تحقيقات أسبوعية

ربورتاج | واحات الجنوب في طي النسيان.. فأين صرفت الملايير ؟

تعيش الواحات في الجنوب الشرقي للمملكة على وقع عدة أزمات وتحديات أبرزها توالي سنوات الجفاف، وندرة المياه والتصحر، وانتشار الضيعات الفلاحية الشاسعة التي احتكرت الموارد المائية القليلة في تلك المناطق على حساب مستقبل ساكنة الواحات، التي تتعرض للتهجير والترحيل بشكل غير مباشر.

الرباط. الأسبوع

    خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تراجعت مساحة الواحات في الجنوب الشرقي للمغرب، خاصة في أقاليم طاطا، وتنغير، وزاكورة، ومحاميد الغزلان وغيرها، نتيجة الجفاف وقلة التساقطات، وأيضا بسبب عوامل بشرية منها الزحف العمراني والحرائق وفسح المجال أمام الزراعات السقوية التي تستنزف الفرشة المائية في تلك المناطق، مما دفع بنشطاء وحقوقيين لدق ناقوس الخطر حول مستقبل الواحات.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومع حلول فصل الصيف، تزداد حرائق الواحات التي تلتهم مساحات واسعة من أشجار النخيل، خاصة في جهة درعة تافيلالت والأقاليم الجنوبية، إذ يصعب إخمادها نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي جعل نشطاء يطالبون الجهات المسؤولة إقليميا ووطنيا، بالتدخل لحماية التجمعات السكانية المتواجدة داخل الواحات ووسط أشجار النخيل، من مخاطر الحرائق التي تسارعت خلال الفترة الأخيرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويلف الغموض مشاريع وكالة تنمية الواحات وشجر الأركان خلال السنوات الماضية، وتطرح تساؤلات عريضة لدى نشطاء البيئة والجمعويين في مناطق الواحات بالجنوب الشرقي، خاصة بعدما صرح مديرها التنفيذي إبراهيم الحافيظي، أن الوكالة صرفت حوالي 105 ملايير درهم، أي حوالي 10.5 ملايير دولار، في تحسين ظروف الساكنة اجتماعيا واقتصاديا، الشيء الذي لم ينعكس على واقع الواحات التي تعيش الموت البطيء، مما دفع الأصوات إلى مطالبة المجلس الأعلى للحسابات بفتح تحقيق في طرق صرف هذه الميزانية الضخمة.

في هذا الصدد، أطلق العديد من النشطاء الجمعويين والحقوقيين عريضة إلكترونية تحت شعار: “الواحة أمانة.. أنقذوا واحات المغرب”، مطالبين بتنظيم حملات توعوية بشراكة مع المجتمع المدني، لحماية الواحات من الحرائق المحتملة، مسجلين أن الجفاف والتصحر ومنح تراخيص للضيعات الزراعية الكبرى (البطيخ الأحمر والأصفر..) تشكل جميعها تهديدات خطيرة على مستقبل الواحات، خاصة مع ندرة المياه، وبعدما عرفت بعض الواحات في إقليمي تنغير والراشيدية حوادث حرائق مختلفة.

في هذا السياق، اعتبر مبارك أوتشرفت، رئيس منتدى “إفوس” وعضو “حركة مغرب البيئة 2050″، أن المنظومة الواحاتية وقع فيها خلل كبير على مستوى الموارد المائية والإيكولوجية بسبب عدة عوامل بشرية ومناخية، حيث أن “تشخيص الوضعية التي وصلت إليها مناطق الواحات بالجنوب والجنوب الشرقي تسائلنا جميعا كيف يمكن حمايتها من الزوال ورجوع الحياة إليها من جديد في ظل الهجرة وبرامج تنموية غير كافية وغير مستمرة ويعوزها إشراك الساكنة والفلاحين، حيث تغيب عنها المقاربة المندمجة والمستدامة، كما أن برامج تنمية الواحات في حاجة إلى تقييم ومحاسبة لأن بعضها لم يحقق أهدافها”.

ويرى أوتشرفت، أن الترافع على الواحات بالجنوب والجنوب الشرقي يبقى ضعيفا وغير فعال لحدود الساعة، بسبب غياب التنسيق واختلاف رؤى الفاعلين، ويتسم بالاتكالية وعدم الاستمرارية بسبب غياب الإمكانيات والموارد البشرية المؤهلة لقيادة حملات للترافع قادرة على الضغط لجعل هذه الأقاليم المتواجدة بالواحات قادرة على البقاء، فالتنمية تحتاج إلى ضخ استثمارات عمومية وخلق مشاريع ذات النفع العام لامتصاص البطالة والحد من نسب الهشاشة والفقر المرتفعة بهذه المناطق المتضررة من الجفاف لسنوات عديدة.

وقال نفس المتحدث، أن “المغرب منخرط في القمم الأممية للمناخ ويسعى جاهدا إلى بلورة استراتيجيات وخطط لتنمية الواحات التي تعد إرثا تاريخيا وحضاريا يميز هذه المناطق، لكن بالمقابل كفاعلين مدنيين وحقوقيين، فإن هذه السياسات العمومية الترابية بجهات الجنوب والجنوب الشرقي، ما زالت لم تحقق نسبة الفعالية والاستدامة المرجوة لدى الساكنة، الشيء الذي يتطلب التفكير الجماعي والفردي لمواجهة التحديات والمعيقات التي تواجه اليوم تنزيل ورش الجهوية للنهوض بحقوق وأوضاع عموم الساكنة المتضررة من قصور هذه البرامج والمشاريع والسياسات العمومية الترابية”.

ويضيف المتحدث ذاته، أن الكل يطالب بمنع الزراعات المستنزفة والمسببة للإجهاد المائي للواحات بالجنوب والجنوب الشرقي، لكن ما زالت هناك مناطق تزرع فيها هذه الزراعات ضدا على القانون وضد على إرادة الساكنة المحلية، الشيء الذي تسبب في الهجرة الطاردة بسبب غياب الماء، وخاصة الماء الصالح للشرب، فالآبار العشوائية في كل مكان يزداد عددها رغم الإجراءات والتدابير الإدارية، ويتم حفرها بتواطؤات مكشوفة دون مراعاة المصلحة الفضلى للمنطقة، والاستثمار بهذه المناطق المنكوبة والمتضررة لا ينبغي أن تكون تكلفته على حساب تهجير الساكنة بسبب المعادن والزراعات الدخيلة على الواحات.

ودعا مبارك أوتشرفت كل الفاعلين والمتدخلين والغيورين، إلى العمل على إنقاذ الواحات من كل المخاطر المحدقة بها وترجمة التوصيات والمقترحات إلى سياسات عمومية ترابية ورصد إمكانيات واستثمارات عمومية صديقة للبيئة والإنسان لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، معتبرا أن التنمية المؤجلة لهذه المناطق الواحاتية وغياب العدالة الاجتماعية وارتفاع تكلفة المعيشة، سيزيد من وطأة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وستنتج عنها بالتالي، عواقب وخيمة مستقبلا.

من جانبه، يقول أمين العوني، مخرج أفلام وثائقية من أبناء الراشيدية، أن الواحات تعد جزء كبيرا من ثقافة المغرب وحضارته، وتحكي قصصا تاريخية  خصوصا في منطقة درعة وتافيلالت، التي أصبحت في طي النسيان، حيث لا يوجد أي اهتمام بها بسبب غياب التواصل وضعف الترافع من قبل أبناء الراشيدية وتافيلالت عن المنطقة، مضيفا أن مشكل الواحات معروف لدى الجميع ويتحمل مسؤوليته المجتمع الصحراوي والمسؤول عن الجنوب الشرقي، لأنهما يتقاسمان المسؤولية في إهمال الواحة، سواء الفلاح لعدم قيامه بتنظيف الواحة من الأعشاش والجريد اليابس الذي أصبح يتكاثر في الواحات، وبسبب الجفاف وغياب الماء والإمكانيات.

وحسب المتحدث ذاته، فإن هناك بعض الإجراءات، لكنها تبقى غير كافية لحماية الواحات من الحرائق التي تنتشر بشكل كبير في المنطقة، وبسبب الإهمال الذي يطالها من قبل المسؤولين والفلاحين، إلى جانب غياب توعية حقيقية عبر إشراك جمعيات المجتمع المدني والمسؤولين، للحد من هذا الزيف المستمر، مشددا على ضرورة التواصل بين المسؤولين والجمعويين مع الساكنة لتحسيسهم بخطورة إهمال الواحات حتى يتم التقليل من هذا النزيف الذي تعرفه واحات الجنوب الشرقي والمحافظة عليها.

وقال أمين العوني: “الرسالة التي أريد إيصالها لأبناء الواحات الذين يعرفون المشاكل وأسرار الواحة، وهم قادرون على حل المشكل من خلال الترافع عن الواحات بمشاركة جميع أبناء المجتمع من الفلاح الصغير إلى المسؤول الكبير عن المنطقة، أقول لهم لابد من التواصل فيما بينهم واقتراح الحلول، خصوصا بالنسبة لجمعيات المجتمع المدني التي تعرف جيدا طبيعة الواحات والمشاكل الواقعة”، مشددا على ضرورة فتح نقاش مفتوح وتواصل بين المسؤولين والمجتمع المدني والفلاحين، والقيام بحملات وبزيارات ميدانية، لأن مشكل الجفاف تعاني منه العديد من الدول، وسبق تجاوزه في السنوات الماضية، ولابد من التحرك والقيام بإجراءات عملية للتخفيف من تأثير الجفاف على مستقبل الواحات.

وقد سبق أن دعا منتدى “إفوس” للديمقراطية وحقوق الإنسان، الحكومة، إلى سن قانون الواحة كمنظومة إيكولوجية وثقافية واجتماعية واقتصادية لحماية الواحات، وتخصيص يوم وطني لها على غرار اليوم الوطني لشجر الأركان، إلى جانب وضع سياسات عمومية مندمجة ذات بعد مجالي وترابي خاص بالواحات ومكوناتها الثقافية والحضارية والتاريخية، وذلك لجعلها رافعة للتنمية القروية والمستدامة لتقليص الفوارق وتحقيق العدالة الاجتماعية للساكنة المحلية بمناطق الواحات.

وأكد المنتدى على ضرورة الإسراع باستكمال وبناء السدود التلية المبرمجة، وبرمجة أخرى بالعديد من المناطق لضمان تأمين الماء والحفاظ عليه، وتثمين ورسملة الموروث المادي واللامادي لمناطق الواحات، وتشجيع السياحة القروية الواحاتية، وإحداث فضاءات وعمران ومنطقة جذب للسياحة الإيكولوجية، ثم إنجاز مشاريع الإنماء من أجل الحماية والحفاظ على الواحات والحد من الهجرة، وشدد على منع زراعة “الدلاح” في مناطق الواحات المهددة بالجفاف بشكل نهائي، واستحضار مقاربة الحفاظ على جمالية الواحة من خلال السياسة العمرانية، واتخاد التدابير والإجراءات المنظمة لحماية الواحة من أخطار التغيرات المناخية بطريقة تشاركية وتضامنية للحفاظ على الواحات وضمان استدامتها، وإحصاء الآبار المتواجدة وحماية الفرشة المائية بتقنين تراخيص حفر الثقب المائية بمناطق الواحات.

فالواحات في الجنوب الشرقي للمملكة وبجهة درعة تافيلالت خصوصا، ليست مجرد مناطق جغرافية، بل تتميز بكونها مجتمعات قبلية عريقة لها تاريخها الوجودي، لكنها بسبب الإهمال والتهميش أصبحت محسوبة على سكان المغرب غير النافع، تعاني مشاكل اقتصادية واجتماعية متعددة، وتعيش فقط على منتوج واحات النخيل التي تعتبر المورد الأساسي للعيش، وتلعبا دورا بيئيا مهما لمنع زحف الرمال على المدن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى