للنقاش | هل يدعم إيلون ماسك مشروع افتتاح قنصلية أمريكية في الداخلة ؟
ما بعد فوز ترامب..
صفق الكثيرون لعودة دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، الذين تربطهم معه مصالح اقتصادية وتجارية.. وبالمقابل تحسرت أطراف أخرى على عودة هذا الرئيس المثير للجدل، وبين هذا وذاك، نجح رجل الأعمال الملياردير إيلون ماسك في خطف الأضواء، وهو الذي أدت الحسابات الاستثمارية لترامب إلى دخوله حكومة هذا الأخير.. فترامب تعتبره دول شرق آسيا الخصم العنيد في مجموعة من القضايا التي لم تجد طريقها إلى الحل، بينما استبشرت دول أخرى خيرا بعودته لرئاسة أمريكا، من أجل استكمال الاتفاقيات التجارية التي كانت قد وقعت خلال ولايته الأولى انطلاقا من خلفيته كرجل أعمال له العديد من الشركات ومنها اكتسب قوته التي قادته إلى البيت الأبيض مرتين.

إن أبرز المشاريع التي سيعمل الرئيس الجديد/ القديم دونالد ترامب على إنهائها مباشرة بعد تسلمه السلطة بشكل رسمي مطلع السنة القادمة 2025، مدعوما هذه المرة بإيلون ماسك، الذي تولى مهام وزارة الكفاءة الحكومية، هي المضي قدما في تحقيق “اتفاقيات أبراهام” أو ما سمي “صفقة القرن”.. وبالنسبة للمغرب، فقد استبشر المغاربة خيرا بفوز ترامب برئاسة البيت الأبيض لولاية ثانية، وذلك من أجل ترسيخ وتفعيل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء لقطع الطريق بصفة نهائية على المعرقلين لنجاح المغرب في ضم أقاليمه الجنوبية بصفة نهائية، وهو الذي كان قد أعلن يوم 10 دجنبر 2020، في قرار تاريخي وبجرأة سياسية كبيرة، عن اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء، وجددت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي الذي قدمه المغرب سنة 2007 كحل جاد وواقعي وذي مصداقية لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، باعتباره الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع حول الصحراء، كما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة، وهو ما ينتظر المغاربة تفعيله لإنهاء مسلسل الصراع الذي عمر لعقود مع الجزائر وصنيعتها البوليساريو، وذلك لأن إدارة الرئيس المنتهية ولايته جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، لم تتقدم بأي خطوة في هذا الاتجاه..
واعتبارا للتوجه السياسي للرئيس ترامب، فإن المغرب يأمل أن تعزز الإدارة الأمريكية الجديدة من دعمها للمشاريع الكبرى مثل خط الغاز المغربي-النيجيري، وتعزيز المبادرة الأطلسية، التي كان الملك محمد السادس قد أطلقها من أجل تنمية الأقاليم الجنوبية ودعا إلى الانخراط فيها كل الدول الإفريقية الراغبة في الوصول والاستفادة من المحيط الأطلسي، وهذا المشروع الاستراتيجي الكبير بالذات سيساهم في تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة، وسيحظى بقبول الدول الإفريقية التي أوقفت معاملاتها وأخرجت مصالح فرنسا من بلدانها في الآونة الأخيرة، وهو أيضا ما يتعارض مع مصالح روسيا في إفريقيا، وخاصة في منطقة الساحل وإن كانت الدول التي تتعامل معها روسيا قد عبرت عن قبولها الانضمام إلى مبادرة الأطلسي، وبذلك سيعزز هذا المشروع الموقع الاستراتيجي للمغرب بين إفريقيا وأوروبا.
فبوجود أو إرساء مناخ أعمال جدي وواقعي، وهو ما عمل ولا زال المغرب يعمل عليه، سيشجع المستثمرين الأمريكيين على إقامة مشاريع في الأقاليم الجنوبية للمغرب، الذي لطالما يطمح في حضور اقتصادي قوي للشركات الكبرى، سواء التابعة للدولة أو في القطاع الخاص الأمريكي، في الصحراء، وهذا هو الجانب الذي يميز شخصية دونالد ترامب الاستثمارية اعتبارا لكون سياسته في شموليتها تعتمد على الاقتصاد والاستثمار، والدليل على ذلك، هو تعيينه فور فوزه برئاسة البيت الأبيض، لرجال أعمال في مراكز القرار العليا في البلاد، كإيلون ماسك وفيفيك راماسوامي، في منصب وزارة مستحدثة سماها وزارة “الكفاءة الحكومية”، وقال ترامب بهذا الخصوص: “هذان الأمريكيان سيمهدان معا الطريق أمام إدارتي لتفكيك البيروقراطية الحكومية وتقليص الإجراءات التنظيمية المفرطة وخفض الهدر في النفقات، وإعادة هيكلة الوكالات الفيدرالية، وهو أمر ضروري لإنقاذ أمريكا”.. وأول طريق لإنقاذ الولايات المتحدة من السقوط هو الاستثمارات الخارجية، ولن تجد أمريكا أفضل من القارة الإفريقية، وبالأخص في المغرب، اعتبارا لسياسة الانفتاح وسياسة تعدد الشركاء التي ما فتئ الملك محمد السادس يعلن عنها ويقرها في خطاباته بمختلف المناسبات، وكانت الطريق سالكة أمام أمريكا للاعتراف بمغربية الصحراء، وبالتالي الدخول في برنامج استثماري في الأقاليم الجنوبية من خلال شركات عملاقة، ربما تنتظر فقط الضوء الأخضر من الرئاسة الجديدة، وذلك ما سيتأتى بالفعل بعد فتح قنصلية في مدينة الداخلة، والتي كان الرئيس قد عبر عنها في ولايته الأولى وهي الخطوة التي جمدها سلفه جو بايدن تحت مبرر “لن يكون في الوقت الحالي.. أعتقد أن بعض التخطيط لا يزال مستمرا للتواجد المناسب، نظرا للظروف الأمنية”، وفق تصريح لدوغلاس بيتكين، مدير مكتب الميزانية والتخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية على عهد الرئيس بايدن.. وهكذا استمرت إدارته في آخر سنة من ولايتها، في تأجيل ملف القنصلية الأمريكية بالداخلة إلى أجل غير مسمى على الرغم من كونه جزء من الاتفاق الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، الموقع في شهر دجنبر 2020، والذي تضمن عودة العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب، انطلاقا من “صفقة القرن”، وهي الاتفاقات التي لن يتوانى الرئيس ترامب في إكمالها والعمل على تطبيق بنودها في عهدته الحالية، فور تنصيبه.

هذا من الناحية الاقتصادية، أما من الجانب السياسي، فثمة عراقيل عدة في طريق فتح القنصلية الأمريكية في الداخلة، أبرزها الملفات الكبرى الموضوعة على طاولة ترامب، أبرزها الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ملف أوكرانيا، ملف الصين، الملف الإيراني، قضية السودان، وانضاف إليها ملف لبنان.. وغيرها من القضايا التي على الرئيس الأمريكي الدخول في حوارات من أجلها مع مختلف الفاعلين السياسيين المعنيين، ومن جانب المغرب، دخول البوليساريو على الخط بعد انتخاب ترامب معبرة عن “أملها في مراجعة الرئيس ترامب وإدارته الجديدة قرار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء”، أو “التراجع عن هذا القرار، أو على الأقل عدم مواصلة التنزيل السياسي والدبلوماسي له خلال ولايته الثانية”، حيث قال المسمى أبي بشرايا البشير، ممثل الجبهة الانفصالية لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف: “لدى الانفصاليين أمل في أن يستوعب ترامب وفريقه درس العهدة الماضية، والتأكد من أن النزاع ليس بالبساطة التي كانوا يتصورون، وأن هناك قانونا دوليا واضحا، وهناك حلفاء للشعب الصحراوي لا يمكن التغاضي عن وجهة نظرهم”، ويأتي هذا في الوقت الذي يتوالى فيه سحب الاعترافات بجمهورية الوهم التي صنعتها الجزائر من الوهم، آخرها بنما، التي كانت بالأمس القريب من أكبر الداعمين للبوليساريو، وهي أول دولة تعترف بالجبهة الانفصالية سنة 1980، وقد جاء ذلك في بلاغ لوزارة خارجية بنما يوم الخميس 21 نونبر الجاري، وهو ما يشكل ضربة قاصمة لظهر الجزائر والبوليساريو، مما جعلهم يتخبطون خبط عشواء ويتحركون تحركات هوجاء، وهناك أيضا الإكوادور، التي شرعت ابتداء من تاريخ 22 نونبر 2024 في تفعيل تعليق اعترافها بالجمهورية الوهمية الوهمية، التي كانت قد اعترفت بها سنة 1983 مع فتح سفارة لها سنة 2009، وقد شطبت الإكوادور اسم الجمهورية المزعومة من القائمة الرسمية للدول التي لها تمثيل دبلوماسي معتمد في العاصمة كيتو، وفق المعطيات المتوفرة على موقع وزارة خارجية الإكوادور، بعدما كانت سابقا تضع عنوانا باسم “الجمهورية الصحراوية” على لائحة وزارة الخارجية، كما أصدرت الدولة أوامر للانفصاليين بإغلاق ممثلية الجمهورية الانفصالية ومغادرة البلاد، وكانت وزيرة خارجية الإكوادور، قد أبلغت نظيرها المغربي ناصر بوريطة، بهذا القرار وبرسالة الإخطار التي بعثت بها إلى تمثيلية الانفصاليين في كيتو، وهكذا جاء سحب الاعتراف بالبوليساريو من قبل بلدين في أمريكا الجنوبية في يومين متتالين، مما يؤكد نجاح الدبلوماسية المغربية في قضية الصحراء، وتعزز هذا النجاح السياسي بالنجاح الاقتصادي والتجاري، بفضل الأوراش الكبرى والعملاقة التي أطلقها الملك محمد السادس ليس في المغرب فقط، وإنما حتى في إفريقيا حاملا على عاتقه تنمية القارة وإخراجها من دائرة استغلال ثرواتها وتبعيتها الاقتصادية للغرب المستعمر، وبهذا استطاع المغرب جلب الاعتراف بمغربية الصحراء..
ومن جهة أخرى، فما بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية هو أكثر من قرار سياسي في عهدة رئيس واحد، بل إن الأمر انطلق منذ قرون، ولا زال مستمرا وإن كانت فترات حكم بعض الرؤساء يطبعها الفتور تجاه المغرب(…)، ذلك أن اعتراف الرئيس دونالد ترامب بمغربية الصحراء، وكان وقتها الرئيس الخامس والأربعين، يحمل في طياته أكثر من قرار وأكثر من مغزى، أولا فقد كان بمثابة رد الاعتراف المغربي باستقلال أمريكا سنة 1777، وبالضبط بتاريخ 20 دجنبر، من طرف سيدي محمد بن عبد الله، وبعد ذلك بعام واحد، قرر السلطان محمد الثالث والرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية، توماس جفرسون، توقيع معاهدة الصداقة المغربية الأمريكية سنة 1786، التي كانت لها أثار مهمة اقتصادية وتجارية وسياسية على البلدين لما يزيد عن قرنين من الزمن، وبفعل تلك الاتفاقية، استمر السلام والصداقة بين البلدين وانطلاقا منها لم تتدخل الولايات المتحدة في المغرب أثناء التوسع الإمبريالي خلال الحروب العالمية..
وها هو مغرب الملك محمد السادس قد فعل فصلا آخر من فصول التعاون الأمريكي-المغربي – وإن لم تكن العلاقات بين البلدين قد عرفت قطيعة أو ما شابه إلا في بعض الاستثناءات مع بعض الرؤساء – وعمل على تعزيز هذه العلاقات الاقتصادية الثنائية من خلال التوقيع على “اتفاقية التجارة الحرة” بتاريخ 15 يونيو 2004، والتي تم تنفيذها في 1 يناير 2006، وقد وضعت هذه الاتفاقية المغرب كدولة إفريقية وحيدة لديها اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بموجبها تم إلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 95 في المائة من السلع والخدمات المتداولة بين البلدين، مما خلق ولا زال يخلق المزيد من الفرص للتجارة والاستثمار في القطاعين الخاصين المغربي والأمريكي، وبذلك أصبحت الولايات المتحدة ثالث أكبر شريك تجاري للمغرب، بعد فرنسا وإسبانيا، وارتفعت الصادرات الأمريكية إلى المغرب بنسبة 700 في المائة منذ سنة 2005، وبالمقابل تضاعفت قيمة صادرات المغرب إلى الولايات المتحدة ثلاث مرات لتصل إلى 1.6 مليار دولار سنة 2023 مقارنة بـ 445 مليون دولار في عام 2005.
إن تفعيل فتح قنصلية أمريكية بمدينة الداخلة، سيكون له طبعا الكثير من الإيجابيات على ازدياد النشاط الاقتصادي والتجاري بين أمريكا والمغرب، ومن خلاله نحو باقي بلدان إفريقيا، وهو الذي عمل منذ سنة 2020 على تنقية معبر “الكركرات” وتأمينه من عصابات البوليساريو، وجعله بالتالي طريقا تجارية سالكة لمرور البضائع، وخاصة أنبوب الغاز النيجيري-المغربي، هذا المشروع الاستراتيجي الكبير الذي يعزز من مكانة المغرب بين القارتين الأوروبية والإفريقية، وسيجعل الولايات المتحدة أكثر تشبثا بترسيخ تواجدها في الأقاليم الجنوبية للمغرب.



