متابعات | المحامون يتهمون وهبي بمخالفة وصية الحسن الثاني ورسائل الملك محمد السادس
من أسرة الدفاع إلى الوزير وهبي
أجمع المحامون على ضرورة التصعيد واتخاذ خطوات قوية للدفاع عن الحقوق والحريات ومنظومة العدالة، في ظل القوانين المقيدة التي تفرضها الحكومة ووزارة العدل على أصحاب البدلة السوداء والمواطنين، مطالبين بالدفاع عن مستقبل مهنة المحاماة التي ساهمت منذ فجر الاستقلال في بناء دولة الحق والقانون، وأكد المحامون في لقاء احتجاجي بمسرح محمد الخامس، نظمته جمعية هيئات المحامين بالمغرب تحت شعار: “من أجل مسار تشريعي مسؤول ومحصن للمكتسبات الحقوقية والقانونية”، رفضهم للقوانين التي مررت بعضها الحكومة في البرلمان، خاصة التي لها صلة بالمهنة، مثل مشروع قانون المسطرة المدنية ومشروع قانون المسطرة الجنائية والقوانين المنظمة للمهنة.
إعداد: خالد الغازي
إن القوانين الحكومية تضرب دولة الحق والقانون، وتخالف الحقوق الدستورية والمواثيق الدولية والاتفاقيات التي صادق عليها المغرب، والتي تنص على ضرورة صيانة حقوق الدفاع والمواطنين في الولوج إلى العدالة، يقول المحامون في اللقاء الاحتجاجي المنظم مؤخرا “من أجل مسار تشريعي مسؤول ومحصن للمكتسبات الحقوقية والقانونية”، منتقدين مخالفة الحكومة للرسائل الملكية والتعليمات الموجهة إلى قطاع العدل في السنوات السابقة، والتي تشدد على ضرورة نهج مقاربة تشاركية في وضع مشاريع القوانين، وحماية مهنة المحاماة والدفاع داخل قطاع العدالة.
وشدد نقباء المحامين – خلال تدخلاتهم – على حماية الحق في الولوج إلى القضاء دون تمييز بين المواطنين، وحماية حقوقهم عبر الدور الذي تقوم به مهنة المحاماة أمام القضاء في الكشف عن الحقائق وحقوق المتقاضين، داعين كافة المنظمات الحقوقية والمدنية، والإطارات النقابية، والهيئات السياسية، إلى المساهمة في تحقيق مسار تشريعي مسؤول يحافظ على المكتسبات الحقوقية ودولة الحق والقانون.
في هذا السياق، قال الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين في المغرب، أننا نعيش أزمة حقيقية في إنتاج التشريع ويحق لنا التساؤل عن الجهة التي تشرع في إطار مبدأ فصل السلط، لأن التجارب أكدت على أهمية إشراك مكونات المجتمع في إعداد مشاريع القوانين، وهذا الإشراك يضمن التطبيق السلس للقانون ويجنب التنافر بين القوانين أو محدودية استيعاب المنظومة القانونية، والعقل الجامع للتعديل، متسائلا: أليس من الواجب فرض مناقشة مسؤولية القطاع عن تدبير قضايا المواطن من خلال توفير آلية الفصل فيها إن على مستوى العنصر البشري أو اللوجستيكي أو على مستوى إنجاز وضبط دراسة حول طبيعة هذه القضايا ونوعها والفئات الاجتماعية الأكثر ولوجا إلى العدالة وطبيعة ونوع قضاياهم؟ علما أن الولوج إلى العدالة ليس سهلا ولا ميسرا، وإنما هو ولوج صعب ومكلف، لأن تحديات عالم اليوم تفرض بناء عدالة قوية سليمة من التعثرات والمعيقات، بتشريع مسؤول رصين وأمن تنمو وتتربع في أحضانه دولة الحق والقانون.
وحسب الزياني، فإن الوضع الذي تعيشه مهنة المحاماة راجع إلى سياسات مرتبكة، وما تتعرض له من هجوم غير مسبوق وغير مفهوم، من خلال الإعداد لمرحلة أولى لمشروع قانون المسطرة المدنية الذي كسر عددا من المبادئ التي تقوم عليها النظرية العامة للقوانين الإجرائية ونسف عدد آخر من المكتسبات بكثافة عالية من الاختلالات والخروقات والتناقضات، واتضحت معالم الاعتداء على المحاماة لدى الرأي العام المهني من خلال ما أصبح المحامي يعانيه من أسباب التضييق ولما يروج له داخل بعض مؤسسات الدولة، في غياب التقييم الحقيقي والمسؤول لأوضاع مهنة المحاماة، مضيفا أن الواقع التشريعي وما صاحبه أو تخلله من نقاش وإصرار وما روج له من نعوت واتهامات، وبروز ما يكفي من الإشارات والتلميحات.. أثبت لنا أن مهنة المحاماة أصبحت في مفترق الطرق وأريد لها ممن لا يريد أن يستوعب أن العدالة لا تقوم إلا بمحاماة قوية وبأن مسؤولية المحاماة لا تقل أهمية عن مسؤولية القضاء باعتبارهما جناحي العدالة تقع على عاتقهما مسؤولية الحفاظ والحرص على مقومات وأركان العدالة كل من موقعه ودوره في إطار الاستقلالية الكاملة.
وأوضح أن المحاماة ناضلت من أجل استقلال القضاء منذ سنة 1966 في مؤتمرها الخامس برئاسة النقيب المرحوم عبد الكريم بنجلون، وترافعت عبر تاريخها من أجل كل هذه المحاور المكونة لاستراتيجية الإصلاح، وجعلت منها قضايا مركزية أهمها الفصل الحقيقي للسلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومراجعة القوانين وانسجامها، وقضايا المحاكمة العادلة والصحافة وحقوق الإنسان، وإرساء أسس الديمقراطية ودولة الحق والقانون وضمان حقوق الدفاع والحريات العامة والقضايا الوطنية، ولعبت أدوارا هامة في هيئة “الإنصاف والمصالحة” باعتبارها الجهة المهنية والحقوقية الأولى، التي أسهمت بشكل كبير وعميق في إبراز حالات الاختفاء القسري، والاحتجاج والاعتقال التعسفي ومختلف انتهاكات حقوق الإنسان، وحل إشكاليات الماضي والمساهمة في أسس التحول الديمقراطي.
واعتبر نفس المحامي أن مشروع قانون المسطرة المدنية الذي أحيل على مجلس المستشارين، رغم أنه تضمن بعض المقتضيات المقبولة، إلا أنه غير متجه نحو تقوية وتعزيز ضمانات المواطنين المتقاضين وحقهم في الدفاع بقدر ما ارتكزت أهدافه على ضبط الولوج إلى العدالة وتقليصه والسرعة في إنتاج الأحكام القضائية، بمنطق يفهم منه أن الغرض من إعداد مشروع هذا القانون هو تصفية المتخلف من القضايا والحد من عدد قضايا المواطنين الذين يلجون إلى العدالة، مطالبا الفاعل السياسي وكل القوى السياسية، أكثر من أي وقت مضى، بتطوير وتفعيل أدوارها السياسية والدستورية، وإبداء رأيها الفاعل والمؤثر في كل ما يجري الآن في بلدنا، ومعاينة ما يطلع علينا من قوانين من رحم برلمان الأمة تقتل أحلام المحاماة والمواطن في مغرب جميل يسع للجميع ومن أجل الجميع.
من جانبه قال عزيز الرويبح، نقيب هيئة المحامين بالرباط، أن المحاماة حصانة واستقلال ومسؤولية تتجاوز أدوارها الوكالة والتمثيل والمؤازرة باعتبارها بديهيات الممارسة المهنية، لتشمل في عمقها وفلسفتها مسؤولية الدولة عن الحقوق والحريات والدفاع عن مرتكزات أسس دولة الحق والقانون، حيث أن أولويات المواطن أولى اهتماماتنا وانشغالاتنا، وهذا ما يقض مضجعهم، يريدون تقزيم أدوارنا ويحصرونها في زاوية ضيقة، مشيرا إلى أن المحاماة هي رسالة سامية مهمتها حقوقية وإنسانية وأخلاقية هي التي تعطي للعدالة صفاءها وتضمن التوازن الضروري بين سلطات القضاء وحقوق الدفاع كما هي متعارف عليها في الديمقراطيات العريقة.
وقال الرويبح، أن الملك الحسن الثاني كان ينظر إلى المحاماة بوصفها تعبيرا حضاريا يرمز لقداسة الحق في الدفاع، ويبرهن للغير أن المحامين في المغرب أحرار كما هو الشأن في الحضارات القضائية التي تمجد القضاء، فلم يتم التضييق على المحامين كما حصل في العراق وفي دول أخرى مؤخرا، بالصيغ التي كانت في أماكن أخرى ولم يتم المساس بحياتهم ومهامهم، مضيفا أن الملك استمر في الدفاع عن المحاماة وعبر في أكثر من مناسبة عن هذا النهج، لكن المؤسف، في نفس الدولة بمفهومها العميق والتاريخي، أصبحنا اليوم نحاكم بدون حق في الدفاع من طرف أشخاص ووجوه سياسية دوامها من المحال، نحاكم النقباء ومجالس وهيئات ومحامون، ونشهر بهم تحت قبة البرلمان بدون تحفظ ولا مراعاة لمشاعرنا ولا قداسة مهامنا، بشكل مباشر وأحيانا بالوكالة، نحاكم أيضا على صفحات الجرائد، ويتم تصويرنا كأننا أصل كل الأعطاب والمتاعب التي تعتري العدالة.
وانتقد النقيب بعض السياسيين قائلا: “صعب على صناع الريع والمستفيدين منه أن يفهموا ويستوعبوا معنى علاقة المحامي بالمحاماة، صعب أن يفهم الانتهازيون معنى علاقة المحامي بالمحاماة”.
بدوره، قال النقيب بنعيسى المكاوي، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب، أن استقلال مهنة المحاماة مستمد من الوظيفة الاجتماعية والإنسانية للمحامي، ومن التقاليد والأعراف والقواعد المهنية، لقد اختار المغرب في سياسته العامة منذ فجر الاستقلال مهنة المحاماة مصونة في حريتها واستقلالها، ففي خطاب محمد الخامس الموجه للقضاة يوم تدشين المجلس الأعلى للقضاء سنة 1957، أورد فيه أن “مهنة المحاماة حرة ومستقلة وستبقى حرة ومستقلة”، فالمحامي يباشر مهامه في استقلال تام دون تأثير أو ضغط من أي جهة كانت، ويخضع للقيام بمهامه لضميره الحر أو في إطار أحكام القانون، ويؤدي مهامه في استقلال دون تدخل أحد في شؤون علاقته بموكله، مؤكدا أن المحاماة جاءت لتخلص المظلوم والبائس من الظلم، وترد الحقوق المغتصبة لأصحابها، وتدفع عن المظلومين كيد الكائدين وتكشف عن المتآمرين، فالمحاماة هي صمام الأمان الذي يحول دون انحراف العدالة عن الطريق السوي، فالمجتمع من غير محامي مجتمع غابت عنه بوارق الحضارة التي تحقق له التوازن والتعايش بين أفراده.
وانتقد المكاوي تعديل مشروع قانون المسطرة المدنية وما حمله من تقليص صلاحيات المحامي، وفتح المجال للمتقاضين أن يدافعوا عن قضاياهم بدون محامي، مضيفا أنه لا مجال لتقليص دور المحامي حتى لا تضيع حقوق المتقاضين لجهلهم المادة القانونية الواجبة أن تقدم للقضاء، في إطار تنوير العدالة، إلى جانب تقليص مكتسبات الدفاع التي يمارسها المحامون خلال تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب، قائلا: “إن المشروع يتضمن تراجعا يخل بقدرات الدفاع ويعرض حقوق المتقاضين للضياع، كما أن المشروع مخالف للتطور الحداثي الذي يعرفه المغرب في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليس هناك أي تبرير لتجريد المحامين من صلاحياتهم التي تحمي المتقاضين في قضاياهم، وبالتالي من حق المحامين أن يحتجوا على هذا المشروع الذي يمس مكتسباتهم الحقوقية والدستورية، لهذا يدعو الاتحاد العربي للمحامين وزارة العدل إلى مراجعة موقفها من مشروع قانون المسطرة بما يتلاءم مع حقوق المحامين.
من جهته، اعتبر النقيب إدريس شاطر، الرئيس السابق للاتحاد الدولي للمحامين، أن التراجعات التي عرفتها المنظومة التشريعية في المغرب، خصوصا فيما يتعلق بالمسطرة المدنية، انتكاسة حقوقية وتناقضا واضحا مع الدستور المغربي، ومع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادق عليها المغرب، مذكرا بالرسالة الملكية التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في المؤتمر 49 للاتحاد الدولي للمحامين، والتي توصي بالشراكة والتعاون بين الوزارة وهيئات المحامين، وقال فيها ((مهيبين بوزارة العدل، وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن تنسج فيما بينها علاقات شراكة وتعاون ثابتة في إطار المسؤولية والتعبئة، من أجل تحديث المنظومة القانونية، وتأهيل كل الفاعلين في الحقل القضائي، مع الانفتاح على التجارب المثمرة..)).
وأضاف النقيب، أن الملك شدد على أهمية دور المحاماة في العدالة والمجتمع، في رسالته الموجهة إلى اجتماع المحامين العرب قائلا: ((اعتبارا للمبادئ السامية للمحاماة، كرست القوانين الداخلية والمواثيق الدولية مبدأ الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة تأكيدا للرسالة الكونية للمحاماة، لقد أصبحت المحاماة في المجتمع الديمقراطي الحديث تحتل مكانة متميزة بالنظر للدور المحوري للمحامي في تحقيق العدل والدفاع عن دولة الحق والقانون)).
وتابع أن قضية المحاماة هي قضية حقوقية وقانونية يجب الترافع بشأنها، وأن المحامين في المغرب كانوا في مقدمة الإصلاح في مقدمة المحاكمات السياسية، وكانوا يتكلمون عندما كان الكل صامتا، كانوا يقودون جميع التظاهرات النضالية.
بدوره، أكد النقيب محمد أمين بيزولال، رئيس التعاضدية العامة، أن طبيعة أشكال ممارسة مهنة المحاماة حسب القانون المنظم لها، تبقى غير متجانسة وغير مستقرة، وتعرف اختلافا وتباينا لتعدد أشكالها المتمثلة في المساعدة، والمساكنة، والممارسة المستقلة، والممارسة في إطار شركة مدنية مهنية، لا يمكن لأي نظام آخر أن يستوعب كل هذه الوضعيات والإجابة عن إشكالياتها في مجال التغطية الصحية إلا من خلال مكسبهم الاجتماعي، معتبرا أن أي اتجاه يروم فرض هذا القانون على المحامين وهيئاتهم المهنية فيه مس بالمركز القانوني لمؤسستهم الاجتماعية التي أحدثت بناء على القانون المنظم لمهنة المحاماة وظهير 12 نونبر 1963 من جهة، ومن جهة أخرى، تعطيل مقتضى تشريعي ثبت اتخاذه إعمالا لأحكام الدستور.



