تحقيقات أسبوعية

للنقاش | هل تقف الدوافع السياسية وراء أطول محاكمة في تاريخ المغرب ؟

لغز مقتل الطالب بنعيسى أيت الجيد

كان يوم 25 فبراير 1993 فارقا في تاريخ الصراع السياسي بين الفصائل الطلابية في الجامعات المغربية، وبالأخص بين فصيل الطلبة القاعديين (اليسار) والفصيل الإسلامي (التابع للحركات الإسلامية آنذاك قبل أن يتطور عملها وتصبح حزبا..)، وكان الصراع محتدما حول رئاسة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في كل الجامعات وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس واحدة منها، بالنظر إلى التناقض الجذري بين الطرفين فكريا وسياسيا وإيديولوجيا، وهو ما نتج عنه في ذلك التاريخ مواجهات عنيفة، إحداها كانت جريمة مقتل الطالب القاعدي بنعيسى أيت الجيد من طرف طلبة إسلاميين من بينهم الطالب عبد العالي حامي الدين، القيادي القوي حاليا في حزب العدالة والتنمية، وهي القضية التي سبق أن بت فيها القضاء وتمت إعادة فتحها من جديد في سياق آخر(…)، ما فتح الأبواب لتبادل الاتهامات بين من اعتبرها قضية سياسية، حتى أن بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية قال: “لن نسلمكم أخانا حامي الدين”، وبين جناح آخر يقول أن القضية لم تغلق بعد(…).

بقلم: جميلة حلبي

    يوم 25 نونبر 2024 شهدت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بفاس، إحدى جلسات محاكمة القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين، في قضية مقتل الطالب القاعدي محمد بنعيسى أيت الجيد، بعدما تمت إعادة تكييف الجريمة وتم الحكم على حامي الدين بثلاث سنوات، ما جعله يستأنف الحكم، وقد أرجأت المحكمة الجلسة إلى يوم 27 يناير 2025.. بطلب من دفاع المتهم ولاستدعاء المطالبين بالحق المدني ودفاعه.

وتعتبر قضية أيت الجيد قضية كسر العظام بين اليساريين والإسلاميين، في انتظار الحسم فيها بشكل نهائي، ولم يستسلم إخوان حامي الدين في الدفاع عنه بكل ما أوتوا من قوة، خاصة بعد أن تمت إعادة القضية أمام القضاء سنة 2018، وكان عبد الإله بن كيران، الأمين العام وقتها لحزب العدالة والتنمية، قد قال في المؤتمر الوطني لشبيبة “البيجيدي” (3 فبراير 2018): “لن نسلم لكم أخانا حامي الدين”، ووصف القضية بأنها “قضية سياسية قالت فيها العدالة كلمتها، وهناك جهات ما حاولت تحريكها”، وظلت فعاليات “البيجيدي” إلى اليوم تدافع بشدة عن حامي الدين، عضو الأمانة العامة للحزب، الذي تقلد عدة مناصب في حزبه كبرلماني شغل منصب المقرر العام للجنة الحوار الوطني حول المجتمع المدني (مارس 2013- ماي 2014)، وعضو لجنة مراجعة قوانين الصحافة (2012)، كما سبق له أن ترأس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان..

تتمة المقال تحت الإعلان

“المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه” هو التكييف القضائي من أجل متابعة عبد العالي حامي الدين في القضية التي انطلقت فصولها منذ سنة 1993، بعد مقتل الطالب أيت الجيد، وتم إصدار حكم فيها قبل أن تتم إعادة فتح القضية من جديد، ولا زالت مستمرة إلى اليوم.. في ظل تشبث المتهم الرئيسي في القضية ببراءته وتشبث بعض أفراد عائلة الضحية بتحقيق العدالة من أجل إنصاف روح ابنهم، وأيضا تشبث الشاهد الوحيد في القضية بشهادته، الخمار الحديوي، والتي يقول فيها: ((بتاريخ 25 فبراير 1993، وكان متزامنا مع شهر رمضان، كنت بمعية الضحية بنعيسى أيت الجيد في اجتماع مع عميد كلية العلوم بظهر المهراز، وبمجرد انتهائنا من الاجتماع قررنا مغادرة الكلية في اتجاه حي ليراك بفاس، وعند مغادرتنا للكلية توجهنا نحو محطة الطوبيس فلم نجد أي حافلة، لنقرر التوجه بعدها نحو محطة الطاكسيات الصغيرة بالقرب من الحي الجامعي للإناث، حيث استقلينا سيارة أجرة في اتجاه حي ليراك، وفي الطريق، وعند وصولنا إلى مصنع للمشروبات الغازية بالحي الصناعي سيدي إبراهيم، اعترضت طريقنا مجموعة مكونة من 25 طالبا كانوا يحملون سلاسل حديدية وعصي وأسلحة بيضاء، وأرغموا السائق على التوقف وعمدوا على إخراجنا من داخل سيارة الأجرة، وعند نزولي رفقة الضحية أيت الجيد، انقسمت المجموعة التي اعترضت طريقنا إلى مجموعتين، الأولى تكلفت بضربي والاعتداء علي، فيما تكلفت المجموعة الثانية بضرب بنعيسى أيت الجيد، حيث عمدوا إلى إسقاطه على الأرض وانهالوا عليه بالضرب أمام عيني وهو يقول لي “مشيت فيها أخويا الخمار”، وكان ذلك كافيا ليضع حدا لحياته بالمستشفى يوم فاتح مارس 1993))، ويقول الخمار: ((لم أكن أعرف المتهم في تلك الفترة، تعرفت عليه أثناء فترة اعتقالنا داخل السجن المحلي عين قادوس بفاس، فأخبرت إدارة السجن بهوية قاتل بنعيسى أيت الجيد)).

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد سبق للقضاء أن أصدر حكمه في النازلة سنة 1994، وتمت إدانة حامي الدين بسنتين حبسا نافذا، قضاها كلها في السجن، قبل أن تقرر هيئة “الإنصاف والمصالحة” في مقرر تحكيمي سنة 2005، بتعويض حامي الدين واعتبرته “ضحية اعتقال تعسفي”، وتمت إعادة فتح القضية من جديد سنة 2017، بعدما ظل حامي الدين متشبثا ببراءته بالقول “أنا بريء من دم أيت الجيد براءة الذئب من دم يوسف”..

بن كيران رفقة حامي الدين

وقد عرفت القضية في بدايتها تناقضات كثيرة وتداخل فيها القضائي بالسياسي والحقوقي، وهو ما يفسر إصدار الحكم في البداية وإعادة تكييف المتابعة فيما بعد.. ففي الجانب الحقوقي، تدخلت هيئة “الإنصاف والمصالحة” عندما لجأ إليها عبد العالي حامي الدين سنة 2005، مطالبا بإنصافه، لاقتناعه بأنه بريء وأن اعتقاله في هذه القضية كان تعسفيا وأنه وقع ضحية اعتقال خارج القانون، حيث أدلى للهيئة بالشواهد التي قدمها أمام المحكمة سنة 1993، بما فيها شهادة الأستاذ الجامعي محمد العويني، الذي نقل حامي الدين مصابا إلى المستشفى، فتوصلت إلى قناعة مفادها أن “اعتقال حامي الدين كان اعتقالا تعسفيا”، ومن هنا انطلق حامي الدين لتبرئة نفسه من هذه الجريمة، حيث قرر قاضي التحقيق بمحكمة فاس إعادة فتح القضية، واتخذت الهيئة القضائية قرارين أثارا جدلا كبيرا في تلك الفترة وإلى الآن، حول استقلالية القضاء عن التأثير السياسي، علما أن قرار قاضي التحقيق وقتها جاء بعد قرارين: الأول للوكيل العام للملك سنة 2012، والثاني لقاضي التحقيق سنة 2013، قضيا معا بحفظ الملف بمبرر أنه “سبق البت فيه بقرار قضائي نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به سنة 1994″، في تضارب للمعطيات القانونية حول الملف انطلاقا من روايات الشهود والمتهمين، والتي عرفت بدورها نوعا من التضارب، فحسب رواية الخمار الحديوي، الذي سبق له أن قضى عقوبة حبسية في نفس الملف بسنتين سجنا نافذا، وهو الشاهد الوحيد في القضية، فإن ((مقتل أيت الجيد وقع يوم 25 فبراير 1993، وحصل ذلك حين كانا متوجهين معا في سيارة أجرة من وسط ساحة جامعة فاس ظهر المهراز إلى حي القدس-ليراك…))، لكن وسط هذه الرواية هناك تفاصيل تحضر وأخرى تختفي من محضر قضائي لآخر، وعلى سبيل المثال، يقول الخمار في محضر ضابط الشرطة القضائية بفاس، المؤرخ في 22 فبراير 2012: ((لا أستطيع أن أؤكد لكم هل كان عبد العالي حامي الدين حاضرا أم لا وقت الاعتداء الذي تعرضنا له أنا وأيت الجيد، لسبب واحد، هو أن المجموعة كانت تتكون من 25 إلى 30 فردا، وكما ذكرت، فقد التقيت به أول مرة في السجن…))، وهي شهادة تؤكد أنه لم يتعرف على حامي الدين شخصيا إلا في السجن، حيث قضيا المدة التي حكم عليهما بها في القضية، لكن الخمار سيعود إلى النقطة نفسها في محضر الاستماع إليه من لدن قاضي التحقيق بفاس يوم 19 أبريل 2018، ليقول أن ((حامي الدين هو من وضع رجله على عنق بنعيسى وهو ساقط أرضا، وسمع بنعيسى يصرح بعبارة: “أخويا الخمار أنا مشيت فيها”..))، وهو ما يطرح التساؤل: ما الذي جعل الشاهد الوحيد في القضية يتناقض في أقواله؟ وبالمقابل، جاءت أقوال حامي الدين في المحكمة كالتالي: ((كنت بدوري ضحية اعتداء تعرضت له في باب كلية الحقوق في شهر فبراير 1993، ونقلت على إثره إلى المستشفى من طرف أستاذ جامعي اسمه محمد العويني، وهو أستاذ بكلية العلوم، هذا الأستاذ هو الذي أنقذني من الموت، وكان يمكن أن أكون في مكان المرحوم بنعيسى أيت الجيد، وقد أجريت لي عملية جراحية مستعجلة على الرأس، وبعد ذلك سأتعرف لأول مرة على المرحوم بنعيسى في المستشفى.. أقسم لكم بالله أنني لا أعرفه، ولم يسبق لي أن التقيته إطلاقا حتى رأيته في المستشفى حينما أوتي به وهو مصاب أيضا)).. وهكذا لم تستطع المحكمة أن تثبت، عندما عرض عليها حامي الدين وآخرين في حالة اعتقال سنة 1993، علاقة حامي الدين بمقتل أيت الجيد، علما أن قاضي التحقيق حينها، أي سنة 1993، طلب متابعة حامي الدين بـ”جناية الضرب والجرح المفضيين إلى الموت دون نية إحداثه”، لكن المحكمة، وانطلاقا من شهادات الشهود ودلائل الإثبات التي توفرت لديها، قررت إعادة تكييف التهمة من جناية إلى جنحة، وقضت في حق حامي الدين والخمار الحديوي وشخص ثالث، بسنتين حبسا نافذا، في حين رفضت محكمة النقض كل الطعون التي تقدم بها دفاع حامي الدين وغيره في القضية نفسها..

لقد أسالت قضية مقتل الطالب القاعدي بنعيسى أيت الجيد الكثير من المداد على طول السنوات الحادية والثلاثين التي مرت على الحادثة، في أطول محاكمة من نوعها عرفها المغرب، وأثارت الكثير من الجدل بين مختلف المكونات السياسية والحقوقية في المغرب، وتبادل الاتهامات بين حزب العدالة والتنمية، الذي ينتمي إليه حامي الدين، ومكونات سياسية أخرى، وعلى الطرف الآخر، يبدو أن جذوة القضية خبت بعض الشيء إلا من طرف أسرة أيت الجيد، التي لا زالت تطالب بحكم منصف لتعويضهم عن فقدان ابنهم إيمانا منهم بأن ابنهم قتل عن عمد وليس عن سوء نية(…).

وما يؤكد تداخل السياسي مع القضائي والحقوقي في القضية، أنه في كل مرة يعاد فتح هذا الملف من جديد، يوجه حزب العدالة والتنمية أصابع الاتهام إلى حزب الأصالة والمعاصرة بالخصوص، حيث سبق له أن صرح بأن ((هناك عصابة في “البام” هي من تحرك الملف، ويجب على الخلافات السياسية أن تكون في إطار المؤسسات…))، وأضاف أن ((العديد من المصادر أكدت له أن البيان المنسوب لعائلة بنعيسى أيت الجيد، خرج من مقر حزب الأصالة والمعاصرة في الرباط))، وهو ما سبق لمحاميه أن أكده بأن ((الشخص الذي يحرك هذا الموضوع في كل مرة هو عضو في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة..))، فإلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه التصريحات على القضاء وعلى سير المحاكمة ؟

وبعد ذلك استمرت القضية بين الجلسات والتأجيل.. إلى يوم 24 ماي 2022،

حيث شهدت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس، جلسة محاكمة حامي الدين بتهمة “المشاركة في القتل العمد” في حق الطالب اليساري محمد بنعيسى أيت الجيد، وتم تأجيل الجلسة إلى 20 شتنبر من نفس السنة من أجل منح مهلة لإعداد المرافعات، وقررت المحكمة منح الشاهد الخمار الحديوي تعويضا ماديا قدره 300 درهم عن كل جلسة حضرها منذ بداية أطوار هذه القضية إلى نهايتها، وعرفت أطوار هذه الجلسة إعادة استنطاق المتهم عبد العالي حامي الدين، الذي أنكر التهم الموجهة إليه، كما تم الاستماع لشهادة الشاهد الخمار الحديوي، الذي كشف عن تفاصيل أظهرت ضلوع المتهم في مقتل الطالب اليساري بنعيسى أيت الجيد، وقبل ذلك كانت محكمة الاستئناف بفاس قد أدانت، بتاريخ 16 شتنبر 2019، أربعة “إسلاميين” بالسجن النافذ، على خلفية متابعتهم في ملف منفصل على ذمة نفس القضية، حيث قضت بالسجن النافذ لمدة ثلاث سنوات في حق كل من “ع. ك” و”ت. ك” من أجل جناية الضرب والجرح المفضي للموت، فيما قضت بالسجن النافذ لمدة ثلاثة أشهر في حق المتهمين الاثنين المتبقين وهما “ع. ق” و”ع. ع” من أجل الضرب والجرح.

وفي يوم 11 يوليوز 2023، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس، حكمها على حامي الدين بـ 3 سنوات سجنا نافذا، وبأدائه لكل واحد من المطالبين بالحق المدني مبلغ 20 ألف درهم، بتهمة “المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه”، بعدما أعادت تكييف التهمة المنسوبة إليه في هذه القضية، التي لا زالت أطوار استئنافها جارية أمام القضاء، حيث عقدت يوم 24 يونيو 2024 أولى جلسات محاكمة عبد العالي حامي الدين أمام غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس، وتم أيضا تأخير الجلسة إلى يوم 25 نونبر 2024، بطلب من دفاع حامي الدين، ودفاع الطرف المدني، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي الجلسة التي تم تأجيلها أيضا إلى يوم 27 يناير 2025..

من قتل محمد بنعيسى أيت الجيد؟ السؤال الذي استعصت الإجابة عنه لمدة 31 سنة، والذي طرح قضية كبرى تتجسد في الصدام القوي بين “السياسة” والقضاء، ولا زال حزب العدالة والتنمية متشبثا ببراءة عبد العالي حامي الدين، ولا زالت عائلة أيت الجيد متشبثة بحق ابنها وإلى جانبها الجمعيات الحقوقية.. في انتظار ما ستؤول إليه القضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى