تحقيقات أسبوعية

متابعات | هل تتسبب المبادرة الأطلسية في اعتراف موريتانيا بمغربية الصحراء ؟

عاشت العلاقات المغربية الموريتانية سنوات طويلة من المد والجزر بحكم عوامل خارجية وأخرى داخلية في كلا البلدين، وتبقى قضية الصحراء هي مفتاح العلاقات منذ استقلال البلدين عن الاستعمار الفرنسي، خاصة في موريتانيا التي تعاقب عليها رؤساء اختلفت رؤاهم ومواقفهم من القضايا الإقليمية بحكم علاقة الجوار والحدود المشتركة مع المغرب والجزائر، وهو ما حمل موريتانيا على تبني موقف الحياد بخصوص مغربية الصحراء للحفاظ على مصالحها الخارجية، غير أن رياح التغيير تلوح في الأفق بعد تحركات الرئيس ولد الغزواني مؤخرا، وزيارته إلى كل من المغرب والإمارات العربية المتحدة..

بقلم: جميلة حلبي

    حظيت زيارة الرئيس الموريتاني ولد الغزواني إلى المغرب واستقباله من طرف الملك محمد السادس، باهتمام السياسيين والمحللين الاقتصاديين، والتي تم خلالها الاتفاق على انضمام موريتانيا إلى المبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، كما جاء في بلاغ للديوان الملكي من أن ((الملك محمد السادس والرئيس ولد الغزواني أكدا حرصهما على تطوير مشاريع استراتيجية للربط بين البلدين الجارين، وكذا تنسيق مساهمتهما في إطار المبادرات الملكية بإفريقيا، خاصة أنبوب الغاز الإفريقي، ومبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي…))، وبعد ذلك جاءت زيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بالتزامن مع زيارة الملك إلى أبو ظبي ولقائه مع الرئيس محمد بن زايد آل نهيان، كما حظيت هذه الزيارة بتغطية إعلامية مهمة، وطنيا وعربيا، تطرقت إلى هذا المنعطف الجديد في العلاقات بين الرباط ونواكشوط، خاصة في ظل الحياد الذي تلتزم به الجارة الجنوبية في ملف الصحراء، وربما تكون العلاقات التجارية والمشاريع الاستراتيجية بين البلدين مفتاحا لخروج موريتانيا من دائرة الحياد، خصوصا وأن التكامل الاقتصادي يشكل عاملا أساسيا في تعزيز العلاقات بين الدول، لا سيما وأن المغرب نجح في السنوات الأخيرة في تحقيق تقدم كبير بمجالات الطاقات المتجددة والبنى التحتية والزراعة، وغيرها من الأسس التي تعتبر رافعة للاقتصاد، وبالتالي، يمكن للمغرب أن يكون شريكا استراتيجيا لموريتانيا في دعم خططها التنموية، وها هي اليوم تتجه نحو تعزيز شراكتها الاقتصادية مع المغرب، وبدعم من دولة الإمارات، من خلال مبادرة الأطلسي والمشروع الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام المواكبة لزيارة الملك محمد السادس والرئيس ولد الغزواني إلى الإمارات.

وحسب محللين سياسيين، فإن تزامن زيارة ولد الغزواني مع زيارة الملك محمد السادس إلى الإمارات تؤشر على تحولات كبرى مستقبلا في علاقات البلدين، رغم العراقيل التي تضعها الجزائر أمام نواكشوط، آخرها توغل جيش الحدود الجزائري في الأراضي الموريتانية في مناسبتين، في محاولة لزعزعة التحركات الموريتانية الإيجابية على الصعيد القاري في الآونة الأخيرة، خاصة بعد تولي ولد الغزواني رئاسة الاتحاد الإفريقي (لمدة سنة: 2024)، حيث أصبحت السياسة الموريتانية تتمتع بنوع من الانفتاح، وتضمن لمصلحة البلاد مزيدا من الفرص، ومن ذلك أن موريتانيا والسنغال أعلنتا مؤخرا أنهما بدأتا في إنتاج الغاز الطبيعي المسال من حقل “غراند تورتو أحميم” المشترك بين البلدين، من خلال سفينتها العائمة للإنتاج والتخزين والتفريغ، وهو المشروع الذي عرف عدة عراقيل قبل أن يتم التوصل مؤخرا لاتفاق استئناف تشغيله بعد وساطة المغرب بين الطرفين.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن جهة أخرى، فموريتانيا ستستفيد أيضا من الخطين التجاريين البحريين اللذين أطلقهما المغرب قبل متم سنة 2024، ويربطان بين مينائي أكادير والعاصمة السنغالية داكار، من أجل تعزيز العلاقات التجارية بين المغرب ودول غرب إفريقيا، إذ من المنتظر أن يساهم هذا المشروع في خفض تكاليف النقل وتحسين نقل البضائع والشاحنات بين الجانبين، وسيفتح آفاقا واعدة للتعاون الاقتصادي وفرص الاستثمار بين المغرب ودول المنطقة ومن بينها موريتانيا، كما تحدثت تقارير أن المغرب يعتزم مستقبلا فتح خطوط أخرى، من ضمنها خط أكادير الكوت ديفوار.

تتمة المقال تحت الإعلان

ففي إطار سياسة جنوب-جنوب التي ينتهجها المغرب منذ عقود، تبقى مبادرة الأطلسي فرصة كبيرة لتقوية العلاقات بين المغرب وموريتانيا إن تخلت على محاباتها للجزائر، خاصة وأن هذا المشروع يروم تثبيت دعائم الاستقرار بالمنطقة ومساعدة دول الساحل على الولوج إلى المحيط الأطلسي، علما أن هذه المبادرة تندرج ضمن استراتيجية المغرب لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر خط أنابيب آمن يمر عبر 11 دولة من بينها موريتانيا.

ومن الناحية السياسية، فقد طبعت العلاقات المغربية الموريتانية عبر التاريخ حالة من الشد والجذب مباشرة بعد استقلال البلدين عن الاستعمار الفرنسي (المغرب سنة 1956، وموريتانيا في العام 1960)، وفي مرحلة بناء أسس الدولة زرعت جبهة البوليساريو من طرف الجزائر وداعميها، وبقدر ما تضرر المغرب من الحرب التي دخلها الكيان الانفصالي مع المغرب بقدر تضرر موريتانيا، بحكم علاقات القرابة بين مواطنيها والمحتجزين في مخيمات تندوف والرابوني، وهو الصراع الذي استمر رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شهر شتنبر 1979، ومن جهة أخرى، عاشت موريتانيا عدم استقرار سياسي سنوات طويلة بفعل تعاقب عدة رؤساء عن طريق انقلابات على الحكم، وتبقى الفترة التي عرفت نوعا من الدفء بين البلدين هي فترة الثمانينيات وبداية التسعينات، بعد وصول معاوية ولد أحمد الطايع إلى سدة الحكم، وتبنيه لموقف محايد من قضية الصحراء، وتعززت العلاقات الثنائية نتيجة الانفتاح الاقتصادي بين البلدين، وأيضا من خلال العمل على تأسيس اتحاد المغرب العربي، الذي تم بالفعل بعقد قمة مراكش والإعلان عنه رسميا سنة 1989، وبعد دخول الأمم المتحدة على خط نزاع الصحراء سنة 1991، بعد توقيع المغرب وجبهة البوليساريو على “اتفاق وقف إطلاق النار”، أعلنت موريتانيا عن تبنيها ما أسمته بـ”الحياد الإيجابي الداعم لجهود المنظمة الأممية في تحقيق السلام في المنطقة”، وهكذا بقيت موريتانيا ممسكة بالعصى من الوسط في قضية الصحراء، حيث تشارك في تسهيل عمل بعثة “المينورسو” في الصحراء، وتستقبل موفدي الأمم المتحدة ومبعوثيها المكلفين بالملف، كما شاركت في الموائد المستديرة التي نظمتها الأمم المتحدة كطرف ملاحظ في مختلف جلسات المفاوضات الخاصة بقضية الصحراء، وفي نفس الوقت تتعامل مع البوليساريو ومع الجزائر حسب المصلحة..

وقد استمرت تحرشات ميليشيات البوليساريو بالمغرب وبموريتانيا إلى غاية سنة 2020، التي كانت فترة مفصلية وحاسمة في ما وصل إليه المغرب اليوم من تقدم على جميع المستويات، وذلك من خلال تحرير معبر “الكركرات” من سيطرة جمهورية الوهم، واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، لتتوالى بعد ذلك اعترافات دول لها وزنها على الساحة الدولية، من ضمنها إسبانيا وفرنسا، وفي الحقيقة، فما حققه المغرب على هذا الصعيد، كان قد انطلق منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، والذي كان قد تخلى عن مقعده منذ سنة 1984 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، على إثر اعتراف منظمة الوحدة الإفريقية بالبوليساريو كـ”جمهورية” وإعطائها مقعدا داخل المنتظم الإفريقي، وقد قام المغرب بقيادة الملك محمد السادس منذ توليه الحكم، بجهود دبلوماسية وسياسية من أجل تكريس وضعه الجديد في الاتحاد الإفريقي، وهو ما استطاع من خلاله نسج علاقات دبلوماسية ناجحة مع العديد من دول القارة، بالإضافة إلى ضخ استثمارات والدخول في شراكات اقتصادية، خاصة في صناعات الأسمدة، وقطاع الاتصالات، والأبناك، وغير ذلك، كما عمل المغرب على الانخراط في تقديم مساعدات ومنح مالية للعديد من الدول، وسن قوانين تنظم الإقامة واللجوء، مما سهل احتضان المغرب لجاليات العديد من البلدان، غير أن العقبة التي بقيت أمام المغرب كانت مع الجارة الجنوبية، باعتبارها بوابته نحو غرب القارة بالخصوص، عبر معبر “الكركرات”، الذي يربطه ببقية دول القارة، قبل تحريره، وبالتالي، فإن الاستراتيجية التي عمل المغرب على تبنيها لا تخدم المغرب وحده، وإنما حتى دول الجوار، خصوصا موريتانيا، التي تنبهت أخيرا إلى أهمية المشاريع الكبرى التي تساهم في تنمية القارة بأكملها وليس البلد لوحده، وفي ظل استمرار الجزائر في تكرار نفس الأسطوانة المشروخة، المتعلقة بتكريس وجود ميليشياتها المسلحة في المنطقة، التي أسمتها دولة ضدا على القانون الدولي، واستمرارها في عرقلة الجهود المبذولة من طرف الملك محمد السادس من أجل إخراج إفريقيا من التبعية السياسية والاقتصادية، ومساعدة الدول الراغبة في تطوير اقتصاداتها على الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء مدينة الداخلة.. هكذا فطنت موريتانيا إلى أهمية ترك الحزازات السياسية جانبا والانخراط في تنمية البلاد اقتصاديا عبر مشاريع عملاقة تدوم لعقود، وربما قرون، تماشيا مع النظام العالمي الجديد، الذي يرسي منذ مدة خرائطه بناء على اتفاقيات تجارية واقتصادية.

وبالتالي، فإن التقارب الموريتاني المغربي الحاصل مؤخرا، يشي بتحولات استراتيجية كبيرة إقليميا، وهو ما يحيلنا على التساؤل المنطقي: هل تخرج نواكشوط بموقف تاريخي من هذا الخضم وتدعم مغربية الصحراء، وتنهي بذلك عقودا من الجمود في علاقة البلدين التي ظلت بين المد والجزر وتخضع للضغط الجزائري ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى