تحقيقات أسبوعية

حديث الأربعاء | لبنان.. وتستمر الحياة

بقلم: عبد الرفيع حمضي

    لعل الجغرافيتين الطبيعية والسياسية جعلا من لبنان يعيش بين فكين، حيث لا يستطيع الهروب من قدر موقعه المطل على البحر المتوسط، ولا من عمقه في الشرق الأوسط بامتداده المذهبي والديني كمهد للديانات التوحيدية.. هذه الديانات التي سيحولها تنازع المصالح في المنطقة إلى بؤرة ملتهبة، بين شيوعية الرفيق بريجنيف وليبرالية العم ريغن، وترقب جيسكار، ووحشية شارون، وطمع الأسد، وأريحية آل سعود، وعمامة الخميني.

فأصبح لبنان من الواحد الموحد، من الشمال إلى الجنوب، والذي كان “يطبع والعالم العربي يقرأ”، إلى لبنان ستريدا جعجع وميشال عون ونبيه بري ورفيق الحريري وحسن نصر الله ووليد جنبلاط والبشير الجميل، وثمانية عشر طائفة، كل خيوطها خارج الحدود.

فكان ما كان، وكلما التقيت اللبنانيين في العالم أجمع إلا وتتفاجأ بتلك الروح المرحة العاشقة للحياة، وبالحب الأزلي لكل شبر في لبنان، وتلك الرغبة الجامحة في العودة للدعم المباشر بعد الدعم عن بعد، وهم الذين تجاوز عددهم ثمانية ملايين في الخارج مقابل أربعة ملايين في الداخل وكأن الذين غادروا أرادوا تكرما منهم أن يفسحوا المجال لمخيمات الفلسطينيين وللنازحين السوريين، فالبلد لا تتجاوز مساحته 10452 كلم2.

تتمة المقال تحت الإعلان

تقاتلت الطوائف في حرب قيل عنها أهلية، من 1975 إلى 1990، وكان أشدها حرب 1982، حين عزمت إسرائيل على استئصال منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، فطلب شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي، غطاء من كبيره في البيت الأبيض، ألكسندر هيغ، وأمره هذا بالتريث في انتظار “استفزاز واضح يعترف به العالم”، وما إن قامت جماعة أبو نضال بمحاولة اغتيال سفير إسرائيل في لندن حتى أطلقت إسرائيل يدها يوم 6 يونيو، فبدأ القصف الجوي على صيدا وقرى النبطية وقلعة الشقيف الاستراتيجية، وفجر يوم 10 يونيو، كانت القوات البرية الإسرائيلية عند مداخل بيروت، وبتواطؤ كتائب الداخل، فكان ما كان، وكانت مجزرة صبرا وشاتيلا التي لا تزال في الذاكرة الإنسانية كواحدة من أبشع عمليات الإبادة.

تتمة المقال تحت الإعلان

من نتائج الحرب وجبروت إسرائيل، التي كانت تسعى للقضاء على المقاومة الفلسطينية، أنها أسفرت عن ميلاد مقاومة جديدة، هذه المرة على أساس ديني ومن أهل لبنان أنفسهم، أطلقت على نفسها “حزب الله”.

شاءت الظروف أن أزور لبنان سنة 1993 في نشاط شبابي عربي، وهي الجريحة الخارجة توا من حرب استمرت 15 عاما، كانت بيروت خرابا في خراب، ولم نكن نتحرك جماعة إلا والجيش اللبناني يطوق الوفد في كل تحركاته. ولم يكن مقبولا أن نكون هناك ولا نتسلل لزيارة صبرا وشاتيلا، ونحن الذين رددنا كل الأغاني الفلسطينية وهي تحكي عن مقاومة صبرا وشاتيلا في الجامعات ودور الشباب والمخيمات، وهناك، كان الحزن والدموع والألم، لكن لعب الأطفال فوق الخراب كان يوحي بالإصرار على الحياة والأمل في المستقبل.

من ذكريات ذلك السفر، أننا كنا ثلاثة نقيم في نفس الغرفة، وفي أمسية واحدة، كان لكل منا دعوة عشاء، ومن مكر الحياة أن الدكتور الطيب حل ضيفا على عائلة شيعية، ورئيس الوفد، أحمد العراقي رحمه الله، كان ضيفا على عائلة سنية، أما عبد ربه فقد حل ضيفا على عائلة مسيحية، بدون أي تخطيط مسبق.. هذه هي لبنان.

أما في يوليوز 2006، فقد تربصت إسرائيل بلبنان، وعملت كذلك بنصيحة الداهية ألكسندر هيغ السابقة، وانتظرت “استفزازا واضحا يعترف به العالم”، وقتها كان “حزب الله” قد اشتد عوده، وتولى أمانته العامة حسن نصر الله، فقام بأسر جنود إسرائيليين لإلزام إسرائيل على التفاوض من أجل إطلاق بعض المعتقلين اللبنانيين الذين مر على اعتقالهم أكثر من عشرين سنة، وعلى رأسهم سمير القنطار، فزحفت إسرائيل جوا وبرا في حرب أطلق عليها “حرب لبنان الثانية”، لكن هذه المرة كانت المقاومة اللبنانية، بقيادة “حزب الله” جاهزة، وعلى مدى 34 يوما من الاقتتال، خرج “حزب الله” منتصرا، وزادت قوته في المنطقة وفي الساحة السياسية اللبنانية، مما زاد من خلط الأوراق في لبنان على مستوى رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان.

على غرار باقي الدول التي لها رعايا في لبنان، أمر الملك محمد السادس بنقل المواطنين المغاربة العالقين هناك، فتم إحداث جسر جوي مع دمشق، وتم إرسال طائرات عسكرية، كما أعطيت التعليمات أن يتم استقبالهم في مطار الرباط، حيث كان عمر عزيمان هو الرئيس المنتدب لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، وكنت ممثلا للوزارة المنتدبة المكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، ومسؤولين آخرين، وعند استقبال العائدين، سررنا أن من بينهم كان مواطنون جزائريون، وقبلت السلطات المغربية نقلهم مع المواطنين المغاربة في خطوة تضامنية وفي لحظة حرجة، حيث كان الجميع يقول: “أنا ومن بعدي الطوفان”.

وفي 2010، عدت إلى بيروت لحضور مؤتمر مهني.. كان مشروع إعمار بيروت يتقدم، والحياة تعود إلى أحيائها، والنقاش على أشده بين الطوائف من أجل تشكيل الحكومة، والخلاف مستمر نهارا، لكن الحياة لا تتوقف ليلا في شارع الحمراء، شارع الثقافة والفن، حيث العروض السينمائية والمسرحية والأندية والمطاعم، لا فرق بين سني وشيعي ومسيحي وفلسطيني وسوري ولبناني.. إنها الحياة.

الآن، ها هي حرب لبنان الثالثة قد انطلقت بغطاء أمريكي ملزم وبدون استئذان قبلي ولا حتى عملا بنصيحة ألكسندر هيغ، وها هم الضحايا يسقطون، والتدمير مستمر، واستعمال الجيل الجديد من الأسلحة الإلكترونية قد فتح له الباب، وحسن نصر الله استشهد.. فهل انتهت المعركة ؟

تبا لمن لا يتعلم من التاريخ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى