تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | العيوب والخروقات القانونية التي تضمنها قرار المحكمة الأوروبية ضد المغرب

أصدرت محكمة العدل الأوروبية يوم الجمعة 4 أكتوبر 2024، قرارا يقضي ببطلان اتفاقيات تجارية أبرمت بين المغرب وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وتتعلق بالفلاحة والصيد البحري، وبمجرد صدور ذلك القرار المجحف، طغت موجة من الامتعاض والاستنكار والتنديد بسبب ما ورد في ذلك القرار المعيب، وبادرت دول وشخصيات لها وزن في المجتمع الدولي معلنة عن رفضها لذلك القرار وتمسكها بشرعية المعاملات التجارية التي تبرمها مع المملكة المغربية، وهي معاملات شرعية وقانونية من دولة تحترم تعهداتها والتزاماتها، وهذا القرار كان محل تحليل وتعليق من أساتذة أجلاء وخبراء في القانون الدولي، وذكروا في التعليق أن القرار تشوبه العديد من العيوب القانونية وأخطاء فادحة في عرض الوقائع، والجهل بحقيقة نزاع يتعلق بقضية مفتعلة، وتلك القضية مطروحة على منظمة دولية تسعى إلى إيجاد حل وفق اقتراح قدمه المغرب، وأجمعت عدة دول على أنه اقتراح معقول وذو مصداقية وكفيل بحل نزاع طال أمده..

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    من جانبنا، نود أن نعلق على قرار محكمة العدل الأوروبية لأنه مخالف لأبسط القواعد القانونية المتعلقة بمسطرة التقاضي المنصوص عليها في قوانين المسطرة المدنية أو ما يعرف في دول أخرى بقانون المرافعات المدنية والتجارية، فتلك القواعد المعمول بها تطبق سواء كان النزاع مدنيا أو تجاريا، بل ومنصوص عليها في المعاهدات الدولية، وفي الكتب الشرعية المنزلة، وسنحاول أن نضيف إلى خمسة أسباب التي وردت في تعليق خبراء كانوا ضيوفا على قناة قضائية، أسبابا أخرى بشكل مبسط، لكون الموضوع له صلة بالقضية الوطنية الأولى، وعليها إجماع، والموقف من طرف الشعب المغربي، وتحت قيادته الرشيدة.. فالعيوب التي تشوب ذلك القرار وتجعله باطلا، عيوب شكلية وعيوب موضوعية، فالعيوب الشكلية التي تجعل الدعوى غير مقبولة ولا يقع الفصل فيها، تدرس في السنة الأولى لطلبة كليات الحقوق، ومن تلك العيوب: الدفع بعدم الاختصاص المحلي أو النوعي؛ الدفع بانعدام الصفة؛ الدفع بانعدام الأهلية؛ الدفع بانعدام المصلحة؛ الدفع بكون مقال أو عريضة الدعوى غير مرفق بالحجج والمستندات التي لها صلة بموضوع النزاع؛ والدفع بوجود نفس النزاع مطروحا على محكمة أخرى؛ والدفع بسبقية البت في القضية؛ والدفع بوجود حالة من حالات التنافي ليرفع القاضي يده عن النازلة؛ والدفع بالتجريح لأسباب تتعلق بالقاضي؛ والدفع بعدم احترام مبدأ الحياد في التقاضي.

ومن الدفوع ذات الصلة بالموضوع، والتي تؤدي بعد الطعن في القرار إلى بطلانه وإلغائه، ولا يكتسب حجة الأمر المقضي به، ولا ينتج أي أثر قانوني سواء بين الأطراف أو الغير: الدفع بوجوب احترام الإجراءات المتعلقة بالاستدعاء لحضور الجلسة ومراعاة الآجال بين تاريخ انعقاد الجلسة وتاريخ التوصل بالاستدعاء؛ احترام مبدأ التواجهية أو المواجهة بين الأطراف؛ وعدم خرق حقوق الدفاع.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن أهم أسباب إلغاء القرار وإبطاله: تحريف الوقائع؛ وضعف التعليل والموازين لانعدامه، فضعف التعليل يكون ناتجا إما من عدم فهم القاضي للوقائع أو تحريفها، أو عدم قدرته على تكييفها وتطبيق النص القانوني الملائم لذلك التكييف وتلك الدفوع ذات صلة بالنظام العام، ويحكم بها القاضي النزيه تلقائيا بقبولها ولو لم تُثَر تلك الدفوع من قبل طرف من أطراف الدعوى.

تتمة المقال تحت الإعلان

والجدير بالذكر، أن الدفوع ذات الصلة بالنظام العام تثار في أي مرحلة من المراحل القضائية التي تقطعها الدعوى ويثار ولو لأول مرة أمام محكمة النقض. وإن من الدفوع المهمة، الدفع بالتشكك في نزاهة القاضي وطلب تنحيته من الهيئة المشكلة للنظر في النزاع المعروض عليها، ثم الدفع بالتقاضي بحسن نية، والدفع بتطبيق قاعدة العقد شريعة المتعاقدين، والدفع بطلب البطلان لا يرفع إلا من شخص كان طرفا في العقد المطلوب الحكم ببطلانه، ويكون مبنيا على سبب من الأسباب التي ذكرها القانون على وجه الحصر حفاظا على سلامة العقود وضمان تنفيذها واستقرار المعاملات بها.. فهل طبقت تلك المحكمة هذه القواعد البسيطة وهي من البديهيات ؟

1) الدفع بعدم الاختصاص المحلي والنوعي:

إن المحكمة تسمى محكمة العدل الأوروبية، ومعنى ذلك أن نظرها محصور في المنازعات التي تقوم بين الدول الأوروبية والواقعة في القارة الأوروبية، والمحكمة كان عليها أن تحكم بعدم الاختصاص المحلي والنوعي، لأن الطلب قدم لها من جهة تعتبر خارجة عن القارة الأوروبية، وإذا قدم الطلب من شخص عادي وهو لا ينتمي للقارة الأوروبية وزعم أنه يتعرض في دولته لمعاملات سيئة تمس بحياته وكرامته من طرف دولته، فيجب أن يكون ذلك الشخص منتميا قانونا لتلك الدولة ويحمل جنسيتها، ويقيم فيها ويتمتع بحقوق المواطنة ويتحمل الالتزامات التي تقع على كاهل كل مواطن، إذن، لا تقبل دعوة المرتزقة، ومن دخلوا للدولة بصفة غير شرعية، وحملوا السلاح وعاثوا فسادا في أراضيها، فالمجرم لا يستحق الحماية القانونية، بل يعامل وفق ما ارتكبت يداه.

2) الدفع بانعدام الصفة:

ذلك أن من قدم الطلب لا ينتمي للقارة الأوروبية، ودولته الوهمية غير معترف بها من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، وليست لها الصفة لطلب بطلان اتفاقية لأنها لا تعتبر طرفا رئيسيا في تلك الاتفاقية، فالعقود لا تضر ولا تنفع إلا من كان طرفا فيها، كما أن طلب البطلان يمس سيادة الدولة التي تعاقدت مع المغرب، ولا يعتبر صاحب الطلب وصيا أو نائبا عن تلك الدولة.

3) الدفع بخرق حقوق الدفاع:

ذلك أن المحكمة خرقت حقوق الدفاع، إذ كان يجب عليها أن تحكم برفض الطلب، لأن أطراف الاتفاق ومن يعنيه الأمر، غير مذكورين في عريضة الطلب، والقاعدة أنه لا يقضى بحق في غيبة باقي الأطراف أو في غيبة صاحب الحق. وهنا نذكر المحكمة الأوروبية بأن الاتفاقيات الدولية العالمية كلها تنص على احترام حق الدفاع لضمان المحاكمة العادلة والمنصفة.

4) خرق مبدأ المواجهة:

إن أبسط قواعد المحاكمة، حضور جميع أطراف الدعوى للمحكمة والمثول أمام هيئة المحكمة، بعد أن يكون كل طرف قد توصل بصفة قانونية بالاستدعاء وبنسخة من الحجج والوثائق والمستندات، ويمنح للمدعى عليه أجلا للجواب، ويمكن له أن يحضر الجلسة ويطلب المرافعة الشفوية لشرح جوابه وحججه، ويقدم مطالب مضادة، أو يطلب إجراء تحقيق في وقائع النزاع، مثل المعاينة والوقوف على عين المكان للتأكد من صحة الوقائع، بينما لم تقم هذه المحكمة باستدعاء المغرب ولم يتوصل بأي مذكرة تتعلق بهذه الموضوع، وهنا يتسرب الشك في سلامة الإجراءات، واحترام مبدأ حياد القاضي، والشك في نزاهته وميوله.

5) خرق مبدأ كون النزاع مطروح على جهة أخرى:

من القواعد التي تنص عليها مدونات المرافعات المدنية والتجارية، قاعدة وقف النزاع إذا كان مطروحا على جهة أخرى، أو ضم ملف النزاع إذا كان مطروحا على نفس المحكمة، وهذه المحكمة تعلم جيدا أن النزاع المفتعل في قضية الصحراء المغربية مطروح على هيئة الأمم المتحدة منذ عدة سنوات، وعلى مجلس الأمن، وأنه صدرت عدة قرارات تتعلق بهذا النزاع، ويوجد حاليا مبعوث أممي يحاور الأطراف المعنية للوصول إلى حل، لذلك كان يجب على المحكمة أن ترفع يدها عن طلب البطلان تجنبا وتلافيا لصدور قرارات متضاربة متناقضة، وهيئة الأمم المتحدة تعلو على محكمة العدل الأوروبية، وقرارات الجمعية العامة وقرارات مجلس الأمن سابقة في التطبيق على قرارات محكمة العدل الأوروبية.

6) ضعف التعليل الموازي لانعدامه:

لا يكون أي حكم أو قرار قابلا للتنفيذ وحائزا للدرجة القطعية إذا لم يكن معللا تعليلا كافيا ومقنعا، وتكون الوقائع وتسلسلها منسجمة مع منطوق القرار، ومن أهم أسباب الطعن في الأحكام والقرارات ضعف تعليلها أو النقصان في التعليل، لأن ضعف التعليل يكون ناتجا عن عدم فهم القاضي للوقائع، أو عدم تطبيق النص القانوني الواجب تطبيقه، أو عدم الجواب على دفع أو عدم دراسة حجة لها أثر على الدعوى، أو تحريف الوقائع أو الخروج عن مبدأ الحياد.

7) التشكك المشروع في حياد ونزاهة القاضي:

جميع قوانين المساطر والمرافعات المدنية والتجارية تنص على أنه يمكن لأي طرف من أطراف الدعوى أن يسلك مسطرة مخاصمة القضاة إذا توفرت أسباب المخاصمة وشروطها، ويرفع طلب المخاصمة لأعلى هيئة قضائية ونصت قوانين المرافعات المدنية والتجارية على كيفية سير هذه المسطرة.

والخلاصة، أن محكمة العدل الأوروبية كانت متحيزة، ولم تلتزم الحياد، ومالت في حكمها للجانب السياسي في القضية وهي تعرف أنه مطروح على الجهة المختصة وفي مقدمتها مجلس الأمن، وتجاوزت اختصاصها بمراقبة أعمال تدخل في ممارسة الدولة لسيادتها ومصالحها العليا، وحقا، فإن القرار لا يلزم المغرب ولا يعتد به، لأنه لم يكن طرفا فيه وكما يقال يعتبر طرفا أجنبيا في هذه القضية، والعقد شريعة المتعاقدين، وهو مبدأ يرجع تاريخه للعهد الروماني، وغاب عن عمل المحكمة والهيئة التي شكلت منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى