تحقيقات أسبوعية

متابعات | هل فشل المشروع الديمقراطي بعد دستور 2011 ؟

خبراء يجيبون عن السؤال السياسي المقلق للجميع

منذ دستور 2011 توقف الإصلاح السياسي وتأخر المشروع الديمقراطي الذي ينتظر منه فتح آفاق جديدة للمواطنين نحو محاسبة الحكومات والأحزاب والسياسيين، ذلك أن الواقع السياسي وتغييب السياسة من النقاش العمومي، يعتبر مؤشرا على حدوث تراجع الثقة لدى المواطنين، وعلى عودة نفس مطالب الكتلة الديمقراطية في التسعينيات، رغم المكتسبات التي جاء بها النص الدستوري، حيث لا زال الفاعل السياسي منذ ثلاثين سنة يتحدث عن “الانتقال الديمقراطي”، فيما يلي آراء فاعلين سياسيين وباحثين حول أسباب تعثر المشروع الديمقراطي..

إعداد: خالد الغازي

الوديع يدعو إلى إلغاء الفصل 47 من الدستور

تتمة المقال تحت الإعلان
صلاح الوديع

    يقول صلاح الوديع، رئيس” حركة ضمير”، أن الواقع السياسي يتجاوز اللحظة السياسية، ويشير إلى تناول الحصيلة السياسية لهذه السنوات الأخيرة محاولا ربطها بآفاق البناء الديمقراطي في تفاعل مع الوضع العالمي الجديد، والإقليمي والقاري، وهو نقاش أوسع من الانكباب على اللحظة السياسية الحالية رغم أهميتها، على اعتبار أن هناك أعطابا، من أهمها فقدان الثقة، لهذا يطرح اليوم النقاش حول سبب غياب الثقة، وعن مسؤوليات الدولة ومؤسساتها، وكذا دور الأحزاب في استعادة الثقة، واسترجاعها القدرة على صنع المستقبل ومواجهة التحديات في زمن صعب، وفي ظل التحولات الحالية التي تعرفها البشرية، واستحضار التحديات المتجددة في العالم..

تتمة المقال تحت الإعلان

ويضيف الوديع أن هناك صمتا ونقصا في النقاش السياسي، تتحمل مسؤوليته الأحزاب السياسية، التي لا تجدد التفكير فيما يقع حولها وفي أغلبها، وفي نفس الوقت، في غياب احتضان الإعلام العمومي – وهذا دوره – للنقاش المجتمعي الذي يجب أن يكون ويصل للجميع، ولكن مؤسف جدا أن الإعلام العمومي غائب ولا يتطرق لهذه المواضيع واللحظات، وهي أساسية، لهذا يجب تجديد طرق الحوار والاجتهاد وتقديم نخب قادرة تضمن ثقة المواطنين، وتعطي مصداقية للمؤسسات المنتخبة، من خلال تخليق الحياة العامة وتحقيق الانسجام بين مبادئ الأحزاب وسلوك المناضلين والمسؤولين، بالإضافة إلى استجابة البرامج المطروحة على المجتمع للانتظارات الكبرى على جميع المستويات، المادية والاجتماعية والأخلاقية، ويجب على الأحزاب أن تقوم بدورها في أسرع وقت ممكن.

وأكد الوديع على أهمية النقاش بين الأحزاب وبالخصوص الحركة اليسارية، وتخليق الحياة السياسية، بالإضافة إلى ضرورة مراجعة الفصل 47 من الدستور، وألا نبقى محكوما علينا بالحزب الأول الذي يقود الحكومة، عبر إتاحة الفرصة للتكتل السياسي الذي يمكن أن يتشكل بعد الانتخابات لقيادة الحكومة من خلال برنامج متفق عليه، ومراجعة مسألة التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع، لأنها أمور تساعد على تسرب الفاسدين للمشهد السياسي.

الجماهري واستعمال الانتخابات لقتل السياسة

عبد الحميد الجماهري

    من جهته، يرى عبد الحميد الجماهري، الكاتب والقيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي، أن إحدى معالم ضعف ديمقراطيتنا الناشئة، هو أن الانتخابات تستعمل في حالات كثيرة من أجل قتل السياسة، بل إنها أنتجت نخبة معينة في البرلمان والجماعات والمجالس المنتخبة، بشكل عمودي، من البرلمان إلى الجماعات والجهات، تكاد تبدو متجانسة إما في الحلال أو في الحرام، لكن سلطتها تتزايد وتتنامى، وفي المقابل، في المؤسسات الإنتاجية وفي دواليب القرار، هناك نخبة متجانسة اجتماعيا وهي قليلة العدد، وبالتالي، فإن ما تفرزه الانتخابات هو إغلاق للحقل السياسي وما سمي بـ”التغول”، ولكن في الحقيقة، الإغلاق يتماشى مع الطبيعة المرادة من الانتخابات، وما يراد للسياسة من بعد، مشيرا إلى أننا اليوم ندافع عن عودة السياسة أكثر ما نعبر عن خوفنا من عودة غير مؤمنة للسياسة بطرق غير سياسية، مثل العودة عن طريق الشارع أو الصدام، لهذا آن الأوان أن نعود للسياسة ونجعلها حجر الزاوية ونقطة انطلاق في التعامل مع المشروع التنموي الديمقراطي.

وتحدث الجماهري عن فترة تاريخية في بناء المشروع الوطني التحرري، الذي تعبأت له جميع القوى الوطنية في لحظة لم تكن هناك الأشكال الديمقراطية موجودة، أيام عبد الرحيم بوعبيد في الحكومة، والمهدي بنبركة على رأس المجلس الاستشاري الذي كان معينا، وبالرغم من عدم وجود المواصفات المتعارف عليها في العالم فيما يتعلق ببناء المؤسسات الديمقراطية، ولكن ذلك لم يمنع من وجود مشروع تأسيسي أساسي لا في المؤسسات المالية ولا في المؤسسات الاقتصادية، ولا التحرير الاقتصادي… إلخ، ليس فقط من باب التذكير التاريخي، ولكن للوقوف على كل ما يتعلق بالأوليات ومراحل المشروع الوطني مرورا إلى مشروع هذه الدولة الوطنية الديمقراطية.

وأوضح نفس المتحدث أن هناك توافقات كبرى حصلت منذ لحظة دستور 2011، من بينها هيئة “الإنصاف والمصالحة”، والمدونة، والجهوية، وحركة عشرين فبراير، التي كشفت عن وجود أزمة في الممارسة السياسية، والتي كان لا بد لها من إصلاح هرمي من الأعلى، ثم دينامية التراكم قبلها التي كانت فيها الإصلاحات الأساسية، سواء قبل العهد الجديد أو منذ حكومة التناوب، متسائلا: إلى أي حد دافعت الأحزاب السياسية عن سيادة الشعبية في إنتاج الشرعية، أي الانتخابات والاقتراع، حسب الفصول 41 و42 إلى 47 من الدستور، والتي تنص على أن السيادة تمارسها الأمة عن طريق ممثليها؟ وإلى أي حد دافعنا عنها؟ يجب أن نتذكر بكل تواضع وإنصات، أن أولويات الحقل السياسي المغربي بعد مرحلة 2011، لم تكن بالضرورة هي تقوية هذه السيادة الشعبية وشرعيتها في القرار، بل إن شرعية التعيين هيمنت وسلطة التعيين ظلت مستمرة، يقول الجماهري.

محمد حفيظ.. بين المشاريع الناجحة والمشروع الديمقراطي الفاشل

محمد حفيظ

    بدوره اعتبر محمد حفيظ، المحلل السياسي وعضو فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن الديمقراطية في المغرب ما زالت عبارة عن مشروع، حيث “لا زلنا اليوم نتحدث عن المشروع الديمقراطي وعن الديمقراطية باعتبارها مطلبا، وعن توطيد الديمقراطية، وتعميق الممارسة الديمقراطية، وتمثيل مقوماتها.. نتحدث عن ممارسة ديمقراطية هجينة، والدليل على ذلك، أن ثلاثين سنة مرت ولا زلنا نحمل المطالب التي كانت تدافع عنها الكتلة الديمقراطية في التسعينات، سواء على المستوى السياسي والدستوري أو ما يتعلق بنزاهة الانتخابات”.

وتطرق حفيظ لمجموعة من المحاولات الديمقراطية الكبرى التي تعثرت أو فشلت – حسب البعض – ولم تحقق النتائج التي كانت مرجوة منها، بشهادة عبد الرحمان اليوسفي بعد مغادرته للحكومة بقوله “إن التجربة لم تصل إلى المأمول منها”، مضيفا أن المحاولة الأولى كانت منذ مائة سنة مع نخبة الحركة الوطنية التي طالبت بالاستقلال والديمقراطية في الوثيقة الشرعية، والمحاولة الثانية في بداية التسعينيات كانت من قبل أحزاب الحركة الوطنية والكتلة الديمقراطية، لكن جاء العرض من الدولة، ثم محاولة التناوب التوافقي التي تعثرت بشهادة اليوسفي، ثم مرحلة العدالة والتنمية بعد دستور 2011، رغم أنه كانت هناك محاولة الأحزاب قبل الربيع العربي، والتي طالبت بإصلاح دستوري وقدمت بعضها مذكرات قبل إصلاحات الدستور الجديد.

وأوضح نفس المتحدث، أن المغرب رغم تقدمه في المشاريع الكبرى، مثل القطار فائق السرعة، والطرق السيارة، وغير ذلك، إلا أن السياسة لا زالت متأخرة ومتعثرة، مما يطرح التساؤل بهذا الخصوص على الجميع، رغم أنه يشكل خطورة على الدولة، خاصة وأننا أمام جملة من المفاهيم والشعارات التي كثرت وأصبحت تؤثث الفضاء دون أن تحمل أي قيمة، ومنها مفردة “التنمية”، منتقدا غياب الإعلام العمومي عن النقاش السياسي وعدم قيامه بوظيفته كما ينبغي، واقتصاره فقط على رأي واحد ووحيد سائد حتى في التفاعل مع القرارات والخطابات الرسمية ومختلف القضايا، ولا ينفتح على الرأي الآخر، وهذا يدل على التراجع.

ماء العينين: تدبير السلطة يتم خارج قواعد الدستور

أمينة ماء العينين

    في نفس الإطار، قالت أمينة ماء العينين، القيادية في حزب العدالة والتنمية، أنه لرد الاعتبار للسياسة، لا بد من إعادة الاعتبار للنظرية السياسية، لأن الناس الذين يفكرون داخل الأحزاب السياسية وينتجون النظرية السياسية، أصبحوا اليوم منبوذين، والناس الذين يفكرون داخل الأحزاب يتعرضون للتحجيم، بفعل وجود وافدين جدد لديهم عقدة من النظرية السياسية، هم أصحاب مقاربات التمويل..

وأكدت ماء العينين، أن هناك إشكالية واضحة، تتمثل في الجزء الذي يعطى للسياسيين وللأحزاب السياسية داخل مربع السلطة كي يطبقوا من خلاله التعاقدات، رغم أن الدستور قسم السلطة سياسيا وديمقراطيا بين الفاعلين في مربع القرار، لكن الأصل في الأحزاب السياسية وفي الصراع حول السلطة، معتبرة أن مربع السلطة لا يتم عبر الدستور لأن الواقع اليوم يبرز بوضوح أن تدبير السلطة يتم أحيانا كثيرة خارج منطق الدستور، لاعتبار أساسي: إذا أراد السياسيون الدخول في السلطة، عليهم التخلي عن سياستهم، لذلك نرى اليوم أشخاصا لا علاقة لهم بالسياسة في الحكومة، وأن هذه الممارسات تمت في ظل الدستور الجديد، وأنه لا يمكن إعادة الاعتبار للسياسة الحقيقية دون أن نعيد التفكير في كيفية توزيع السلطة في مجتمع لا يمكن أن يدبر من خلال سلطة في يد واحدة.

وقالت أمينة ماء العينين: أصبحنا نتحدث عمن يمول ويملك المال والجاه، ومن يملك المعرفة التقنوية، أي التكنوقراط الذين يُجلبون للأحزاب، مما ينتج تبخيسا مستداما وممنهجا وإراديا لشيء اسمه النظرية السياسية، مشيرة إلى صباغة بعض البروفايلات ووضعهم داخل حزب سياسي، لذلك نسمع أن فلانا جرى اختياره من فوق أو أن بعض البروفايلات الحزبية كان عليها رفض من فوق، والسلطة من اقترحت علينا بعض الأشخاص حتى نعيطهم الصبغة السياسية.

عبد الحفيظ أدمينو: الديمقراطية مسار والآلة الديمقراطية لم تنتج ما كان منتظرا منها

عبد الحفيظ أدمينو

    من جانبه، يرى الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي عبد الحفيظ أدمينو، أن الديمقراطية لم تكن لحظة سياسية مرتبطة بفترة زمنية، بل هي مسار مستمر حتى الآن، والذي حدث هو أن الآلة الديمقراطية في هذه المرحلة لم تنتج ما كان منتظرا منها، أولا بسبب الاختلافات حول هذه الآلة نفسها، تنتظر الأفكار والتيارات السياسية التي كانت ضد هذا المسار، وفي مراحل تاريخية، حاولنا أن نصلح أو نعيد جبر ما تم تدبيره خلال هذه المرحلة، مشيرا إلى أن مسار بناء الديمقراطية هو الذي وقع فيه الشد والجذب بين نخبة الطبقة السياسية، ترجمتها الوثائق الدستورية بدء بدستور 1962، حيث ذهبنا في سياق النموذج الديمقراطي الذي يأخذ أغلب قواعده من منظور ليبرالي، أي قواعد الديمقراطية التمثيلية والتعددية السياسية، وغيرها من الأسس القانونية والمؤسساتية التي من خلالها تم بناء نموذج ديمقراطي قادر على إنتاج التنمية.

وأبرز أدمينو، أن الديمقراطية التمثيلية هي الإطار الذي من خلاله يتم التعبير عن الانتظارات والممارسة السياسية، إذن، هذا المنظور قدم على أنه القادر وحده على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بكل أبعادها، وبالمقابل، ظهرت مدارس أخرى لا تقيم هذا الربط وتقول أن الديمقراطية ليست شرطا ضروريا لتحقيق التنمية، فالصين مثلا، رغم أنها تسير بحزب واحد، في إطار منظومة بعيدة كل البعد عن الإطار السياسي، ولكن في نهاية المطاف هي قوة اقتصادية وعسكرية واستراتيجية على المستوى الدولي، لكن المنظور الأول هو الذي فرض وجوده عبر أدوار المؤسسات الدولية، في مقدمتها الأمم المتحدة، ومؤسسات التمويل الدولية، التي اشترطت هذا النوع من الإصلاحات السياسية أو المشروعية السياسية في دعم مختلف التجارب الدولية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وكشف نفس المحلل السياسي، أن دستور 2011 جاء بنقطة مهمة في هذا المسار، أي العلاقة بين التنمية والسياسة، والمتمثلة في مفهوم إنتاج القرار السياسي العمومي، والسياسات العمومية ضمن هذا المنظور، وبالتالي، أصبحت هذه العلاقة وطيدة بين الممارسة السياسية والديمقراطية أساسا، والرفاه الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بالتنمية، على اعتبار أن الحكومات التي تنتخب عليها أن تقوم بإعداد البرامج وتنفيذ السياسات الكفيلة بتغيير الحياة اليومية للمواطنين، مشيرا إلى أن عدم فعالية البرامج والسياسات العمومية لدى الأحزاب، يمكن ربطها بضعف منظومة الاختيار، والديمقراطية الداخلية للأحزاب والفعالية في الأداء، وأيضا توزيع السلط داخل الدولة، فعندما تتحمل الأحزاب المسؤولية، تجد صعوبة كبرى في أن تظل وفية لإيديولوجيتها ومبادئها العقدية، وبرامجها، وهذا يعقد الأمر ويخلق مشكلة مع المواطن باعتباره الحلقة الأساسية في هذا العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى