تحقيقات أسبوعية

للنقاش | لماذا فشلت جل محاولات التحالف بين الدول الإفريقية ؟

نتيجة الصراع الروسي الأمريكي

معلوم أن معظم دول إفريقيا أحرزت الاستقلال عن المستعمر الأوروبي في فترة الستينات والسبعينات إلا من بعض الاستثناءات، لكن هذا الاستقلال بقي منقوصا على اعتبار استمرار تدخل الدول المستعمرة في مستعمراتها السابقة من خلال إرساء شركاتها وحتى نظمها السياسية ومعاملاتها الاقتصادية، مما جعل معظم البلدان تفشل لحد الآن في الانسلاخ بشكل كلي عن الاستعمار رغم العديد من المحاولات من خلال إنشاء تحالفات اقتصادية، لكن الملاحظ أن الطابع العسكري ظل يغلب على هذه التحالفات الإقليمية مما يحكم عليها بالفشل في ظل استمرار التدخل الأجنبي، وخاصة من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية..

بقلم: جميلة حلبي

    من أجل إرساء قواعد الدول الإفريقية بعد الاستقلال، ظهرت فكرة إنشاء تحالفات للتعاون الاقتصادي في خمسينات القرن الماضي، من خلال “الاتحاد الجمركي” الذي تم تأسيسه سنة 1959 بين فيدرالية مالي، التي كانت تضم آنذاك السنغال ومالي، وبين “دول الوئام” وهي بوركينا فاسو والبنين والنيجر والكوت ديفوار، وفي الستينات، وبعد حصول معظم الدول على الاستقلال، برزت بقوة فكرة إقامة إطار للتعاون الاقتصادي والسياسي، فكانت أول خطوة في هذا الاتجاه اتخذها رئيس ليبيريا ويليام تومبان في العام 1964، حيث دعا إلى إقامة منظمة تعاون لدول المنطقة، وبالفعل، تم في سنة 1965 توقيع اتفاق للتعاون بين ليبيريا وساحل العاج وغينيا وسيراليون، وهو المشروع الذي تعثر وفشل في بدايته، وفي سنة 1972 أخذ الرئيسان النيجيري والطوغولي المبادرة من جديد على أمل إحياء هذا التحالف، وقاما بزيارة إلى 12 دولة لإقناع رؤسائها بالانخراط في المشروع، وفي سنة 1974 عقد اجتماع لخبراء قانونيين في العاصمة الغانية أكرا، لوضع النصوص التأسيسية، وفي مطلع عام 1975، انعقد اجتماع لوزراء الخارجية في مونروفيا عاصمة ليبيريا، وتم وضع اللمسات الأخيرة على الإعلان عن ميلاد المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين دول المنطقة كـ”أساس لاندماج اقتصادي شامل”، والتي وقعت عليها 15 دولة (غامبيا وغينيا وغينيا بيساو وليبيريا ومالي والسنغال وسيراليون والبنين وبوركينا فاسو وغانا وساحل العاج والنيجر ونيجيريا والطوغو والرأس الأخضر)، وهي المجموعة التي ظلت صامدة في وجه التقلبات الاقتصادية لكنها استطاعت التغلب على مجموعة من التحديات التي تعيشها كل دولة من دول المجموعة، اعتبارا لأن إفريقيا ككل كانت وقتها في طور البناء والتأسيس بعد استعمار مدمر من كل الجوانب، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ومن ذلك الوقت و”الإيكواس” تواجه تحديات كبرى تعيق تطوير عملها، لعل أهمها الانقلابات التي تحدث بين الفينة والأخرى في دول المجموعة، ثم إن أكبر مشكل واجهته هو انسحاب كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته النيجر يوم 24 ماي 2023، وتأسيس “تحالف دول الساحل” في شهر شتنبر من نفس السنة بعد تهديد “الإيكواس” بالتدخل العسكري لإعادة الأمور إلى نصابها، وذلك بدعوى العمل على وقف تصاعد الجماعات المسلحة في المنطقة، والتي تمكنت – وفق تقارير إعلامية – من قتل أزيد من 2050 مدنيا، غير أن الفشل يطبع عمل أو مسيرة هذا التحالف أيضا، بفعل التدخلات الأجنبية في المنطقة في ظل استمرار عمل مجموعة “فاغنر” الروسية إلى جانب مالي لمدة ليست بالقصيرة في مواجهة الجماعات المسلحة، ومؤخرا يدور الحديث عن تزويد أوكرانيا للمتمردين الذين يقاتلون في شمال مالي بطائرات مسيرة، حيث ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، أن “مقاتلي الطوارق في مالي يستخدمون طائرات مسيرة أوكرانية في إطار دعم سري ولكنه حاسم من كييف ضد جيش مالي ومجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة التي قالت إنها تقاتل إلى جانب الجيش”، في حين نفت أوكرانيا ذلك جملة وتفصيلا، حيث خرجت وزارة الخارجية الأوكرانية بتصريح يوم 14 أكتوبر الجاري، نفت من خلاله تزويد الطوارق بأي أسلحة، ورفضت اتهامها بذلك، غير أن ما يجري على الأرض يوحي بتدخلات أجنبية لصالح الطرفين، بعد أن تمكن انقلابيون من الاستيلاء على السلطة في مالي في سنة 2020 و2021، ولا زالت المعارك متأججة بين النظام الحاكم والجماعات الإرهابية التي تنشط في المنطقة منذ سنوات، ويتواصل القتال العنيف ضد المتمردين الطوارق على الحدود مع الجزائر، وفي شهر غشت الماضي، قطعت مالي علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا بسبب تصريحات لكييف بأن “المتمردين حصلوا على كل المعلومات اللازمة لشن هجمات أفادت بعض التقارير بأنها أسفرت عن مقتل عشرات من الجنود الماليين ومقاتلي فاغنر في شمال البلاد”.. بالمقابل، تتهم روسيا أوكرانيا بفتح جبهة ثانية ضدها من خلال دعم مقاتلين في ما سمتها “الدول الإفريقية الصديقة لموسكو”، إذ عملت روسيا على مضاعفة جهودها في السنوات الماضية لاكتساب نفوذ في القارة السمراء، بما في ذلك مالي، في ظل صراع القوى الكبرى على تثبيت أقدامها في القارة والحفاظ بالتالي على مصادر الطاقة بالخصوص، وأيضا مصادر الثروات والمواد الخام، وباعتبار إفريقيا كذلك مختبرا لتجريب الأسلحة المصنعة حديثا، حيث يساهم في ذلك تعدد الإثنيات والصراعات القبلية والعرقية، إذ لا زالت سياسات الدولة تنساق وراء تلك الصراعات، مما يجعل التمزق سيد الموقف، وهو ما يسهل تدخل القوى الأجنبية للتحكم في تلك الحروب..

ثم إن كان هناك ما يسمى”تحالف شرق إفريقيا”، الذي تم تعريفه على أنه “منظمة حكومية دولية إقليمية تضم سبعة دول هي: بوروندي وكينيا ورواندا وجنوب السودان وتانزانيا وأوغندا والكونغو”، وهو اتحاد سياسي مقترح كـ”دولة اتحادية واحدة” ذات سيادة مكونة من الدول السبع ذات السيادة في شرق إفريقيا، حيث كانت فكرة هذا الاتحاد مطروحة منذ ستينات القرن العشرين، لكنها لم تتحقق لعدة أسباب سياسية واقتصادية ساهمت في عرقلة ترسيخ هذا الاتحاد، وفي سنة 2018 تم تأسيس لجنة من أجل وضع دستور إقليمي للاتحاد بحلول سنة 2021 على أن يبدأ التنفيذ في سنة 2023، ولا زال التعثر حليف الاتحاد على الرغم من تأسيس بنك مركزي للمجموعة وعملة موحدة.. وذلك راجع إلى الفشل في القطع مع الفساد السياسي والديكتاتورية السائدة بمعظم هذه الدول، كما أن عامل اللغة والعرق يعيق بشكل كبير التوافق على العمل داخل هذه التكتلات الإفريقية.

تتمة المقال تحت الإعلان
اجتماع مجموعة «الإيكواس»

إضافة إلى هذه التحالفات، لا زالنا في شمال إفريقيا نعيش على وقع توقف عجلة اتحاد المغرب العربي عن الدوران منذ انطلاق العمل به سنة 1989 كتحالف مندمج يعمل – وفق مقررات التأسيس – على “تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعات دوله والدفاع عن حقوقها، وفتح الحدود بين الدول الخمسة لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها، ثم التنسيق الأمني والعسكري والدفاع المشترك عن سيادة البلدان الأعضاء في الاتحاد”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وللتذكير، فاتحاد المغرب العربي تأسس بتاريخ 17 فبراير 1989 بمدينة مراكش بعد سلسلة من اللقاءات بين قادة البلدان الخمسة: المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، وقد طرحت فكرة هذا الاتحاد قبل الاستقلال بشكل نهائي، وذلك في أول مؤتمر لأحزاب المغرب العربي الذي عقد بمدينة طنجة يوم 30 أبريل 1958، من طرف ممثلين عن حزب الاستقلال والحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وبعد الاستقلال تبلورت هذه الفكرة من خلال محاولات من أجل التعاون والتكامل بين دول المغرب العربي، خصوصا المغرب والجزائر وتونس، مثل إنشاء “اللجنة الاستشارية للمغرب العربي” سنة 1964 لتنشيط الروابط الاقتصادية بين هذه الدول المغاربية، و”بيان جربة الوحدوي” بين ليبيا وتونس سنة 1974، و”معاهدة مستغانم” بين ليبيا والجزائر، و”معاهدة الإخاء والوفاق” بين الجزائر وتونس وموريتانيا سنة 1983، قبل أن تتطور الفكرة إلى اتحاد يضم دول المغرب العربي، هذا الاتحاد الذي حكم عليه بالفشل من البداية، بعد تأسيس جبهة البوليساريو من طرف الجزائر وداعميها وغرس هذا الكيان في ضلع المغرب والتصعيد والمسار الذي عرفته قضية الصحراء المغربية، إضافة إلى توتر العلاقات بين تونس وليبيا، وموقف العقيد الليبي معمر القذافي تجاه قادة البلدان المغاربية بفعل قضية لوكيربي، وتطور الخلافات بين هذه الدول إلى اليوم، ومؤخرا تسارع الجزائر الخطى من أجل تأسيس اتحاد مغاربي بدون المغرب، ضدا على التقدم الذي أحرزته المملكة المغربية في ملف الصحراء، وهي المحاولات التي فشلت رغم عقد الرئيس عبد المجيد تبون عدة لقاءات مع رؤساء تونس وليبيا وموريتانيا..

ومن أجل مواجهة التحديات التي تواجهها اقتصادات معظم الدول الإفريقية، ارتأى الملك محمد السادس إطلاق “مبادرة الأطلسي” كتحالف استراتيجي برؤية جديدة تروم تنمية الدول الإفريقية المطلة على الساحل الأطلسي للقارة، إضافة إلى تمكين البلدان غير الأطلسية الراغبة في الانضمام إلى هذا التحالف من أجل الرفع من مستوى عيش ساكنة المنطقة والارتقاء بها إلى مصاف البلدان المتقدمة، حيث جاء في الخطاب الملكي لسادس نونبر 2023 بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء: ((إن المغرب كبلد مستقر وذي مصداقية، يعرف جيدا الرهانات والتحديات التي تواجه الدول الإفريقية عموما، والأطلسية على وجه الخصوص… الواجهة الأطلسية الإفريقية تعاني من خصاص ملموس في البنيات التحتية والاستثمارات، رغم مستوى مؤهلاتها البشرية ووفرة مواردها الطبيعية، ومن هذا المنطلق نعمل مع أشقائنا في إفريقيا، ومع كل شركائنا، على إيجاد إجابات عملية وناجعة لها في إطار التعاون الدولي، وفي هذا الإطار يندرج المشروع الاستراتيجي لأنبوب الغاز المغرب-نيجيريا))، وأكد الملك أن ((هذا المشروع يبتغي الاندماج الجهوي والإقلاع الاقتصادي المشترك، وتشجيع دينامية التنمية على الشريط الأطلسي، إضافة إلى أنه سيشكل مصدرا مضمونا لتزويد الدول الأوروبية بالطاقة، وهو نفس التوجه الذي دفع بالمغرب إلى إطلاق مبادرة إحداث إطار مؤسسي يجمع الدول الإفريقية الأطلسية الـ 23، بغية توطيد الأمن والاستقرار والازدهار المشترك..))، وكانت هذه الدعوة الملكية مفتوحة لكل الدول الراغبة في الانضمام إليها، وكعادتها انبرت الجارة الشرقية والدولة الشقيقة الجزائر إلى حشد حلفاء وهميين من أجل إفشال هذه المبادرة، وقامت بمحاولات لجر موريتانيا إلى جانبها وتأسيس تحالف مواز لمبادرة الأطلسي، ففشلت طبعا لأن كل مبادرات الجزائر تنبني على العداء للمغرب ليس إلا..

وهكذا.. فإن كل التكتلات الإفريقية التي تنشأ في الأول على أساس التكامل الاقتصادي والأمني والاجتماعي بين دول هذه الاتحادات، تفشل في الصمود وتتعثر عند أول كبوة، وذلك راجع لعدة أسباب لعل أبرزها التبعية للغرب بالدرجة الأولى، حيث أنه رغم استقلال دول القارة إلا أن اقتصاداتها بقيت مرتبطة باتفاقيات ومعاهدات طويلة الأمد مع مستعمراتها السابقة، وهناك أيضا الديون الخارجية التي ترهن هذه الدول مددا طويلة وتفرض عليها السياسات الاجتماعية التي يجب أن تتبعها، دون أن ننسى التكتلات الجيوسياسية التي تجعل معظم الدول الإفريقية خاضعة للإملاءات الخارجية، فالقارة الإفريقية شأنها شأن منطقة الشرق الأوسط، لا زالت محط صراع القوى الكبرى وسياساتها التوسعية وإن اختلفت مسميات المخططات التي تلجأ إليها الدول الصناعية الكبرى من أجل الاستمرار في توطيد مكانتها في الدول التي تريد حسب حاجتها لمصادر الطاقة، سواء من طرف الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو ألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا، وغيرها، فهذه القوى تستعمل دائما التدخلات العسكرية وتغذي الانقلابات لكي تحافظ على عدم الاستقرار السياسي في إفريقيا، ومن جهة أخرى، فليس من مصلحتها إنشاء تكتلات إقليمية في القارة، لأن هذه الاتحادات تعمل على تحقيق استقلالها من التبعية السياسية وتحقيق التكامل والاندماج الاقتصادي والارتقاء ببلدانها إلى مستوى أكبر يخول لها التحكم في ثرواتها عوض استنزافها من طرف القوى الإمبريالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى