراب لتكبيل المقاومة، مضيفا أن الحكومة لا تحترم المكتسبات التي حققها المغاربة من التقاعد والضمان الاجتماعي و”الكنوبس”، ومدونة الشغل، التي تضم مكتسبات تحققت منذ فترة الاستقلال إلى اليوم، حيث أنه جار العمل على ضرب هذه المكتسبات وإلغائها، وكذلك هذا القانون ينفعها في تسفيه الحوار الاجتماعي، إذ لن تكون النقابات بذلك قوة ضاغطة لجعل الحوار الاجتماعي ذا مردودية وله أثر مادي على كرامة وعيش الطبقة العاملة، وبالتالي، يتحول الحوار الاجتماعي إلى مجرد “فلكلور” ينحط أكثر مما هو منحط، إذن، فهذا القانون يمكن اعتباره مخططا جهنميا لتكبيل الطبقة العاملة واستعبادها وإرجاعنا إلى ما قبل انتزاع الحق في التنظيم النقابي والإضراب في ظل الاستعمار”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى