تحقيقات أسبوعية

نافذة على الصين | “المغول”.. وتجربة الحكم الذاتي في الصين

الحلقة 05

لا يمكن الحديث عن القوى العظمى في العالم الحديث دون الحديث عن دولة “الصين الجديدة”.. فما حققته من إنجازات عملاقة مدنيا وعسكريا واجتماعيا وإداريا، كان مجرد “حلم صيني” بعد سنوات من القهر والحرمان والاستعمار.. ولكن اتباع النظام لسياسة “الإصلاح والانفتاح” بعيدا عن نموذج “التعلم من الدول الغربية”، جعل “الباندا” الصينية، التي لا تفضل السبات بخلاف باقي أنواع الدببة.. تنهض من جديد لتفرض قوتها الناعمة على العالم، إما بـ”خيوط من حرير” أو بتوازنات دبلوماسية وعسكرية كبرى، وفوق كل ذلك، فقد وصلت البلاد إلى أحد أقوى أنواع التماسك الاجتماعي، قوامه أكثر من مليار و400 مليون نسمة، خرجوا ليصدروا ثقافتهم إلى العالم منتصرين على الفقر والجهل والاستلاب المعرفي والثقافي.. وهي المعركة المتواصلة منذ زمن المؤسس ماو تسي تونغ إلى زمن الرئيس شي جين بينغ.. فيما يلي تنقلكم “الأسبوع” إلى قلب التجربة الصينية عبر هذه النافذة الأسبوعية..

إعداد: سعيد الريحاني

 

تتمة المقال تحت الإعلان

    يعد الإمبراطور “جانكيز خان”، واسمه الحقيقي هو تيموجين بن يسوكاي بهادر، أحد أكثر قادة الجيوش فتكا ورعبا عبر التاريخ، وكما يقال، فإن كل ما فات ليس سوى مقدمة(..)، وقراءة قصص المغول، وهذا قائدهم التاريخي، حافلة بالرعب والقوة والشجاعة، والذكاء والحكمة، والارتباط بالأرض.. بل إن قصة “جانكيز خان” تحولت أكثر من مرة إلى فيلم سينمائي، باعتباره الطفل الذي عاش ظروفا صعبة، بعد أن تنكر له الأقارب ورفضوا حقه في الزعامة التي ورثها عن أبيه، لكن بعد رعايته من طرف أمه، المهمشة، من طرف القبيلة في البداية، تحول مع الوقت “إعصارا” مدمرا، بدأ بالأقارب، ثم انتقل إلى الحلفاء، قبل أن يشرع في سياسة الغزو، التي مكنته من بناء أكبر إمبراطورية فوق آسيا وأوروبا الشرقية.. والخطير، أن الغزوات المغولية كانت تتم عبر البر، بجيوش جرارة من الماشية والعتاد والجنود، والتقاليد.. 

تتمة المقال تحت الإعلان

انتهى عصر المغول، لكن ثقافة المغول بقيت، وبقي جزء منها داخل الصين، في منغوليا الداخلية، وعاصمتها تعرف بـ”المدينة الزرقاء”، ويقال لها باللغة المحلية “هوهيهوت”، لكن مع كل هذه التقاليد، وهذا الزخم التاريخي.. فقد ابتدع الصينيون نظاما خاصا بهذه المنطقة، إضافة إلى مناطق أخرى(..)، واختاروا في إطار “الديمقراطية الصينية” تمتيع هذه المنطقة بنظام الحكم الذاتي، حيث أمكن للمغول الحفاظ على تقاليدهم العريقة ولباسهم وعاداتهم واحتفالاتهم، بل إن هذا التنوع شكل حافزا قويا لتنمية المنطقة، وهي تعرف حاليا بـ”عاصمة الحليب”، وتصنف ضمن المدن العشرة الأكثر سعادة في الصين، حيث يرتفع الدخل الفردي للمواطنين، وحيث تقوم الإدارة بصيانة الفن والثقافة، وجعلهما محورا للحياة، بالإضافة إلى الزراعة وتربية المواشي.. دون أدنى تناقض.

في “هوهيهوت”، تم تحويل أرض قاحلة إلى سلسلة مراعي تنضب بالحياة، وتم استدعاء الحياة لعدة حيوانات وأعشاب في مناخ بيئي وإيكولوجي معقد، تم إصلاحه، ليتحول في ظرف وجيز إلى مثال يحتذى به في العالم، بل إن بذور الأعشاب هنا أصبحت “تكنولوجيا قائمة الذات” في مجال التصنيع الزراعي، بعد إنتاج أكثر من 30 منصة بحثية وعلمية، ولمن يحب المعجزات العلمية.. ففي هذه المنطقة توجد إحدى أكثر شركات الحليب تنافسية في العالم، وهي شركة “ييلي”، التي صنعت هنا “وادي إيلي الذكي الحديث” تحت شعار: “تطوير صناعة الزراعة، وبناء مصدر للحليب، والتصنيع الذكي، والابتكار التكنولوجي، والسياحة الثقافية، والترفيه والأعمال”، ومعنى ذلك، أن صناعة الحليب تكون بمثابة القاطرة لصناعات ذكية أخرى، ومن تم لا غرابة أن تجد أن هذا المكان يضم مصنعا نموذجيا شبيها بالمحطة الفضائية من حيث النظافة وطرق الإنتاج، والذكاء الآلي الكبير.. والمعجزة، أن هذا الإنجاز لم ينطلق إلا حديثا، سنة 1993، و”ييلي” الآن تتوفر على قطيع ضخم وذكي(..)، تتفوق على الشركات الفرنسية والأمريكية، التي لا تتوفر لا على قطيع ولا على مراعي(..).. و”ييلي” لها تراخيص تسويق داخل جل دول العالم بما فيها أمريكا، حيث يقبل الأمريكيون على الحليب والزبادي والأيس كريم الذي تنتجه، ورغم أن “طريق الحليب الصيني” لم تكن خالية من المطبات، إلا أن الصينيين عالجوا مشكلة الغش في الحليب من أساسها، بعقوبات كبيرة للغشاشين، وصلت إلى حد المؤبد والحكم بالإعدام.. وها هي الصرامة تعطي أكلها، حيث انتقلت “ييلي” من مرتبة جد متأخرة في الترتيب عند تأسيسها إلى المركز الأول في عدة تصنيفات عالمية(..).

وليس الحليب وحده.. ففي هذه المدينة الذاتية الحكم، التي تسمى عاصمة منغوليا الداخلية، رغم أن المغول أقلية(..)، يمكن التجول في متاحفها، وحدائقها، خاصة حديقة “هيهوت” الدولية، حيث تنتصب التماثيل العالمية العملاقة، في مشروع حديقة الحكمة، ضمن طريق الحرير الثقافي.. ويمكن الاستمتاع بالتراث اللامادي واللباس التقليدي.. المهم، أن الحكم الذاتي يشكل عامل قوة للنظام السياسي والإداري في الصين، وحل من الحلول الذي وضع لمواجهة مشكل الأقليات القومية، وهو منهج أصيل في الديمقراطية الصينية وليس إملاءً غربيا، كما تمليه المنظمات الغربية المتحيزة(..)، حيث تجعل منه وسيلة لتفكيك الدول وليس عاملا لتوحيد الجهود التنموية..

إن أول راع لنظام الحكم الذاتي كشكل من أشكال الديمقراطية، هو الرئيس شي جين بينغ نفسه، فبوصفه الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، هو من يتزعم نشر المقالات ((بشأن ممارسة الحكم الذاتي الشامل والصارم للحزب، لاستكشاف نهج ناجح لتجنب الدوامة التاريخية الخاصة بالصعود والهبوط من خلال الإصلاح الذاتي للحزب))، حسب ما تقوله وسائل الإعلام الصينية، التي تقول أيضا: ((يعتبر “قانون الحكم الذاتي الإقليمي القومي” قانونا أساسيا لتطبيق نظام الحكم الذاتي الإقليمي القومي الذي يحدده الدستور الصيني، ويشمل في مضمونه النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويوضح العلاقة بين الحكومة المركزية ومناطق الحكم الذاتي القومي، والعلاقة بين القوميات المختلفة في مناطق الحكم الذاتي القومي، ولا يسري مفعوله في مناطق الحكم الذاتي القومي فحسب، بل يجب أن يلتزم به وينفذه كل الشعب الصيني باختلاف قومياته وكل الأجهزة والهيئات الحكومية)).

قصة الحكم الذاتي تحكيها وسائل الإعلام الصينية وتقول: ((أنشئت منطقة منغوليا الداخلية ذات الحكم الذاتي، في منطقة قومية منغوليا التي تحررت تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني في عام 1947، أي قبل تأسيس جمهورية الصين الشعبية بعامين، وكانت هي أول منطقة ذاتية الحكم للأقليات القومية على مستوى المقاطعة في الصين، وبعد ولادة جمهورية الصين الشعبية، شرعت الحكومة الصينية تطبق الحكم الذاتي الإقليمي القومي في مناطق تجمع الأقليات القومية بشكل شامل، فتم إنشاء منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم في شهر أكتوبر 1955، ومنطقة قوانغشي الذاتية الحكم لقومية تشوانغ في مارس عام 1958، ومنطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي في أكتوبر عام 1958، ومنطقة التبت الذاتية الحكم في شهر شتنبر 1965، وبنهاية عام 2003، أنشئت في الصين برمتها 155 منطقة حكم ذاتي قومي، منها 5 مناطق ذاتية الحكم، و30 ولاية ذاتية الحكم، و120 محافظة (راية) ذاتية الحكم.

وحسب الإحصاء الخامس لسكان البلاد في عام 2000، تم لـ 44 أقلية قومية من الأقليات الخمس والخمسين، إنشاء مناطق حكم ذاتي خاصة بها، يمثل سكانها 71 % من مجموع عدد سكان الأقليات القومية، وتحتل مساحتها حوالي 64 % من مساحة أراضي كل البلاد.. ولما كانت بعض الأماكن المأهولة بأبناء الأقليات القومية، غير ملائمة لإنشاء مناطق الحكم الذاتي بسبب ضيق مساحتها وقلة سكانها وتشتتهم، ينص الدستور الصيني على أنه يمكن إنشاء الناحية القومية لتلك الأقليات القومية لكي يستطيع أبناؤها ممارسة حقهم في إدارة شؤونهم المحلية، وليكونوا أسياد مناطقهم، وفي عام 1993، أصدرت الحكومة الصينية “اللوائح حول الأعمال الإدارية للنواحي القومية” حرصا منها على ضمان تطبيق نظام الناحية القومية، وإلى نهاية عام 2003، أنشأت الصين 1173 ناحية قومية في أماكن مأهولة بأبناء الأقليات القومية ومعادلة للناحية، فصارت لـ 9 أقليات قومية من 11 أقلية قومية لم تطبق الحكم الذاتي الإقليمي لقلة سكانها وصغر مكانها، نواح قومية خاصة بها..)).

نفس المصادر تقول: ((مناطق الحكم الذاتي القومي في الصين مصنفة إلى ثلاث مستويات: “المنطقة الذاتية الحكم”، و”الولاية الذاتية الحكم”، و”المحافظة الذاتية الحكم”، وذلك على حسب عدد السكان ومساحة الأرض لتلك المناطق التي تسكنها الأقليات القومية، وكل مناطق الحكم الذاتي القومي لا تتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، ويجب لهيئات الحكم الذاتي في مناطق الحكم الذاتي القومي أن تحافظ على وحدة البلاد وتضمن الالتزام والتنفيذ للدستور والقوانين في مناطقها، وينبغي لكل من أجهزة الدولة الأعلى وهيئات الحكم الذاتي في مناطق الحكم الذاتي القومي، أن تعمل على صيانة وتطوير علاقات المساواة والتضامن والمساعدة المتبادلة بين القوميات المختلفة)).

بالنسبة لي كزائر للصين، سألت دبلوماسيا سابقا، كيف يمكن للصين الوثوق في نظام الحكم الذاتي علما أن هذا النظام يمكن أن يتحول إلى بذرة فتنة، للمطالبة بالانفصال فيما بعد؟ وقد كان سؤالي نابعا من القلق الذي يخلقه هذا النظام لمن يتلقون شكله وتصوره من وسائل الإعلام الغربية(..)، لكن الدبلوماسي الصيني أجابني قبل أن أزور “هوهيهوت” وأتأكد بنفسي بأن الخلاف حول هذه المسائل لا يمكن أن يتم، لأنه يجب “الاحتكام للدستور” بشكل صارم، وعند زيارة المنطقة الذاتية الحكم، والوقوف على مستوى التنمية على ضفاف النهر الأصفر، تم التأكد عمليا بأن نظام الحكم الذاتي يعزز الثقة أكثر مما ينقصها بين الدولة والمجتمع، خاصة إذا كان ناجحا كما هو الحال في الصين، أما في طريق العودة، فقد أحصيت بنفسي أكثر من 500 شاحنة (شاحنات الجر الضخمة) تتابع طريقها بانتظام على الطريق العام عبر خط مخترقة الجبال في المنطقة دون أثر للفوضى، ويمكن تخيل حجم السلع التي تخرج وتدخل إلى هذا المكان، الذي تسجل فيه حقول وأكوام الذرة حضورا لافتا.. شأنها شأن الصناعات الذكية لشاحنات الهيدروجين والكهرباء والطاقات البديلة، حيث تنتشر الألواح الشمسية في كل مكان داخل الحقول، فضلا عن صناعة طائرات “الدرون”، والزراعات الذكية، وأدوية الحيوانات.. ما يعني أن فضل الحكم الذاتي انعكس على رفاهية قطيع الماشية أيضا(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى