قانون | إشكالية ثبوت النسب بناء على تحاليل فحص الدم

عبر أعضاء المجلس العلمي الأعلى عن اعتزازهم وامتنانهم للملك محمد السادس، الذي أحال على مجلسهم الموقر الاقتراحات المتعلقة بتعديل مدونة الأسرة، لدراستها وتقديم الرأي في مدى مطابقتها أو عدم مطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية، والأخذ بعين الاعتبار التغييرات التي طرأت على المجتمع المغربي منذ سنة 2004، تاريخ تطبيق مدونة الأسرة، والاجتهاد في معالجة ما أسفر عنه تطبيق المدونة وإيجاد الحلول الناجعة لبعض الحالات المستعصية، لتكون تلك الحلول في صالح أفراد الأسرة من زوج وزوجة وأطفال، بحيث كانت التعليمات الملكية بمثابة خريطة طريق واضحة المعالم، تصل بالتعديل إلى الغاية المنشودة، ومن تلك التعليمات، أن يبقى الحلال حلالا والحرام حراما، وأن النصوص القطعية يمكن شرحها على ضوء قواعد الفقه الإسلامي، وهي قواعد مرنة صالحة بمرونتها للتطبيق في كل زمان وفي كل مكان، وذلك ما هو ثابت ومعروف في المذاهب الفقهية، والخلاف في الرأي فيه رحمة للعالمين ورفع الحرج، ومن المواضيع الصعبة والشائكة في الأحوال الشخصية، موضوع ثبوت النسب، حيث ظهرت آراء متشددة، بل متطرفة، وآراء تتسم بالليونة والمرونة، مع أن حل مشكلة ثبوت النسب تكون حسب كل حالة على حدة، وليس بقواعد صارمة جامدة تطبق على جميع الحالات المتعلقة بثوب النسب أو نفي ذلك النسب ودون اعتبار الفرق في الوقائع أو الأسباب وحالة الضرورة، وغير ذلك مما له صلة تتعلق بالنسب.

من هيئة المحامين بالرباط
إن مراجع فقهاء وأئمة المذاهب الفقهية حافلة بدراسة مشكل النسب، لأنه يمس الأسرة التي تعتبر الخلية الأولى في المجتمع، لذلك اهتموا ببيان وسائل ثبوت النسب ووسائل نفيه، ومالوا إلى ترجيح كفة إثبات النسب على كفة نفي النسب، وفعلا إذا رجعنا إلى صدر الإسلام، وأيام الرسول عليه الصلاة والسلام، نجد أن محمدا صلى الله عليه وسلم فصل في موضوع ثبوت النسب بالشبه فقط وبالعين المجردة، في قضية سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، فقد روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن ابن شهاب الزهري عن عروة، أن السيدة عائشة أم المؤمنين قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة من أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه.. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى شبها بعتبة، فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، فلم ير سودة قط، وكانت هذه الواقعة تشكل القاعدة الأولى التي تقرر بصفة عامة ثبوت الولد لصاحب الفراش، وهناك من لم يفهم اصطلاح أو كلمة الفراش، فلا يقصد به الفراش الذي ننام عليه، بل تفسير الفراش عند الفقهاء هو تعين المرأة للولادة لشخص واحد، أو كون المرأة معدة للولادة من رجل معين، وقد وردت كلمة الفراش في القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: ((وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين))، وذلك التعريف هو الذي مال إليه أغلب الفقهاء.
إن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، والسنة النبوية الشريفة هي كل قول أو فعل أو تقرير، ووجب علينا اتباع السنة لقول الله تعالى ((وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول))، ولذلك يمكن إثبات النسب بالشبه وبالمضاهاة والمقارنة، واهتم الفقهاء بطرق ثبوت النسب، وهي “الفراش” و”الإقرار” و”البينة”، وأضافوا “القيافة” بناء على قضية سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، ولم يكن العالم يتوفر على مختبرات، لا سيما في علم الطب والتشريح، ولم يصل العلم إلى ما وصل إليه الآن، ولكل زمان رجاله وعلمه وخبرته واختراعاته، وبالتالي، فإن مدونة الأسرة وافق البرلمان بالإجماع على فصولها ومنها المادة 158، المتعلقة بالخبرة كوسيلة لثبوت النسب، والبرلمان يمثل الأمة المغربية بأسرها، والقضاء طبق تلك المادة، حيث طبقت محاكم الموضوع تلك المادة وكرست تطبيقها محكمة النقض، وتنص المادة 158 على ما يلي: ((يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب، أو بشهادة عدلين، أو ببينة السماع، وبكل الوسائل الأخرى بما في ذلك الخبرة القضائية))، ومن تم وسع المشرع المغربي دائرة وسائل ثبوت النسب رحمة بالطفل، ليعيش وسط أسرة ترعاه وتسهر على تربيته وتعليمه، وتعده لتحمل المسؤولية في وطنه، وحتى لا يكون ضحية نزوة طائشة، فنكران النسب قد يشكل ضررا بالطفل والضرر يزال، طبقا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، والدين يسير، وفي الحديث الشريف ((يسروا ولا تعسروا)).. وهذه المادة طبقت على مدار عشرين سنة ولم يحرك أحد ساكنا، وأصبحت واقعا والواقع لا يرتفع، ويكفي أن نذكر – على سبيل المثال – قرارا صدر عن محكمة النقض، وأيد الحكم بثبوت النسب بناء على خبرة قضائية، لأن ذلك يساير التطور العلمي في مجال الطب الشرعي، حيث جاء في ذلك القرار ما يلي: “القرار عدد 443 الصادر بتاريخ 28 شتنبر 2021 في الملف الشرعي عدد 77/2/1/2018، جاء في قاعدته: دعوى ثبوت النسب ـ خبرة ـ حجيتها”. وبمقتضى الفصل 89 من مدونة الأحوال الشخصية السارية النفاذ زمن وقائع النازلة، والمادة 158 من مدونة الأسرة المطبقة بعدها، يثبت النسب ببينة السماع، ولما كان مدار النقطة القانونية التي يتعين التقيد بها حسب تعليل محكمة النقض أعلاه، هو تأكيد المحكمة من انتساب للمطلوبين في النقض إلى الطالب من خلال موجب ثبوت النسب، والذي يعتبر من أسباب ثبوته، مع الاستعانة بخبرة طبيبة، إن اقتضى الحال، والتي أصبحت وسيلة علمية كذلك من وسائل إثباته في ظل مدونة الأسرة، فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه، لما أجرت بحثا مع الشهود ثم خبرة بواسطة المختبر الوطني للشرطة العلمية، والتي أكدت العلاقة الأبوية بين الطالب والمطلوبين في النقض، وخلصت من كل ذلك إلى ثبوت النسب بين الطرفين بوسيلة مستقلة ـ وهي بينة السماع ـ عن ثبوت الزوجية مؤيدة ذلك الحكم الابتدائي، فإنها من جهة لم تخرق المحتج به وطبقت المقتضيات القانونية أعلاه، وتقيدت من جهة ثانية بالنقطة القانونية التي بتت فيها محكمة النقض وهي “رفض الطلب”، نستنتج من قرار محكمة النقض ما يلي: إن النزاع كان يتعلق بقضية ثبوت النسب، وأن القضاء في درجته العليا وما يتوفر عليه من قضاة محنكين، وخبرة واسعة النطاق، والرجوع إلى أمهات المراجع الفقهية قبل الحكم بقبول الطلب أو رفضه، تكون قراراته مبنية على أسس شرعية وفقهية، ونذكر أن المحاكم بغرفها الجنحية والجنائية تستعين بالخبرة للبت في المحررات والوثائق المهمة عند الطعن فيها بالزور، وذلك تطبيقا للفصل 55 وما بعده من قانون المسطرة المدنية، حيث خصص المشرع للخبرة الفصول من 59 إلى 66، وتجري الخبرة أحيانا بواسطة مختبر الشرطة العلمي، دون أداء يمين، لأن اليمين تتعلق بالخبراء الطبيعيين وليس بالأشخاص المعنويين أو الاعتباريين.
