تحقيقات أسبوعية

للنقاش | الاندحار السياسي للأحزاب يطرح سؤال إصلاح المنظومة الحزبية

يشهد المشهد السياسي المغربي في السنوات الأخيرة تراجعا خطيرا للأحزاب يؤكده سقوط أعداد كبيرة من المنتخبين ورؤساء جماعات في يد القضاء نتيجة الاختلالات المسجلة أو الاختلاسات أو لأسباب أخرى كثيرة.. في تناقض صارخ مع الرسالة أو المهمة التي جاءت أو تأسست من أجلها هذه التنظيمات السياسية، مما يؤشر على اندحار الأحزاب كمؤسسة وفشلها في تأطير التابعين لها من أجل المساهمة في بلورة وتحقيق انتظارات المواطنين اعتبارا للمسؤوليات التي يتحملونها في تدبير الشأن العام.

بقلم: جميلة حلبي

    يلمس المتتبع للشأن العام في المغرب بشكل واضح تدني الأداء الحزبي، بخلاف ما كان عليه الأمر في السنوات الأولى لتأسيس الأحزاب، فرغم أن الدستور نص في الفصل 7 على صلاحيات الأحزاب السياسية، حيث يقول: ((تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية…))، غير أن الفساد التدبيري الذي سقط فيه عدد كبير من المنتخبين من مختلف الهيئات الحزبية، وبمختلف مناطق المغرب، يضرب في العمق ما جاء به الدستور من أن الأحزاب يجب أن تلعب دورا كبيرا وإيجابيا في تأطير المنخرطين فيها والمنتسبين إليها وتكوينهم سياسيا على تحمل المسؤوليات تجاه الوطن وتجاه المواطنين الذين يمنحونهم أصواتهم في كل محطة انتخابية من أجل الدفاع والترافع عن قضاياهم وتحقيق انتظاراتهم في كل المجالات والقطاعات..

تتمة المقال تحت الإعلان

من الناحية القانونية، ففضلا عن أن الدستور حدد للعمل الحزبي مجموعة من القواعد التي يجب أن تنظم عمل المتحزبين أو المنتسبين للأحزاب، فإن المشرع فصل في طبيعة العمل الحزبي حتى يحقق النتائج المرجوة، ومن ذلك القانون التنظيمي رقم 29.11، الذي نص على مجموعة من البنود المتعلقة بالحكامة الحزبية والممارسة الديمقراطية الصحيحة حتى تساهم الأحزاب، كل من موقعه، في بلورة العمل السياسي على أرض الواقع، كما نجده يؤكد على إلزامية التداول على المسؤوليات وعدم الإبقاء على نفس الأسماء في مناصب المسؤولية، بما يتعارض مع مبدأ الديمقراطية.

تتمة المقال تحت الإعلان

بعد حصول المغرب على الاستقلال، كان أول حزب سياسي تأسس هو “كتلة العمل الديمقراطي”، وكان ذلك سنة 1934، حيث جاء تأسيسه في سياق الحركة الوطنية والدفاع عن المغرب ضد المستعمر، وبعد ذلك، توالى تأسيس أحزاب أخرى أبرزها حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، والأحزاب التي تفرعت عنهما، وأحزاب أخرى أملتها ضرورة الأحداث، والتي كانت كلها في البدء تقدم نفسها كمدافعة عن الشعب المغربي وليس فئة اجتماعية محددة كما هو عليه الأمر حاليا، وقبل ذلك بسنوات، ومع تطور الأحداث السياسية والمجتمعية، بدأت الأهداف والقرارات التي تتخذها الهيئات الحزبية في إطار التعدد الحزبي، تترجم على أرض الواقع، وبدأ العمل البرلماني.. مما فسح المجال أمام الرأي والرأي المخالف حسب وجهات النظر المتعددة بعد أن اتسعت دائرة المنخرطين في الأحزاب التي بدورها تعددت تسمياتها والأهداف التي على أساسها تأسست.. وقد تلت هذه الفترة مرحلة الانقسامات والانشقاقات مما أعطانا فسيفساء حزبية في إطار العمل بالتعدد الحزبي، حيث بدأت تتبلور الهوية الحقيقية للأحزاب، وبدأت البرامج الحزبية تتعدد وتختلف من محطة انتخابية إلى أخرى.. وبدأت الصراعات بين الأحزاب على المناصب الوزارية والبرلمانية والتشريعية وما إلى ذلك، ومن تم انطلق الصراع بين أعضاء الحزب الواحد حول المناصب وما يرافق ذلك من تموقع داخل المجتمع، مما ساهم بشكل كبير في تمييع المشهد الحزبي بصفة عامة، وهو بدوره ما أوصل المشهد السياسي إلى ما وصل إليه اليوم من اندحار بفعل الفساد المستشري في معظم الأحزاب، حيث لا تكاد تخلو جماعة ترابية من الملاحقة القضائية لمنتخبين كانوا أثناء الحملات الانتخابية ينادون بالإصلاح وتحقيق انتظارات المواطنين والدفاع عنهم تحت قبة البرلمان أو كرؤساء لجماعات ترابية.. لكن بمجرد ما يتبلص هؤلاء حتى تبدأ النوايا الخفية للمفسدين ويبدأ التلاعب في الصفقات العمومية وفي الاستثمارات والاستيلاء على المال العمومي واستخدامه للمصلحة الشخصية.. وغير ذلك من أوجه الفساد في التسيير وتدبير الشأن العام، ولو كانت الهيئة الحزبية محصنة بالمبادئ وبالقوانين وكانت ملتزمة بما جاء في الدستور.. لما تفجرت فضائح الفساد التي أوصلت المغرب إلى هذا المستوى الذي شهده في عهد مسؤولين بنوا “إمبراطوريات” من المال الحرام قبل أن تتحرك الجهات الأمنية والقضائية المعنية والمتابعات لا زالت مستمرة..

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد أدت كثرة الخلافات التي تشهدها الأحزاب السياسية إلى انشقاقات وميلاد أحزاب سياسية جديدة، وبالتالي، فإن التعددية الحزبية غير قائمة على الخلافات الإيديولوجية، بل إنها قائمة على الخلافات بين الزعماء أو بين القيادات والقواعد، ومن ذلك أن يقود خلاف إلى تغيير اللون الحزبي، وهذا وقع غير ما مرة، ما يؤكد أن التعددية عندنا هدفها الطموحات السياسية وليست تعددية إيديولوجية.

فما يقع من اندحار سياسي في المنظومة الحزبية، يؤكد عدم كفاءة النخب الحزبية وعدم إلمامها بالمقتضيات القانونية والتدبيرية، مما ينعكس سلبا على تجويد العمل في مختلف المؤسسات التسييرية، وبالتالي، فهذا هو ما يضعف العمل السياسي، ويقف أمام إخراج المشاريع التنموية إلى حيز الوجود، في ظل غياب تكوين مستمر للنخب ووجود منتخبين أميين وأيضا ما يمكن تسميته بـ”المراهقة السياسية” حيث هناك من ينضم لبعض الأحزاب فقط من أجل الظهور في المشهد السياسي والشهرة، ويبقى الشخص بعيدا عن العمل السياسي مساهما في تراجع قيمة الحزب كهيئة تنتظم للدفاع عن حقوق المواطنين وانتظاراتهم، وهو ما يطرح سؤال إصلاح المنظومة الحزبية، وفي هذا الوقت بالذات الذي تخطو فيه بلادنا خطوات كبرى نحو الجهوية الموسعة، التي يقتضي تطبيقها الحكامة الجيدة والممارسة الفعلية للديمقراطية، وبالتالي إفراز نخب سياسية حقيقية مؤطرة جدا، ما سيؤدي إلى ترشيد القرار الحزبي وعقلنة الموارد المالية وتأهيل الموارد البشرية وتبني برامج سياسية حقيقية، بخلاف ما نعيشه حاليا من اختلالات في تدبير الجماعات الترابية، قروية وحضرية، تتطلب من الأحزاب تحمل مسؤوليتها كاملة والعمل على تنقية الأحزاب من كل ما أدى إلى إفراغها من الأهداف التي تأسست عليها، وخاصة الأحزاب التاريخية، كما أنها مطالبة قبل الاستحقاقات المقبلة أن تقوم بغربلة واسعة على مستوى الأفراد، فالعمل الإيجابي في الكيف وليس في الكم، كما أن تجديد القيادات بات من ضروريات تخليق العمل الحزبي، وليس التهافت على الزعامة وحشد المناصرين كما نراه في جل المؤتمرات الوطنية للأحزاب، فالخطاب السياسي والتعبئة السياسية تقتضي التعامل بالموضوعية مع المواطن ومع “صغار” الحزب، بما يجعل منهم شركاء في القرارات وليس فرقاء سياسيين تقودهم المصالح الضيقة إلى الانقلاب على أنفسهم وعلى الحزب، مما يؤثر سلبا على العمل السياسي.

كما أن هناك إشكالا آخر، ساهم بشكل كبير في اندحار العمل الحزبي، ويتعلق الأمر بـ”الديمقراطية الداخلية”، التي لا يتم تطبيقها بين أعضاء الحزب الواحد، والدليل احتكار الزعامة ومناصب القيادة من طرف نفس الوجوه لسنوات طويلة، ما يطرح التساؤل: كيف يمكن أن يتبنى حزب الديمقراطية في برنامجه الانتخابي أو الحكومي وهو لا يطبقها داخل حزبه، وهو ما تؤكده العقبات التي تعترض المؤتمرات الوطنية للأحزاب، حيث غالبا ما تفشل في المحطة الأولى لتعيين قيادات الحزب، كما أن هناك أحزاب يغلب عليها منطق الانتماء الجغرافي، والانتماء القبلي، وتقديس زعيم الحزب، وغيرها من الأمور التي تقف عقبة أمام تجويد العمل الحزبي والدفع به إلى الأمام ليساير ويواكب السياسة التي يتبناها المغرب بقيادة الملك محمد السادس والتي جعلت المملكة في مصاف الدول الكبرى..

وبالنسبة للشق المتعلق بالدعم المالي، فنجده قد خلق مشاكل عديدة مع وزارة الداخلية، وأصبح بمثابة ثراء سياسي تستغله الأحزاب في حشد التابعين دون نتيجة، فمبالغه الكبيرة جدا ساهمت في تمييع الحملات الانتخابية، التي أصبحت في السنين الأخيرة بمثابة حفلات يغلب عليها طابع الكم فقط، وحشد الأصوات والدعاية لتمجيد زعيم الحزب، أما البرامج الانتخابية فكلها تتشابه، وفي التطبيق أو التنزيل على أرض الواقع، فتمة اختلاف كبير، وقصور في النتائج.

إن ما نعيشه اليوم من أزمات في كل الأحزاب، سواء كانت تسييرية أو أخلاقية، يؤكد أن التهافت على الأحزاب يكون من أجل التستر وراء المناصب لخدمة الأغراض الشخصية، كما يؤكد غياب الإدراك والوعي بالعمل الحزبي الذي أساسه تعبئة الشبيبات الحزبية بالشكل الذي يجعلها مؤهلة لتحمل المسؤولية المنوطة بها عند تسلم المناصب كمنتخبين في مختلف الجماعات والبرلمان والوزارات.. لا أن يعيش المغاربة مسرحيات كالتي تقع في مجلس النواب مثلا، أما الجماعات المحلية فحدث ولا حرج.. والدليل الفضائح التي تشهدها مختلف العمالات والأقاليم من إقالات ومتابعات قضائية وهروب البعض إلى الخارج للإفلات من العقاب بعد تجميع ثروات غير قانونية، في وضعية تستدعي مراجعة شروط الانتماء الحزبي التعامل بقبضة من حديد تجاه كل من تسول له نفسه التلاعب بمصائر المواطنين وبالمال العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى