تحقيقات أسبوعية

تقرير | تغول الفساد يعرقل التنمية ويقتل الاستثمار

يعد الفساد من بين العوائق الرئيسية أمام المقاولات ومجال الاستثمار في المغرب، إذ ينعكس على تصنيفه في مؤشر مدركات الفساد على الصعيد الدولي، حيث انتقل إلى الرتبة 97 سنة 2023 متراجعا بـ 24 رتبة خلال السنوات الخمس الأخيرة، ويبقى مستوى الفساد مرتفعا نسبيا مقارنة بمعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومقارنة بالدول الأخرى في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إذ يكلف الدولة خسارة تفوق 50 مليار درهم سنويا، أي 5 ملايير دولار.

إعداد: خالد الغازي

    حسب الهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة ومحاربتها، فإن الوضع في المغرب غير مُرضٍ في معظم المؤشرات والتقارير المتعلقة بالفساد، والتي لم تسجل أي تحسن يذكر خلال العقدين الماضيين، حيث تراجع المغرب بخمس نقاط في السنوات الخمس الأخيرة، واحتل المرتبة التاسعة عربيا، الأمر الذي يؤكد خطورة آفة الفساد على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى الاقتصاد الوطني ونموه.

تتمة المقال تحت الإعلان

وكشفت دراسة تتعلق بتصور المقاولات حول الفساد وتقييم التجربة، خلفيات الفساد في القطاع الخاص وتأثيره على مجموعة من المجالات، وعلى الخصوص الصفقات العمومية، والتراخيص والمأذونيات، والاستثمارات، وترى نسبة كبيرة، 68 في المائة من المقاولات التي شملتها الدراسة، أن الفساد منتشر أو منتشر جدا في المغرب، مقابل 8 في المائة يقولون أن الفساد منتشر قليلا أو قليلا جدا، ومن حيث متوسط الدرجات على مقياس مكون من عشر نقاط.

تتمة المقال تحت الإعلان

ووفق الدراسة المنجزة من قبل الهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة ومحاربتها، فإن 23 في المائة من المقاولات المشاركة كشفت أنها تعرضت على الأقل لأحد أشكال الفساد خلال 12 شهرا الماضية، وأن أغلب الحالات (90 في المائة منها) تتعلق بطلبات مباشرة أو غير مباشرة من لدن الموظفين المعنيين، في حين أن نسبة 3 في المائة فقط من المقاولات التي تم استجوابها، صرحت بأنها قدمت رشاوي بمبادرة منها، وبالنسبة لأسباب طلب أو دفع الرشوة بالنسبة للمقاولات المشمولة، فتتمثل في غالب الحالات في الاستفادة من خدمة لمقاولة لها الحق فيها، ويأتي بعد ذلك السعي إلى تسريع الإجراءات أو الاستفادة من الأسبقية، وسبب ثالث هو إنهاء أو تجاوز الإجراءات والتعقيدات الإدارية.

وقد اعتبرت 15.7 في المائة من المقاولات أن الفساد هو العائق الرئيسي الأول أمامها، إضافة إلى ذلك، أفادت 29.6 في المائة من المقاولات التي تم استجوابها، أنها تلقت طلبا لدفع رشاوي في إطار معاملاتها المتعلقة بالحصول على خدمات عمومية تهم الضرائب والحصول على تراخيص البناء، والربط بشبكتي الماء والكهرباء، وتراخيص التصدير ورخص الاستغلال.

وتعتقد 45 في المائة من المقاولات التي شملتها الدراسة، أن الفساد زاد خلال العامين الماضيين في المغرب، من بينها 30 في المائة تعتقد أنه ارتفع بشكل ملحوظ، في حين أن 27 في المائة يعتقدون أنه على العكس من ذلك قد انخفض، بسبب ثلاثة عوامل: الرغبة في الثراء السريع (38 في المائة)، وضعف الأجور (26 في المائة)، ثم غياب روح المواطنة والمصلحة العامة، وصرحت 18 في المائة من المقاولات التي شملتها الدراسة، والتي أنجزت استثمارات أو خططت لذلك خلال 24 شهرا الماضية، والتي تمثل 9 في المائة من مجموع المقاولات المستجوبة، أنها تعرضت لشكل من أشكال الفساد.

والملاحظ أن المقاولات الصغرى والمتوسطة هي الأكثر عرضة للفساد مقارنة مع المقاولات الكبرى، حيث صرحت 6 في المائة من المقاولات التي تعرضت لحالة فساد أنها تقدمت بشكاية، فيما قامت 3 في المائة منها بالتبليغ عن فعل فساد كانت شاهدة عليه، إذ من بين الأسباب الرئيسية وراء عدم التبليغ من قبل المقاولات عن الفساد، قلة فعالية الشكاية أو التبليغ، وبدرجة أقل الخوف من العواقب السلبية على المقاولة.

 أما بالنسبة لردود الفعل تجاه طلبات دفع الرشوة، فقد قبلت 51 في المائة من المقاولات الدفع، بينما رفضت 31 في المائة وواصلت الإجراءات، وتخلت 12 في المائة عن متابعة الإجراءات بعد رفض الدفع، كما أن 70 في المائة من مسؤولي المقاولات الذين دفعوا الرشوة صرحوا بأنها كانت وسيلة فعالة لتحقيق أهدافهم أو الاستفادة من الميزات المطلوبة، بينما كشفت 13 في المائة من المقاولات أنها دفعت أو طُلب منها دفع رشوة على الأقل مرة واحدة في إطار تعاملاتها، حيث تبقى الرشوة هي أكبر أشكال الفساد الذي تتعرض له معظم المقاولات.

وأكدت نفس الدراسة، أن الرشوة تبقى هي شكل الفساد الأكثر شيوعا الذي تواجهه المقاولات فيما يتعلق بحصولها على تراخيص الاستيراد والتصدير، ومراقبة المبادلات والتقييم الجبائي والحصول على قروض بنكية، وهذا النوع من الفساد من شأنه أن يعيق تطور المناخ الإيجابي لبيئة الأعمال بما يؤدي إلى تراجع الاستثمارات أو سحبها، حيث اعتبرت نسبة كبيرة من المقاولات أن الفساد الأكثر انتشارا يكون في أربع مجالات بالأساس: الحصول على التراخيص والمأذونيات والرخص الاستثنائية بنسبة 57 في المائة، الصفقات العمومية والمشتريات العمومية بنسبة 51 في المائة، والتوظيف والتعيين والترقية في القطاع الخاص بنسبة 50 في المائة، ثم دعم الدولة للقطاع الخاص والمشتريات والتموين بنسب 28 إلى 42 في المائة.

وتتجسد العواقب الثلاث الرئيسية للفساد – حسب رأي ممثلي المقاولات التي شملتها الدراسة – في إفقار الدولة وتدهور القيم بنسبة 24 في المائة و23 في المائة على التوالي، يليها التوزيع غير العادل للثروات بمعدل 19 في المائة، حيث صرحت أن قطاع الصحة على رأس القطاعات الأكثر تضررا من الفساد بـ 75 في المائة، أما القطاعات أو المؤسسات الأخرى التي تعتبرها المقاولات أكثر فسادا، فهي النقابات بنسبة 58 في المائة، والإسكان والتعمير والعقار بـ 55 في المائة، والماء والكهرباء والتطهير بنسبة 40 في المائة.

وترى 57 في المائة من المقاولات المستجوبة، أن إجراءات مكافحة الفساد المتخذة من قبل الدولة في مجال الأعمال، غير كافية، بينما تعتقد نسبة 59 في المائة أن الإجراءات المتخذة من المقاولات أيضا لمكافحة الفساد، غير كافية، وأن نسبة 47 في المائة تقول أن إجراءات مكافحة الفساد فعالة قليلا أو غير فعالة. وحسب نسبة كبيرة من المقاولات المستجوبة، فإن المجلس الأعلى للحسابات والنيابة العامة، هما أكثر المؤسسات القادرة على محاربة الفساد والوقاية منه، مؤكدة على أهمية تطبيق القوانين والعقوبات المتعلقة بأفعال الفساد، وإرساء قنوات للتبليغ عنه وحماية المبلغين.

وسجلت الدراسة المعرفة الضعيفة لمسؤولي المقاولات بالسلطات والهيئات التي يمكن اللجوء إليها للتشكي والتبليغ عن الفساد، مع تسجيل تصور لدى مسؤولي المقاولات بأن أكثر الإجراءات فعالية لمكافحة الفساد في المغرب هي التطبيق الصارم للقوانين والعقوبات ضد الأشخاص المتورطين في أفعال الفساد، تليها إجراءات إرساء قنوات التبليغ عن أعمال الفساد وحماية المبلغين، وكشفت عن التراجعات المسجلة في مؤشرات الفساد السياسي والفعالية القضائية، ونزاهة الحكومة وتطبيق القانون والحرية الاقتصادية وحرية الصحافة، والترابطات الموضوعية بين منظومة الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبين تنامي الفساد، داعية إلى تسريع الانتقال الفعلي إلى مرحلة جديدة في مكافحة الفساد، وإذكاء دينامية محققة لنتائج وأثار ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين والمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين والمجتمعيين بما يعزز بناء الثقة ويضمن انخراطا جماعيا تتظافر فيه جهود الجميع من أجل إحداث تغيير عميق ومستدام.

واعتبرت الهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن مكافحة الفساد تقتضي تفعيل استراتيجية ذات أبعاد مختلفة وتكون لها صلة وطيدة بالتربية والتوعية، والوقاية والردع والزجر، مع اعتماد مقاربات ملائمة لكل مجال ولكل فئة مستهدفة على حدة، من مواطنين ومرتفقين وفاعلين اقتصاديين وسياسيين ومجتمعيين، ومسؤولين وموظفين عموميين، بالإضافة إلى مجالات التشريع والعدالة وإنفاذ القانون مع مواكبة كل ذلك بتعميق المعرفة الموضوعية بهذه الظاهرة وخطورتها على التنمية والاستثمار، والتعبئة الجماعية حول تحقيق أهداف طموحة تضمن التحول العميق على المدى المتوسط والبعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى