تحقيقات أسبوعية

للنقاش | بين فلسطين ولبنان وإيران.. هل يتحول “طوفان الأقصى” إلى حرب عالمية ثالثة ؟

ما بعد هزيمة إسرائيل وأمريكا ميدانيا

إن ما يقع من أحداث مؤسفة في منطقة الشرق الأوسط من خلال التدمير الممنهج للعرب والمسلمين على يد الآلة الهمجية الإسرائيلية وداعميها طبعا.. يؤشر على دخول المنطقة في حرب مفتوحة لا أحد يمكنه التنبؤ بمخرجاتها ويمكن أن تتطور إلى حرب كونية مفتوحة على كل الاحتمالات في حال تدخل دول عربية أو مسلمة لمساندة فلسطين ولبنان، أو حتى إيران.. هذه الأخيرة التي من خلال ردها على إسرائيل يبدو أنها ستجر معها الأردن إلى ساحة الحرب عندما تمر صواريخها فوق المجال الجوي للمملكة الأردنية، كما أن سوريا ليست ببعيدة أن تشملها الحرب المباشرة اعتبارا لنزوح آلاف اللبنانيين فوق أراضيها في حالة ملاحقتهم من طرف القوات الإسرائيلية..

بقلم: جميلة حلبي

    بعد مرور عام على عملية “طوفان الأقصى”، واستمرار استقواء الاحتلال الصهيوني على الفلسطينيين، واتساع دائرة التدخلات مما أدى إلى تشابك خيوط العمليات العسكرية، كل هذا يؤشر على وجود من يريد للعالم أن يدخل في حرب عالمية ثالثة تنطلق من الشرق الأوسط باعتبار المنطقة مهيأة سلفا للاشتعال، فمما لا شك فيه أن “طوفان الأقصى” كانت عملية نوعية في وجه الاحتلال الصهيوني جرحت كبرياءه وكبرياء من وراءه، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، وسيبقى ذلك التاريخ مشهودا.. فلم يكن أحد ينتظر أن تتخذ حركة المقاومة “حماس” تلك الخطوة في مواجهة الاحتلال بهذا النوع والكيف.. لكن ما بعد هذه العملية جعل كل موازين القوى تعيد حساباتها الجيوسياسية في المنطقة، فالغرب، ومن خلاله الآلة الحربية التي يستعملها في المنطقة والمتمثلة في إسرائيل، لا يريد أن ينهزم أو يهزم مشروعه السياسي والاقتصادي الكبير الذي سماه “الشرق الأوسط الكبير”، الذي يعمل على تحقيقه على أرض الواقع منذ عقود، والذي من أجله يتم إضعاف كل المبادرات العربية في المنطقة من خلال الاتفاقيات التجارية التي تبقى ورقة سياسية في مواجهة الأطراف الرافضة لاستقواء إسرائيل على الدول العربية والإسلامية، وفي مواجهة كل المنظمات الإقليمية والحقوقية الداعمة لفلسطين والرافضة لاستمرار إسرائيل فوق الأراضي العربية..

وبعد مقتل إسماعيل هنية في إيران، اختلطت بعض الأوراق السياسية، ذلك أن رد إيران على إسرائيل بعدما اتهمتها باغتيال رئيس حركة “حماس”، وانهزام إسرائيل أمام المقاومة الفلسطينية، رغم أن عدد الشهداء لا زال ماضيا في الارتفاع (أزيد من 42000 شهيد و100000 مصاب، حسب وزارة الصحة في قطاع غزة) والخسائر المادية لا يمكن حصرها في الوقت الراهن، ثم تعالي الأصوات المنادية من داخل إسرائيل باستقالة نتنياهو، والدعوات التي لا تكف من أجل وقف الحرب حتى من طرف إسرائيليين أنفسهم، والاحتجاجات المتواصلة في معظم الدول الغربية ضد سياسة الإبادة في حق الفلسطينيين.. كل هذا أدى إلى تأجيج الغطرسة الإسرائيلية بعد تدخل “حزب الله” اللبناني لمساندة الفلسطينيين والرد على ذلك باستهداف الجنوب اللبناني حيث يتمركز “حزب الله” وأتباعه، وقيام إيران بالرد على الضربات العسكرية الإسرائيلية، مما يجعل المنطقة مفتوحة على صراع من نوع آخر أساسه أكون أو لا أكون بالنسبة لكل الأطراف، فهذا الصراع من أجل البقاء حتما سيعيد تشكل خريطة الشرق الأوسط، وهو ما كان الغرب يسعى إلى تحقيقه في مقابل المناداة بتحرير الأراضي الفلسطينية والعربية من الوجود الصهيوني..

تتمة المقال تحت الإعلان

فمخطط “الشرق الأوسط الكبير” بدأت أمريكا في تنفيذه منذ أن عرضت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، رؤية إدارة بوش لمستقبل المنطقة في سنة 2006، وقالت “إن ذلك سيتم من خلال الفوضى الخلاقة”، وهي العبارة التي كررتها بعد بضعة أسابيع خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت عندما اندلعت حرب لبنان سنة 2006، ومنذ ذلك الوقت وأمريكا وحلفاؤها يعملون على تحقيق هذا الذي سموه “الشرق الأوسط الجديد”، حيث صرح وقتها الخبير الاستراتيجي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، زبيغنيو بريجنسكي، بأن “هناك صحوة سياسية تحدث في المنطقة، والتي قد تكون مؤشرا على عالم متعدد الأقطاب يتطور الآن”، ولكن ونحن نعيش في فترة إرساء نظام عالمي جديد، كل دولة تحاول أن تجد لها موطئ قدم فيه.. تعمل إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية على “قولبة” الشرق الأوسط وفق منظورها الخاص، ببسط السيطرة على المنطقة العربية والإسلامية، وقد ساعدتها في ذلك “اتفاقات القرن”.. وهي ماضية في تحقيق طموحاتها السياسية والعسكرية بالعمل على توسيع رقعة الصراع لتشمل لبنان وإلى إيران، كما أنه من غير المستبعد أن تمتد خيوط اللعبة السياسية إلى سوريا، التي لم تستجمع بعد قواها منذ أحداث الربيع العربي وما تلاها من انقسامات وحرب داخلية وتدخلات خارجية، كما أن الحدود المفتوحة بين لبنان وسوريا قد تعجل بجر بشار الأسد إلى الرد، خاصة بعد بوادر التصالح السوري التركي، الذي نادى به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد “إخماد” الملف الكردي في المنطقة، وهناك دولة أخرى من المحتمل جدا أن تصبح رحى للصراع الدائر حاليا بين إسرائيل وإيران، وهي الأردن، هذا البلد الذي ظل مساندا مدافعا عن القضية الفلسطينية رغم ما عاناه في الماضي بسبب الصراع الدائر في المنطقة، دون أن ننسى ورقة أخرى لوحت بها إسرائيل منذ عملية “طوفان الأقصى” وهي تعمل على الزج بمصر في هذا الصراع وتحميلها مهمة إيجاد أرض للنازحين عبر رفح.. كل هذا في ظل تأكيد المملكة العربية السعودية على عدم التوقيع على اتفاق التطبيع مع إسرائيل ما لم تتم إقامة دولة فلسطينية، حيث صرح ولي العهد محمد بن سلمان غير ما مرة برفض المملكة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية، ودون وقف الجرائم الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، رغم أنه سبق أن صرح لوسائل إعلام بأن “التطبيع بين الرياض وتل أبيب يقترب كل يوم أكثر فأكثر”، ورغم تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو في مقر الأمم المتحدة بأن “بلاده على عتبة إقامة علاقات مع السعودية”.

تتمة المقال تحت الإعلان
Iran Military Drill

بينما إسرائيل لا زالت ماضية في تطبيق سياستها التدميرية للفلسطينيين، حيث أعلن مكتب نتنياهو أن “الحكومة الأمنية المصغرة قررت توسيع أهداف الحرب الراهنة لتشمل إعادة سكان شمال إسرائيل إلى بيوتهم”، وهذه الأهداف – حسب وسائل إعلام عربية وعبرية – تتجلى في: “القضاء على قدرات حماس العسكرية وإنهاء حكمها في قطاع غزة”؛ “إعادة الرهائن المحتجزين في غزة” (تمكنت القوات الإسرائيلية من تحرير عدد قليل منهم)؛ “ضمان عدم تشكيل قطاع غزة تهديدا لأمن إسرائيل في المستقبل”، وهذا يعني أن الحكومة الإسرائيلية قررت عدم السماح لـ”حزب الله” وترسانته العسكرية بالبقاء على حدودها الشمالية، أي جنوب لبنان، وهو ما تعمل على تحقيقه بضرب معاقل “حزب الله” وقتل قيادييه من أجل استئصال جذور المقاومة، كما صرح بذلك وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، من أن “العمل العسكري هو السبيل الوحيد المتبقي لضمان ذلك”، رغم أن حزب الله كان قد أكد قبل اغتيال زعيمه حسن نصر الله بأنه “أشعل الجبهة مع إسرائيل في طريق دعمه لغزة، وأنه سيوقف إطلاق النار فور التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب في القطاع”.. لكن اغتياله وضع المقاومة في مفترق الطرق وأصبح الوضع أكثر تعقيدا في ظل استمرار اغتيال قيادات “حزب الله”، وفي ظل فشل المفاوضات بشأن وقف الحرب على غزة واشتعال حرب البلاغات بين إسرائيل وإيران يؤجج بدوره الصراع، خاصة بعد خطاب مرشد الثورة الإيرانية، علي خامنئي، يوم الجمعة الماضية في خطبة صلاة الجمعة عندما قال: “إن إيران لن تماطل أو تتعجل في أداء ما عليها في مواجهة إسرائيل”، وأكد أن “إسرائيل لن يكتب لها البقاء، وأن كل ضربة ضد إسرائيل تخدم المنطقة بأجمعها”.. والسؤال المطروح: هذه الحرب هل ستخدم إيران على اعتبار كل صراعاتها من أجل السلاح النووي، أم فلسطين التي لا تقوى على مجاراة هذه الصراعات فوق أراضيها منذ ما يزيد عن القرن، أم لبنان، البلد الذي يعاني من تعدد الطوائف والانقسامات السياسية التي تساهم في تأزيم أوضاع البلد في كل انتخابات رئاسية وتشريعية، أم الأردن التي يراد لها أن تدخل الحرب انطلاقا من مجالها الجوي وهي التي لطالما احتضنت المقاومة الفلسطينية وعانت ما عانته بسبب ذلك، والقصة طويلة، حيث في كل مرة تقصف إيران إسرائيل يسقط صاروخ فوق أراضيها ؟

لماذا في هذا الوقت بالذات خاطب خامنئي باللغة العربية وانطلاقا من المسجد وليس من أي منبر آخر، هل لاستمالة/استدراج الدول العربية إلى هذه الحرب وحشد المؤيدين من أجل التكتل في مواجهة إسرائيل ؟ متى كانت نوايا إيران سليمة تجاه الدول العربية ومعلوم ما تفعله من أدوار تخالف شرعية الدول، ومنها العمل على مساعدة الجزائر في تجنيد ميليشيات البوليساريو غير ما مرة من أجل ضرب المغرب وزعزعة استقراره ؟

فالظروف التي جاء فيها هذا الصراع لا توحي بأنها بريئة في الوقت الذي لا تكاد فيه أغلب الدول تنهض من كبوة الربيع العربي، ومن أزمة جائحة “كورونا” وتداعياتها على اقتصادات كل البلدان، خاصة الدول النامية المرتبطة باتفاقات اقتصادية وتجارية مع الغرب، هذا الغرب الذي لا زال منذ الحرب العالمية الثانية  – رغم الحرب الباردة ومرور العالم من محطات كثيرة – متحكما في سيرورة السياسات الداخلية للدول الضعيفة، لذلك، فإن اشتعال الشرق الأوسط ليس من مصلحة الدول العربية بالخصوص، لأن اقتصاداتها مرتبطة باقتصادات القوى الكبرى والأزمات التي تعيشها تفرضها تقلبات السوق الدولية، كما أنها مرتبطة بديون يكون لها ما عليها من شروط التسديد، إضافة إلى الصفقات العسكرية واقتناء ترسانات كبيرة من الأسلحة، طبعا لتجريبها في الحروب، وهذا لن يؤدي إلا إلى تشتيت دول وإعادة رسم الخرائط والخاسر هي الدول التي تدور رحى تلك الحروب فوق أراضيها، أما الخاسر الأكبر فهم الشعوب والملايين من الأبرياء الذين لا ناقة ولا جمل لهم في القرارات السياسية والاستراتيجية التي تدير العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى