تحقيقات أسبوعية

نافذة على الصين | الصين.. بين القطة السوداء والقطة البيضاء وثقافة “الين يانغ” وكونفوشيوس

الحلقة الأخيرة

لا يمكن الحديث عن القوى العظمى في العالم الحديث دون الحديث عن دولة “الصين الجديدة”.. فما حققته من إنجازات عملاقة مدنيا وعسكريا واجتماعيا وإداريا، كان مجرد “حلم صيني” بعد سنوات من القهر والحرمان والاستعمار.. ولكن اتباع النظام لسياسة “الإصلاح والانفتاح” بعيدا عن نموذج “التعلم من الدول الغربية”، جعل “الباندا” الصينية، التي لا تفضل السبات بخلاف باقي أنواع الدببة.. تنهض من جديد لتفرض قوتها الناعمة على العالم، إما بـ”خيوط من حرير” أو بتوازنات دبلوماسية وعسكرية كبرى، وفوق كل ذلك، فقد وصلت البلاد إلى أحد أقوى أنواع التماسك الاجتماعي، قوامه أكثر من مليار و400 مليون نسمة، خرجوا ليصدروا ثقافتهم إلى العالم منتصرين على الفقر والجهل والاستلاب المعرفي والثقافي.. وهي المعركة المتواصلة منذ زمن المؤسس ماو تسي تونغ إلى زمن الرئيس شي جين بينغ.. فيما يلي تنقلكم “الأسبوع” إلى قلب التجربة الصينية عبر هذه النافذة الأسبوعية..

  

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

    يحكي “بسام”، وهو الاسم العربي لـ”شوي تشينغ قوه” الأستاذ الجامعي بجامعة الدراسات الأجنبية في بكين، ونائب رئيس جمعية الدراسات الشرق أوسطية، وسبق له أن عمل كدبلوماسي، (يحكي) أن الصين كانت من أفقر دول العالم سنة 1978، حتى أن صديقه في المجال الدبلوماسي كان قد قدم إلى الصين من إحدى البلدان العربية، جلب معه قنينتان من الماء المعدني الذي لم يكن معروفا في الصين وقتها(..)، وفي هاته السنة بالضبط، ستبدأ مسيرة “الإصلاح والانفتاح” من خلال بداية تنزيل قرارات الدورة الثالثة للمؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الصيني، وسط تحديات كبرى، سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودبلوماسيا.. لكن 44 سنة فقط كانت كافية لإسقاط كافة الحواجز التنموية، حيث تحولت الصين اليوم إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتمثل لوحدها 18 في المائة من نسبة الاقتصاد العالمي، فضلا عن كونها أكبر دولة في التجارة الخارجية (بنسبة نمو تصل اليوم إلى 300 في المائة) حسب ما يؤكده “بسام”، الذي يعطي مصداقية لحديثه بالاعتماد على الأبحاث والمجلات المتخصصة حتى لو كانت قادمة من الغرب(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

الأرقام المعلن عنها بشكل رسمي في الصين، تؤكد عمليا أن الصين وإن كانت تحتل الرتبة الثانية عالميا من الناحية الاقتصادية، إلا أن الفرق لم يعد كبيرا بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، فعندما انطلقت البلاد في مسيرتها كان المواطن الأمريكي الواحد ينتج ما ينتجه 70 مواطنا صينيا، ولكن الفرق تقلص إلى أدنى مستوى يمكن تصوره اليوم، بعد أن اعتمدت الصين على خطة واضحة للتنمية بشكل شامل، ما يعني أن برامج التطوير تشمل الاقتصاد والثقافة والمجتمع والعلوم، والتكنولوجيا، والتعليم والرياضة… في آن واحد، وتقوم سياسة “الإصلاح والانفتاح” على مبادئ أساسية يلخصها “بسام” كما يلي:

أولا: إعطاء الأولوية الكبرى لحل مشاكل الصين؛

ثانيا: تحرير الفكر وعدم التقيد بالنص (يعني الحرية في انتقاد ماركس رغم تبني الاشتراكية الشيوعية)، وربط المبادئ الماركسية بواقع الظروف الصينية، والاستفادة من دروس وتجارب جميع الشعوب؛

ثالثا: تحقيق الاتفاق الوطني في النظرة إلى الماضي (تاريخ الصين الحديث)، وتجنب التطرف في تقييم الماضي، مما جنب البلاد الانقسام في صفوف الشعب، وأكثر من هذا (انظروا للذكاء الصيني)، خلع القدسية، ونبذ العبادة الشخصية للرئيس السابق ماو تسي تونغ والنظرة إليه على أنه قائد عظيم للصين الحديثة، ولكنه وقع في أخطاء جسيمة، خاصة في أواخر حياته.

يشرح “بسام” (شوي تشينغ قوه) هذه الفكرة الأخيرة قائلا: إن أكبر خطأ وقع فيه ماو تسي تونغ هو ما سمي بالثورة الثقافية، وهي حقبة مأساوية(..)، لكن مع ذلك يحسب لماو أنه قائد حرر الصين من الاحتلال الأجنبي، وأعطى للصينيين كرامة وطنية، وهو ما يجعل الخطاب الرسمي للدولة خطابا وسطيا، بين من يحبون ماو تسي تونغ إلى درجة القداسة، وبين من ينتقدون تجربته، علما أن جميع الأطراف الصينية تجمع على أن مفاتيح “البلاء” في عهد ماو تسي تونغ كانوا هم “العصابة” المكونة من أربعة أشخاص (بتعبير بسام)، وهم زوجته ونائبه (نائب الرئيس)، والمنظران لما سمي بالثورة الثقافية.. بالإضافة إلى المطبلين للثورة الثقافية، التي تزامنت مع بداية التراجع الصحي للقائد الصيني ماو تسي تونغ، الذي يحتفظ – رغم كل ما سبق – برمزية خاصة يجسدها الحفاظ على ضريحه في شارع “السلام الدائم” في بكين؛

رابعا: تعتمد الصين على الإصلاح التدريجي، بخلاف الإصلاحات السريعة، الفجائية، وحتى عندما قرر الصينيون الانفتاح على العالم، وإطلاق تجارب جنينية للتنافس الاقتصادي الحر، انطلقوا من قرية صغيرة للصيادين اسمها “شن تشن” (شنزن)، وعندما نجحت التجربة في شكل انفجار اقتصادي، ونمو غير مسبوق(..)، تم الشروع في تعميمها تدريجيا، وصولا إلى “شوهاو” قرب “مكاو”.. وقتها قال الزعيم دنغ شياو بينغ، أننا يجب أن نجرب الانفتاح، ما يعني السماح بدخول رؤوس أموال أجنبية، وهذا الأمر كان غير مسموح به وقتها في دول اشتراكية أخرى.. وقد أصبحت هذه المدينة اليوم عاصمة عالمية لجميع أصناف التكنولوجيا المتطورة(..).

أكبر تجربة للإصلاح والانفتاح، تمثلها اليوم المدينة العالمية شنغهاي، حيث لا حدود لناطحات السحاب، لكن ربما يصعب التصديق بأن هذه المدينة المترامية الأطراف، كانت إلى حدود التسعينات مجرد مجموعة من حقول الأرز، ولكن بناء هذه الحضارة تطلب تشبثا صارما بالاستقرار والإصلاح والتنمية، مع ما يوازي ذلك من تفعيل للممارسات الديمقراطية، فمن غير المعقول أن تجتمع جل الشركات العالمية، بينما تنقل أخرى نشاطها كاملا للصين في غياب الديمقراطية، والكل يعلم أن “رأسمال جبان”، ولو لم يكن هناك مناخ استثماري معقول، لكان أول الهاربين هم المستثمرون فما بالك بشركات عالمية تسعى إلى التنافس ليلا ونهارا(..)، وتجذر الإشارة في هذا الصدد إلى النجاح الكبير والمرعب (للغرب) لبعض الشركات الصينية، التي نجحت في شراء شركات أخرى كانت معروفة عالميا، في قطاعات جد متطورة(..).

بالنسبة لمحلل استراتيجي مثل “بسام”، لا يجب الخوف من الدعاية للعقوبات الأمريكية المحتملة ضد بعض الشركات الصينية، خاصة مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وإن كان يصعب تصور تصرفات هذا الرئيس الأمريكي، الذي اتسمت بعض تصريحاته بالتناقض، حيث كان يهاجم “التيك توك” ثم صرح بأنه استفاد منه خلال حملته الانتخابية، ثم إن أمريكا مديونة بمبالغ كبيرة للصين، والعلاقة بين البلدين جد معقدة.. ويكفي في هذا الصدد الحديث عن حاجة الأمريكيين لشراء 600 مليار من المنتجات الصينية، والتي لا يمكن تعويضها من أي بلد آخر.. والحالة هاته، هل يمكن أن نتصور إجراءات لرفع الضريبة على المنتجات الصينية ؟

لا تفضل الصين من وجهة نظر الحزب الشيوعي الصيني الذي يقود البلاد، ولا من خلال عقيدتها العسكرية، وحتى من وجهة نظر قائدها شي جين بينغ، خوض الحروب العسكرية، فهي بخلاف أمريكا التي تدخلت عسكريا في عدة بلدان، لم تدخل أي حرب منذ ما يزيد عن 40 سنة، وتعد القوة الأولى في قوات حفظ السلام العالمي في عدة مناطق بالعالم، بل إن جنودا صينيين كانوا ضحايا لنشر السلام(..)، والدليل على جنوح الصين للسلم، على سبيل المثال، عدم قصفها لطائرة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، عندما حلت سنة 2022 بتايوان في زيارة استفزازية، وكان بعض المحللين يتوقعون ردا عسكريا من الصين، بينما تصرفت الصين بحكمة.. رغم امتلاكها لجميع أنواع القوة، والصينيون يقولون: “نحن لا نبادر بالحرب.. والسلام ليس هبة، بل نكسبه بالقوة”، حسب ما أكده “بسام”، الذي حكى ذلك وهو يبتسم(..).

يمكن أن يطرح السؤال بعد كل ما سبق، كما يلي: “في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح.. هل يمكن اعتبار الصين بلدا اشتراكيا أم رأسماليا؟”، وهو سؤال طرح فعلا على القائد الصيني شي جين بينغ، فكان جوابه: “ليس مهما أن تكون القطة بيضاء أو سوداء.. المهم أن تعرف طريقة صيد الفأر”، ويلخص هذا الجواب الحكيم الذي ينبع من الثقافة الصينية، جزء من التعامل السياسي الصيني مع “مطبات الأسئلة”.

اليوم، تعيش الصين واحدة موحدة تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، الذي يوجد على رأسه الرئيس، بل إن الرئيس الحالي وصل إلى مستوى غير مسبوق من الاحترام الشعبي، جعله بمثابة مفكر سياسي لمستقبل الصين، وأفكاره سارت جزء من القانون الأساسي للحزب الشيوعي الصيني، وبعض أفكاره الأخرى سارت جزء من الدستور، بل إن الصينيين جعلوه مثل “النواة” التي تدور في فلكها كل العناصر الأخرى للدولة، وهذا اختيارهم الديمقراطي..

طيلة السنوات الأخيرة، استطاعت الصين التي بدأت قصتها الفعلية انطلاقا من مدينة شنزن، توحيد خصائصها الثقافية التي باتت مشتركة بين أفراد الشعب، ما انعكس بشكل إيجابي على استقرارها، حيث تم الجمع بين التطور المادي والعمق الروحي(..)، قد لا يكون هناك مجال لشرحها بشكل كامل، ولكن الصينيين ملمين بثقافة “الين واليانغ“، وهما عنصران (يين، يانغ)، متناقضان يمثلان الطبيعة وتفاعلاتها وقوى الكون.. ويجتمعان في فكرة التوازن.. “إنها علاقة التوالد والتكابح بين العناصر الخمسة لجميع الأشياء والكائنات”، والعناصر الخمسة هي: “النار والتراب والمعدن والماء والخشب”، وهذه هي الخصائص الثقافية التي تجعل الصينيين ملتزمين بـ”الفضيلة، وتحقيق السلام والوئام”.. بل إن الصدفة قد تقودك إلى مشاركة الصينيين في أعياد لا مثيل لها في العالم مثل عيد “منتصف الخريف” (عيد تشونغتشيو)، ومن عاداته مشاهدة البدر وأكل الكعك، أو عيد “قارب التنين” المعروف بفعالية سباق زوارق التنين، وهناك عيد “الصفاء” الذي يتزامن مع الربيع، وعيد “البدر الأول”، وعنوانه “مهرجان الفوانيس” حيث تنتشر المصابيح والمجسمات المضيئة في كل مكان لمدة طويلة.. ويبقى أكبر عيد هنا هو “عيد الربيع”، علما أن الصينيين يجمعون على بعض الرموز التي قد ينظر إليها بشكل مختلف، فـ”التنين”، ذلك الحيوان الأسطوري، هو عنوان البركة، ورمز للأمة الصينية.. شأنه شأن “ثقافة كونفوشيوس”، ذلك الحكيم الذي غزت ثقافته كل العالم، وهو فيلسوف صيني وأول معلم “وارث” و”جامع أكبر” و”مجدد”، وهو الذي يدعو إلى الإعلاء من شأن الأخلاق، وقائل القولة المشهورة هنا في الصين: “لو أن ثلاثة يسيرون في طريق معا فحتما واحد منهم معلم لي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى