تحت الأضواء | اغتيال السنوار.. يمهد لحركة مقاومة جديدة ضد إسرائيل
الرجل الذي احترمه خصومه أكثر من أنصاره


“بدأت الشمس بالغياب، وضوء النهار يتلاشى، والظلام يزداد في الحفرة التي آوينا إليها، وبدأ الخوف يتسرب إلى نفوسنا نحن الصغار، فبدأنا نتصايح ونتدافع للخروج، وأمي وزوجة عمي تمنعاننا، ثم نحاول الخروج فتصرخان: يا أولاد، الدنيا حرب.. ألا تعرفون معنى الحرب؟ حينها لم أكن أعرف معنى الحرب، ولكنني عرفت أنها شيء مخيف غير عادي ومظلم وخانق”..
هذه العبارة من ذاكرة يحيى السنوار التي دونها في غيابات سجون الاحتلال ومنحها عنوانا له دلالات سيميائية: “الشوك والقرنفل”.. هنا ينقل السنوار مسارا حافلا بالمعاناة، فهو ابن عالم النزوح الذي سيرى النور في خان يونس، حين تهجم الأمطار على أكواخ اللاجئين، وتجتاح المياه مراقد الأطفال، صورة ينقلها صبي لا يتجاوز حينئذ الخمس سنوات، وهي الصورة التي لا زالت حية في ملاجئ الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وخارجها، والملفت للنظر هنا، أن هذا الفدائي الذي قضى نحبه في حالة اشتباك مع جنود الاحتلال، لم يكن يوما يعرف ما معنى الحرب.. يكفي هذا النّص الذي كُتب بمشاعر دافقة، وثيقة تؤكد على أن الحرب هي صناعة الاحتلال، وبأن بيئة الاحتلال لم تسمح بأن ينشأ ابن المستعمرة بسلام.. حينها لم تكن “حماس” قد وُجدت بعد.
وفي تلك الظروف العصيبة، لم يحدث يوما أن اعترف الاحتلال بأي حق لهؤلاء، ففي كل تاريخ الكفاح الفلسطيني، كانت المقاومة في نظر المحتل جريمة، والمقاومون إرهابيين، وفي كل أطوار الكفاح الفلسطيني لا شيء تغير.. ربما الشيء الوحيد الذي تغير هو أن الاحتلال ليس وحده من يحتفظ بذلك التشنيع، بل اتسعت دائر التشنيع حتى مع اعتراف القانون الدولي بحق الشعوب المستعمرة في المقاومة.
دخلت الحرب في غزة عامها الأول، تجاوز فيها الاحتلال المدى وخرق كل قواعد الاشتباك، لا يوجد تناسب في رد الفعل، ففي هذه الحرب استهدف الاحتلال مناطق آهلة بالمدنيين، لم يظفر بمقاتلي “القسام” ولا بالأسرى الفلسطينيين الذين كان السنوار قد خطط لعقد صفقة تبادل لتحريرهم من سجون الاحتلال، في تكرار تجربة الصفقة التي استبدل فيها بالضابط الأسير شاليط عام 2011.
من جهته، كان الاحتلال قد وجد في عملية “طوفان الأقصى” فرصة سانحة لتطبيق المخطط الذي كان في طور استكمال آخر الاستعدادات لتنفيذه.. فلقد صمم على تفكيك “حماس” والسيطرة على غزة، تماما كما سيفعل في لبنان، حيث بات الهدف هو تفكيك “حزب الله”، وبعد عام من التدمير الممنهج، تبين للاحتلال أن هذا الهدف سيكون مكلفا، وبأن استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة ستزداد احتقانا على الاحتلال.. كان رأس السنوار هو المطلوب رقم واحد خلال عام من حرب الإبادة، وظهرت سرديات عديدة تؤكد على تواجده في الأنفاق محتميا بالأسرى. سيستيقظ العالم على خبر إصابة السنوار صدفة عند نقطة اشتباك، كان السنوار يشارك في العمليات المتقدمة ضد جيش الاحتلال، لقد قاتل حتى الرمق الأخير، وباتت عصى السنوار مضرب مثل، حيث رمى بها المُسَيَّرة التي أطلقها جيش الاحتلال.
في نظر الاحتلال، تكون “حماس” قد انتهت بموت العقل المدبر لعملية “طوفان الأقصى”، لكن في نظر السنوار نفسه، كان يعتبر ذلك أفضل هدية يمكن أن يقدمها الاحتلال، فالسنوار ليس هو من صنع المقاومة، بل هو صنيعة بيئة في حالة كفاح..

ما بعد السنوار..
عبر مسؤولون كبار عن ارتياحهم بعد مقتل من اعتبروه “رأس حماس”، وكما عبر بايدن بأن العالم بات أفضل مع رحيله، وكما عبرت هاريس أيضا بأن الوقت حان لبدء اليوم الثاني، وكان الصحفي إيشان ثارور قد لخّص ذلك الجدل في مقالة له في “الواشنطن بوست”، تحت عنوان: “هل بوسع رحيل السنوار جلب السلام لغزّة؟” حيث استشهد برأي داليا شبندلين، المحللة السياسية، على صفحات “الغارديان”، بأن ثمة إجماعا على وجود جسر إلى شيء ما؟ لكن السؤال: ما هو هذا الشيء؟ ويستعرض أيضا رأيا لريان كروكر، الدبلوماسي الأمريكي في مقابلة مع “بوليتيكو”، للرد على فكرة إمكانية وجود حل عسكري ضد ما يسميه بالإرهاب، بناء على مثال اجتياح لبنان عام 1982، الذي انتهى بإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ويقول بأن هذه الحرب كانت وقتها ناجحة تكتيكيا، لكنها تركت ميراثا كارثيا، تجلى في المذابح التي نفذتها ميليشيات متحالفة مع الاحتلال في حق اللاجئين في المخيمات وانتهت بظهور “حزب الله”، وقد بدا واضحا من هذا النقاش وجود التباس في مفهوم “النصر” و”الهدف النّهائي”، يقول الكاتب بأن قيام دولة فلسطينية مستقلة لن يرضى أحد في العالم – باستثناء رئيس الكيان – بأي شيء أقل من ذلك، والواضح أنه لن يكون نتنياهو شريكا في هذه الخطة مهما حاول خداع حليفه، يقول إيشان.
وهنا أؤكد على أن إقامة قياس بين اجتياح لبنان عام 1982 وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وبين الوضعين في كل من غزة ولبنان، لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية منظمة لبنانية، في حين يستحيل طرد جماعة مناهضة للاحتلال من بلدها، سواء في غزة أو لبنان، كما أن فكرة إنهاء حركة فدائية بتصفية رمزها هي فكرة تبسيطية، على الأقل في تاريخ الكفاح الفلسطيني، لم يكن ذلك هو الحل.. ففي كل حالات انتصار الاحتلال منذ النكسة، كان يدفع الحركات الفدائية إلى مستويات متقدمة من الكفاح الوطني، كان هناك عود أبدي لنقطة الاشتباك، ذلك لأن الالتفاف على السلام الشامل، عبر تسويات ملغومة أو صفقات غامضة أو عبر الإبادة الجماعية، لن ينهي القضية، فالسنوار هو في نهاية المطاف واحد من قادة حركة مناهضة للاحتلال ضمن حركات وفصائل موجودة أو ناشئة، وليس هو آخرهم ولا حركته هي آخر الحركات..
ليس أمام المنتظم الدولي إلا أن يقرر وضع حد فوري لهذا النزيف الذي يتهدد السلام العالمي، والقانون الدولي الإنساني، فلقد كان السنوار نتاجا فلسطينيا وليس العكس، لذلك، فإن ما سيأتي سيكون كارثيا بكل معنى الكلمة ما لم يتحمل النظام الدولي مسؤوليته الكاملة.



