المنبر الحر

المنبر الحر | معظم النار من مستصغر الشرر.. حتى لا يبقى شبابنا ضحية للمخدرات

بقلم: عثمان محمود

    حقا إن كل صعب على الشباب يهون، على اعتبار أن هذه المرحلة العمرية تتميز بالاندفاع والحيوية والفتوة والطموح والتحدي، وما إلى ذلك من الصفات التي تجعل منها مرحلة العطاء والإنتاج، ولا غرو والحال كذلك، أن تعقد الأمم على شبابها آمالها، وتعلق عليهم مطامحها ومبتغياتها فيما يأتي من الأعوام، فتحرص بذلك على إعدادهم وتكوينهم، وتصرف لأجل هاته البغية الأموال والجهود.. لكن ما يحز في النفس ويؤلمها، هو أن يهون على شباب اليوم، فيما تهون عليه من أمور، الصحة، ذاك التاج الذي تتوسطه جوهرة نفيسة، فهذا لعمري ما لا يقبله عقل ولا يرضاه منطق، ولا يستسيغه فكر، وإلا بماذا نبرر اندفاعهم الأهوج، وإقبالهم الأرعن على المخدرات التي تعددت أصنافها، وزادت حدتها وتأثيراتها الضارة والمهلكة للأبدان والعقول والأنفس والمجتمعات، وتيسرت إلى حد ما سبل الحصول عليها، فتزايدت – للأسف البالغ – أفواج الضالين وسط متاهاتها المتشعبة..

إن أثر الإدمان على هذا الوبال بات واضح المعالم على وجوه المراهقين والشباب، حيث لا تخطئه العين من أول نظرة، سواء كانوا بعد على طاولة الدرس والتحصيل، أو خلف العربات المحملة بالخضر والفواكه وما إليها، أو في ورشات العمل، وما يتطلب ذلك من كد وعناء وتركيز، ولا داعي هنا للحديث عن ضرر تلك السموم الخطيرة على الأنفس، فالأسر التي لها أبناء مدمنون أدرى بتصرفاتهم الخرقاء، واندفاعاتهم غير المحسوبة العواقب التي يصل أثرها العنيف إلى الشارع، ولا أدل على ذلك من ما يحدث عقب انتهاء بعض مباريات كرة القدم على وجه الخصوص، حيث يعيث أفراد في سن متقاربة، بدون شعور ولا وعي، فسادا في كل ما تصادفه أيديهم كما لو أنهم ليسوا جمهور لعبة رياضية من المفروض أن ترقى بالنفس إلى درجة الانضباط والإحساس بالسكينة والارتياح، بل أكثر من هذا، فقد أضحى أثرها العنيف ذاك يتخطى أسوار المؤسسات التعليمية مهد التربية بمختلف تفرعاتها، والتعليم بكل تخصصاته، إذ غدت تلك الآفة المقيتة المسؤولة الأولى عن الكثير من أعمال الشغب الفردية والجماعية التي لا تفتأ الأخبار تتناقلها من داخل الفصول الدراسية ومن خارجها، فإذا كان هذا هو الحال، فكيف سيكون المآل ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الإقبال المحموم من طرف هذه الفئة العمرية على المخدرات، هدر واضح للطاقات التي من المفروض أن تدير دواليب المجتمعات على طول العقود القادمة، وإتلاف للعقول المبدعة التي عليها تبنى المشاريع المستقبلية، وإنهاك للميزانيات بدء من الأسرة التي دخل أحد أبنائها في زمرة المدمنين على المخدرات، وانتهاء بالقطاع المشرف على الصحة العامة، بدنية كانت أو نفسية. نعم، الكفاح من أجل الحد من خطورة هذه الآفة ليس بالسهل الميسر، بيد أنه ليس من رابع المستحيلات، إذا صحت العزائم، وصدقت النيات، وتحددت التطلعات، وتكثفت الجهود من أجل التقليل الفعلي من المقبلين عليها، في تواز مع محاربة لا هوادة فيها للمروجين الصغار بالدرجة الأولى، فالآمال هنا معقودة على أكثر من جهة لتحقيق الهدف كاملا غير منقوص، فالمناهج الدراسية المعدة بالشكل المدروس، في إمكانيتها إعداد تلميذ عارف الخطورة الحقيقية لذلك الوبال على ذاته، ومستقبله، وأسرته، ومجتمعه، والإعلام بكامل أصنافه مطالب هو الآخر بالتوعية الممنهجة والمتواصلة، من خلال البرنامج الهادف، والمسلسل الناجح، والوصلة الدعائية التحسيسية المتكاملة التي تخاطب القلوب والعقول على قدم المساواة، والجمعيات والأندية من جهتها مطالبة بشغل أوقات هذه الفئة العمرية فيما يعود عليها بالتأثير الإيجابي على الأبدان والعقول والمشاعر.. وهكذا، فإذا تظافرت جهود كل هؤلاء وغيرهم، سيقل – بلا شك – زبناء أولئك المروجين الصغار الذين ينبغي استقطابهم هم الآخرين في إطار إصلاح للذات، وتشجيع مغر على مزاولة أعمال غير مشبوهة، بما يعود عليهم وعلى من حولهم بالنفع والمردودية.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن صب الاهتمام على خطورة تعاطي وترويج المخدرات بإخلاص صادق، سيقلل بلا أدنى ريب من حدة رواج هذه السموم الخطيرة، لأن التركيز على المدمن والمروج القريب منه، يضرب في العمق المروج الكبير، إذ كان وما زال الزبون هو عصب حياة كل تجارة صغيرة أو كبيرة، مشروعة أو غير مشروعة. فلنهتم بأبنائنا، ولنبعدهم بالطرق الفعالة والمسؤولة عن أول جرعة ماحقة ومهلكة، فقديما قالوا: “معظم النار من مستصغر الشرر”..                                                    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى