تحت الأضواء | صفقة غامضة تلاحق أحيزون من أيام المحجوبي أحرضان
بين تفويت شركة بدون مقابل وإهدار حقوق العمال
الرباط – الأسبوع
في سنة 1977، قرر الوزير المحجوبي أحرضان، المكلف بالبريد والمواصلات، تأسيس الشركة الوطنية للمواصلات “SNT”، لكي تدخل مجال الاتصالات الهاتفية وتستثمر بدورها في مجال تكنولوجيا الاتصالات، عبر شراء حصص في شركات القطاع الخاص وكسب الأرباح والتخصص في هذا المجال، حيث تم اقتناء 50 في المائة من رأسمال شركة CGCT المتخصصة في تركيب وتجهيز الهاتف والشبكات الهاتفية في جميع المدن من سنة 1977 إلى سنة 1995، لكن مع التطور التكنولوجي في مجال الاتصالات على الصعيد الدولي، تراجع نشاط الشركة الوطنية وشركة تجهيز الشبكات الهاتفية، الأمر الذي دفع المكتب الوطني للبريد والاتصالات، الذي كان مديره العام هو عبد السلام أحيزون، لتصفية والتخلص من الشركة الوطنية للمواصلات وفروعها الشركات التابعة لها، والتي كانت وصية عليها.
في نهاية التسعينيات، قام المكتب الوطني للبريد والمواصلات برئاسة عبد السلام أحيزون، بتفويت نصيب الشركة الوطنية للاتصالات، 50 في المائة في شركة CGCT لتجهيز وتركيب الهاتف، إلى شركة أخرى RMM يملكها شخص يسمى محمد الشرقاوي الزهراوي، الذي يعتبر الممثل القانوني للشركة المستفيدة، بقيمة مالية بلغت 200 مليون سنتيم، وذلك بتاريخ 26 ماي 1997.
وحسب محضر المجلس الإداري للشركة الوطنية للمواصلات SNT، المنعقد بتاريخ 26 ماي 1997، بحضور رئيس المجلس أحيزون وبقية الأعضاء، وممثلي وزارة المالية: عبد الواحد القباج والمدني القاديري، وممثل وزارة الإسكان أحمد إبراهيمي، وأحمد بوطويل ممثل وزارة الخوصصة، وقد تم إصدار قرار الموافقة على مقترح شركة الزهراوي RMM لاقتناء نسبة الشركة الوطنية للمواصلات بـ 200 مليون سنتيم (2 مليون درهم).
وجاء هذا القرار الذي اتخذه المجلس الإداري للشركة الوطنية للمواصلات برئاسة عبد السلام أحيزون، بعدما حصل المكتب على موافقة وزارة الخوصصة، عبر مراسلة بتاريخ 22 ماي 1997، لتفويت حصص الشركة، ثم موافقة وزارة المالية بقرار رقم 2.1376 بتاريخ 4 أبريل 1997، والتي أوصت المجلس الإداري للشركة الوطنية ورئيسه أحيزون، بضرورة تسديد مستحقات الخصوم وفروع الشركة وتسوية المستحقات والتعويضات قبل مباشرة عملية التفويت، بينما غاب رأي وزارة البريد والمواصلات، الوصية على المكتب الوطني والشركة الوطنية، حيث تم نشر قرار الجمع العام الاستثنائي للشركة الوطنية للاتصالات في الجريدة الرسمية عدد 4437، بتاريخ 12 نونبر 1997، حيث قرر الجمع العام الفسخ السابق لأوانه للشركة الوطنية، وذلك ابتداء من فاتح أكتوبر من نفس السنة والقيام بتصفيتها وديا تحت الشروط التي ينص عليها القانون والنظام، مع تعيين قائم بالتصفية، للعمل على إجراء عمليات الفئة وتسديد الخصوم، أي المستحقات لأصحابها والمستخدمين.
وبعدما تمت عملية تفويت حصص الشركة الوطنية للاتصالات في 24 يونيو 1997، وبعد مرور ثلاثة أشهر، طلب أحيزون عقد اجتماع المجلس الإداري للشركة في مقر المكتب الوطني للبريد والمواصلات، في 29 غشت من نفس السنة، حيث تم تفويت “CGCT” من أجل تفحص أنشطة الشركة وحساباتها المالية المتعلقة بالسنوات من 1988 إلى غاية 1995، وتجديد صلاحية الخبير في الحسابات، خارج الإطار القانوني المتعلق بالخوصصة.
والغريب في عملية تفويت حصص الشركة الوطنية لفائدة شركة الزهراوي في 24 يونيو 1997، والتي صادق عليها المجلس الإداري برئاسة عبد السلام أحيزون، أنه تم قبولها بعدما قدم المعني بالأمر شيكا في غياب الضمانات اللازمة لوجود السيولة المالية، الأمر الذي وضع مسؤولي المكتب الوطني للبريد في ورطة بعدما قدم المعني بالأمر شيكا بدون رصيد، حيث تقدمت الشركة الوطنية بشكاية إلى القضاء بتاريخ 12 شتنبر 1997، ضد الزهراوي مدير شركة “راديو موبيل المغرب”، بسبب تقديم شيك بدون رصيد، إذ كان على المكتب الوطني للبريد اللجوء إلى فسخ الصفقة وإلغاء عملية التفويت عوض ملاحقة هذا الشخص أمام القضاء وإصدار مذكرة بحث في حقه، وتضييع حقوق الدولة والمستخدمين.
فتم توقيف الزهراوي، الحائز على حصص الشركة الوطنية للاتصالات، من قبل المصالح الأمنية في شهر نونبر 1999، ليبحث عن تسوية مع المكتب الوطني للبريد من أجل تسديد مبلغ صفقة التفويت، بعدما منح لأخته وكالة خاصة للتصرف في الشركة، حيث قامت هذه الأخيرة نيابة عنه سنة 2000، ببيع عقار الشركة المتواجد في منطقة المعاريف بالدار البيضاء مساحته 1800 متر مربع يحتوي على مقر العمال والإدارة والمعدات والتجهيزات، بمبلغ 820 مليون سنتيم لتسديد مبلغ الشيك 200 مليون سنتيم، ويحصل على أكثر من 600 مليون سنتيم، بعدما حصل على قرار يسمح له بالتصرف في ممتلكات الشركة، ليقوم بعد ذلك بطرد العمال والمستخدمين دون تسوية حقوقهم..
ومن بين الأمور الغريبة في هذه القضية، أنه قبل عملية بيع عقار الشركة الموجود في منطقة المعاريف من طرف شقيقة الزهراوي، تم تحرير محضر لجمع عام استثنائي مشكوك في صحته للشركة العامة لتجهيز الهاتف CGCT، من قبل موثق بالدار البيضاء يوم 27 دجنبر 1999، يتضمن اسم امحند العنصر بصفته وزيرا ورئيس المجلس الإداري للشركة الوطنية، رغم أنه غادر منصبه الوزاري منذ سنوات، وبحضور شقيقة الزهراوي وشخص آخر وهو إطار إداري ممثلا عن مكتب البريد، حيث خلص إلى منح الزهراوي الصلاحية للتصرف في الشركة بشكل فردي، وذلك قبل بيع العقار المذكور بعدة أشهر، وهو محضر مشكوك في صحته لكون العنصر رحل قبل عملية تفويت الشركة الوطنية ولم يتم أخذ رأي وزارة البريد في الموضوع.
فقد تم تفويت حصة الشركة الوطنية للاتصالات SNT إلى صاحب شركة مفلسة RMM في شهر يونيو 1997، من قبل المجلس الإداري للشركة الوطنية الذي كان يترأسه عبد السلام أحيزون رغم عدم توفر الشخص على الضمانات المالية والقانونية لضمان حسن استمرار الشركة وحماية حقوق المستخدمين والعمال، إذ أن العملية تمت بدون موافقة الوزير الوصي على قطاع البريد ولم تحترم مسطرة الخوصصة التي ينص عليها القانون رقم 39-89 المتعلق بتحويل المنشآت العامة إلى القطاع الخاص، والمادة 9 التي تؤكد على أن أي بيع لأصول أو مساهمات منشأة عامة يجب أن يعرض على الوزير المكلف بتنفيذ عمليات التحويل للقطاع الخاص لإبداء رأيه فيه، وبالتالي، فإن عملية التفويت تمت بدون استشارة الوزير.
ومن سلبيات عملية التفويت التي أشرف عليها المكتب الوطني للبريد تحت إشراف المدير العام عبد السلام أحيزون، لم تعمل على حماية حقوق المستخدمين الذين كانوا يشتغلون في شركة CGCT والذين بلغ عددهم 50 مستخدما توفي منهم عشرة أشخاص، لصيانة تعويضاتهم والأقدمية، بالرغم من توصية وزارة المالية على ضرورة تسديد الخصوم من مبلغ 4 ملايير سنتيم، وتسوية مستحقات وحقوق العمال قبل مباشرة عملية تصفية الشركة الوطنية للمواصلات من قبل مكتب البريد.
ووفق مراسلة من وزارة الاقتصاد والمالية إلى وزارة الصناعة والتجارة في عهد حكومة سعد الدين العثماني بتاريخ 29 دجنبر 2017، فإن عملية تفويت 50 في المائة من حصة الشركة الوطنية للاتصالات في رأسمال الشركة العامة لتجهيز الهاتف CGCT، لم تتم في إطار مقتضيات القانون رقم 39-89 المأذون بموجبه تحويل منشآت عامة إلى القطاع الخاص، كما أن هذه العملية تم إنجازها في إطار عقد التفويت المبرم بين المدير العام للشركة الوطنية للاتصالات محمد حمادو والزهراوي ممثل شركة “راديو موبيل” (RMM).
لهذا يحمل الضحايا المتضررون من عملية التفويت هاته، رئيس مجموعة “اتصالات المغرب”، عبد السلام أحيزون، المسؤولية الأولى، بصفته المدير العام السابق للمكتب الوطني للبريد ورئيس المجلس الإداري مسؤولا عن عملية تفويت نصيب الشركة الوطنية للاتصالات بدون ضمانات والسماح لصاحبها ببيع عقار الشركة وهو داخل السجن، إلى جانب مسؤوليته عن صرف أربعة ملايير سنتيم، مما يطرح عدة تساؤلات حول مصير حقوق العمال والمستخدمين من الأموال المفرج عنها من حساب المكتب الوطني للبريد بأمر من وزارة المالية لتسديد مستحقات الخصوم ؟
فبعد مرور أكثر من 26 سنة عن هذه القضية، التي لا زالت تطارد المدير العام السابق للمكتب الوطني للبريد والمواصلات عبد السلام أحيزون، يبقى الغموض يلف مصير أربعة ملايير سنتيم و190 مليونا من المال العام، المبلغ الذي أخرجه المكتب الوطني للبريد من الخزينة طبقا لتوصية وزارة المالية، قصد تسوية حقوق العمال والمستخدمين في الشركة الوطنية وفرعها شركة تجهيز الهاتف “سي. جي. سي. تي”، حيث توفي عشرة عمال بينما ينتظر الآخرون مستحقاتهم وحقوقهم في التقاعد والتغطية الصحية، التي لازالت في ذمة مؤسسة البريد وكان أحيزون مسؤولا عن صرفها عندما كان مديرا للمكتب الوطني للبريد آنذاك.



