قانون | موقف المجمع الفقهي الإسلامي الدولي من البصمة الوراثية وأثرها في ثبوت النسب

مجمع الفقه الإسلامي الدولي تأسس في ربيع الأول 1401هـ الموافق لشهر يناير 1981م، وهو جهاز علمي عالمي منبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، يتكون أعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة الفقهية والثقافية والعلمية والاقتصادية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهادا أصيلا فاعلا بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الإسلامي والمنفتحة على تطور الفكر الإسلامي.

من هيئة المحامين بالرباط
ينص النظام الأساسي لمجمع الفقه الإسلامي الدولي على أن كل دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي تعين عضوا عاملا في مجمع الفقه، ويجوز ضم أكثر من عضو عامل من الدولة الواحدة بقرار من مجلس المجمع، كما أن للمجمع أن يضم بقرار إلى عضويته من تنطبق عليهم شروط العضوية من علماء وفقهاء المسلمين والجاليات الإسلامية في الدول غير الإسلامية، ومن المنظمات الإسلامية التي تخدم نفس أهداف المجمع بشرط الالتزام بالعضو الواحد لكل دولة أو جالية أو منظمة، والدول الأعضاء في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، سبعة وخمسون دولة عضوا في منظمة التعاون الإسلامي وهي مرتبة حسب الترتيب الهجائي العربي.
وقد انضمت المملكة المغربية لمجمع الفقه الإسلامي الدولي سنة 1983، ومن أهداف مجمع الفقه الإسلامي الدولي نذكر: تشجيع الاجتهاد الجماعي في قضايا الحياة المعاصرة ومشكلاتها، بهدف تقديم الحلول النابعة من الشريعة الإسلامية، بيان الاختيارات المقبولة من بين الآراء المتعددة في المسألة الواحدة، مراعاة لمصلحة المسلمين أفرادا وجماعات ودولا، بما يتفق مع الأدلة، ويحقق المقاصد الشرعية، ومن الأهداف: الحوار البناء مع أتباع الأديان والثقافات الأخرى بهدف التعاون فيما يحقق خير المجتمع الإنساني، وذلك بالتنسيق مع الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، ومن الإشكاليات التي اهتم بها مجمع الفقه الإسلامي الدولي، مشكلة البصمة الوراثية وأثرها في ثبوت النسب، وفي الدورة السادسة عشر المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 5 إلى 10 يناير 2002، أعاد المجمع النظر في التعريف الذي سبق للمجمع اعتماده في دورته الخامسة عشر، ونص ما جاء في التذكير هو: إن البصمة الوراثية هي البنية الجينية ـ نسبة إلى الجينات ـ أي الموروثات التي تدل على هوية كل إنسان بعينه، وأعادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة لتسهيل مهمة الطب الشرعي، ويمكن أخذها من أي وسيلة ـ بشرية ـ من الدم، أو اللعاب، أو المني، أو البول أو غيره، واطلع المجلس على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها في الدورة الخامسة عشر بإعداده، من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة الوراثية، والاطلاع على البحوث التي تمت في الموضوع من قبل الفقهاء والأطباء والخبراء، والاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله، تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة ـ من الدم أو المني أو اللعاب ـ التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوى بكثير من القيافة العادية، التي هي النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس واردا من حيث هي، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك، ومما يحمد له أن المجلس الأعلى سابقا ـ محكمة النقض حاليا ـ اعتمدت على ما توصل إليه وأقره الإجماع الفقهي في موضوع الاعتماد على الخبرة الطبية في إثبات النسب أو نفيه، كما جاء في القرار الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 9 مارس 2005، ثم بعد ذلك صدر قرار آخر في 4 يناير 2006، ولما كان المشرع واعيا بخطورة هذا الموضوع، وخطورة الخبرة الطبية في مجال إثبات النسب أو نفيه، فقد قيد المشرع اللجوء للخبرة الطبية بشروط وردت في المادة 153 من مدونة الأسرة، وهي كما يلي:
– أولا: إدلاء الزوج بدلائل قوية على ادعائه؛
– ثانيا: صدور أمر قضائي بالخبرة؛
– ثالثا: قطعية الخبرة.
ربما كنا مقصرين في الاطلاع على مشاركة المملكة المغربية في هذا المجمع، وما هي الدراسات التي قدمها العضو المغربي المشارك، والاقتراحات التي عرضها على المجلس في موضوع البصمة الوراثية، أم أنه تعرض على الأخذ بالبصمة الوراثية وطلب تسجيل تعرضه أو تحفظه في محضر الجلسة؟ لأن السؤال هو كون المجلس العلمي الأعلى تعرض ورفض الخبرة وهو يناقش تعديلات مدونة الأسرة، تعرض ولم يوافق على الخبرة الطبية كوسيلة من وسائل ثبوت النسب؟ فكيف وافق وصادق على الخبرة في دورة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وأيد موافقة 47 دولة إسلامية، والآن يرفض الخبرة وخرج عن الإجماع السابق، نحن الآن أمام موقفين، موقف يدعمه 47 مجلسا علميا عالميا ودوليا وإسلاميا، وموقف رافض من مجلس علمي واحد ؟
لا شك أن هناك معايير لترجيح رأي على رأي، ومن وجهة نظرنا، فإن هناك عدة وسائل للترجيح، منها أن المادة 400 من مدونة الأسرة تنص على أن كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف، ومن معايير أيضا الترجيح، العمل برأي الجماعة، فلا تجتمع أمة على ضلالة، وأن يد الله مع الجماعة، وأن العلم والمعرفة والاختراعات التي هي في خدمة البشر، ترشد البشرية إلى ما فيه خير المجتمعات، ومن قواعد التأويل والترجيح، أنه إذا أمكن حمل عبارة وبند على معنيين، كان حمله على المعنى الذي يعطيه بعض الأثر أولى من حمله الذي يجرده من كل أثر، ويقول الفقه المعاصر أن المشرع لم يشر إلى البصمة الوراثية، وإنما أشار من خلال نصوص مدونة الأسرة إلى الخبرة الطبية، وهي من باب الكل الذي يضمن الجزء، وأن كل ما توصل إليه العلم الحديث هو بتوفيق من الله، ويندرج اكتشاف البصمة الوراثية في هذا الإطار، ويقول ابن القيم: “فإن ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهها بأي طريق كان، فثم شرع الله سبحانه وتعالى”، وقال الشاطبي: “القطع يقدم على الظن، فكيف لنا أن لا نأخذ بهذه الحقيقة ونكتم ما أظهره الله من حق، والحق ظهر قطعيا بالعلم والمعرفة والتخصص”، وقال الحافظ السيوطي في “الدار المنتشرة” في الأحاديث المشتهرة/ الصفحة 27: حديث: أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها، ولم يذكر الحديث وسائل وأدوات التجديد، ولم يحصرها في نطاق ضيق، لأن في ذلك تحجير على العقول، وتقييد الإبداع.
وقد قال الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله مثواه، في خطابه التوجيهي الذي ألقاه في فاتح فبراير 1980: ((إن العلماء حولوا الكثير من مؤتمراتهم السنوية تصدر في نهايتها توصيات روتينية، مما أفضى إلى نوع من الفراغ، وأصبح العلماء غائبين عن الميدان اليومي في المغرب)) وأضاف: ((إن الدين قبل كل شيء هو المعاملات، المعاملات الدولية، معاملات الشورى في البرلمان، وحتى معاملات السلطة مع الرعية، وحتى معاملة الرعية مع الأقلية منها)).
نرجو من السادة العلماء، ورثة الأنبياء، ونكن لهم كل التقدير والاحترام، إعادة النظر في دور البصمة الوراثية في ثبوت النسب، وعملا بما جاء في رسالة عمر ابن الخطاب في رسالته لأبي موسى الأشعري: “ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه رأيك، وهديت لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”، ومن الحق أن ينسب الولد لمن ولده بأي وسيلة من وسائل الإثبات التي انعقد الإجماع عليها.