إن ثبوت النسب لمن تسبب في ولادة ولد، وما سيتحمله من تكاليف وأعباء مدة لا تقل عن عشرين سنة، ربما يكون ذلك سببا في الحد أو التقليل من ارتكاب جريمة الزنا، ورب نقمة فيها نعمة لذلك الولد، ويبقى الموضوع أيضا خاضعا للتربية والتعليم في المدرسة، وللظروف التي يعاني منها المجتمع الذي يعيش في وسطه، لذلك نرى – من وجهة نظرنا – أن ثبوت الخبرة بواسطة الخبرة القضائية يجب ألا يقع الاستغناء عنه، بناء على عدة قواعد، منها كما قلنا، مراعاة اليسر، ورفع الضرر، وتطبيق قواعد المصالح المسترسلة، ومقاصد الشريعة، ورعاية المصلحة العليا للمجتمع، والاقتداء بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية سعد بن أبي وقاص وعبد زمعة، وما ذكر أعلاه، وإذا كانت القاعدة الأولى في ثبوت النسب هي قوله صلى الله عليه وسلم : ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))، فإن تلك القاعدة العامة ورد عليها استثناء، ذكره العلماء بعد شرحهم لتلك القاعدة العامة، وجاء في الشرح أن “الزنا الذي لا يثبت نسبا هو الفعل الخالي من أي شبهة مسقطة للحد، فإذا كانت ثمة شبهة تمحو وسف الجريمة أو تسقط الحد فقط، فإن النسب يثبت حسب الرأي الراجح” (هذا ما جاء في كتاب الإمام محمد أبو زهرة وعنوانه “الأحوال الشخصية” الصفحة 454/ مكتبة دار الأمان بالرباط)، والشبهة المقصودة في التعريف هي التي تدرأ الحد ويلحق الولد بسببها، وهي وجود المبيح صورة مع عدم حكمه وحقيقته كما جاء في تعريف الشبهة عند بعض أهل العلم كما في الموسوعة الفقهية، ويمثلون للشبهة بعقود النكاح الفاسد والمختلف فيها، وهناك من عرف الشبهات بأنها الأمور التي يكتنفها الغموض وتحتمل أكثر من وجه، ووفقا للحديث النبوي، فإن تجنب الشبهات يقي المسلم من الوقوع في المعصية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات))، وفي القانون الجنائي، الشك يفسر لصالح المتهم، ولو اهتم العلماء بكشف الشبهات، والكشف هنا هو الإبانة والإزالة، والشبهة في اللغة هي: الالتباس والاختلاط، وفي الاصطلاح التباس الحق بالباطل واختلاطه حتى لا يتبين، كما عرفت الشبهة بأنها “وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق”، كما أن الدكتور محمد الكشبور في كتابه “شرح مدونة الأسرة” الجزء الثاني: “انحلال ميثاق الزوجية”، وابتداء من الصفحة 236، فإن، موضوع النسب يثبت استثناء بالاتصال بشبهة، وفي الهامش أن الشبهة حسب بعض الفقه ما يشبه الثابت وليس بثابت في نفس الأمر، وذكر عدة أنواع من الشبهات، كما تطرق لأثر النتائج العلمية لفحص الدم على إثبات النسب أو نفيه (الصفحة 306 وما بعدها)، وإن الدليل العملي لمدونة الأسرة وهو كتاب صدر عن وزارة العدل، لم يشرح مقتضيات المادة 158 من مدونة الأسرة، ولكنه أشار في المادة السابقة 157 إلى كلمة الشبهة، وقال في شرح تلك المادة: “النتائج التي تترتب عن نسب غير منازع فيه ثابت بين زوجين من فراش شرعي، هي نفسها التي تسري على الحالات التي أوردتها المادة 157 فيما يتعلق بالولد الناتج عن الزواج الفاسد أو بالشبهة أو بالاستلحاق”، وهي بالأساس ما يرتبط بنتائج الزوجية من موانع الزواج واستحقاق النفقة ورعاية الأسرة واستحقاق الإرث، ونؤكد أننا ممن يفضلون البقاء على الخبرة كوسيلة من وسائل ثبوت النسب على الاستغناء عن هذه الوسيلة العلمية التي ثبت أن نتائجها قطعية لا تحتمل الغلط أو الخطأ في نتيجة الخبرة، وإذا كان المجلس العلمي الأعلى قد وافق على بعض الاقتراحات، فلنا وجهة نظر في بعض تلك الاقتراحات، سنعبر عنها إن شاء الله، ما دام صاحب الملك أعطى تعليماته لرئيس الحكومة لفتح باب النقاش، والتعريف بتلك المقترحات وطرحها للمناقشة، والاستماع للرأي الآخر.



