تحقيقات أسبوعية

متابعات | قانون الإضراب.. هل هو مشروع حكومي سري لتحويل العمال إلى عبيد ؟

عاد موضوع قانون الإضراب المثير للجدل للنقاش السياسي والنقابي من جديد، بعدما قررت الحكومة مناقشة مشروع القانون التنظيمي في البرلمان، حول تحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في الإضراب الذي ظل في خزانة البرلمان منذ حكومة عبد الإله بن كيران، بعد رفضه من قبل الفرق البرلمانية آنذاك.

إعداد: خالد الغازي

    أثار المشروع رقم 15-97 الخاص بقانون الإضراب، الكثير من النقاش بين الأوساط المهنية بسبب الصيغة والشروط التي جاء بها، ليتم رفضه بشكل قاطع من قبل النقابات والفاعلين الاجتماعيين والحقوقيين، باعتباره مشروعا تكبيليا يتناقض مع الفصل 29 من الدستور، الذي أكد على مشروعية ممارسة حق الإضراب، ليظل السؤال المطروح: هل أجاب هذا المشروع عن مختلف الإشكاليات المتعلقة بممارسة حق الإضراب، أم أن الهدف منه هو تمريره لنقول أن لدينا قانونا تنظيميا للإضراب فقط ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا الإطار، يرى نشطاء ومتتبعون أن الحكومة تسعى عبر رئيسها عزيز أخنوش، من خلال طرح مشروع قانون الإضراب بشكل سريع في البرلمان، إلى تمريره قبل نهاية السنة الجارية لخدمة مصالح “الباطرونا” التي سبق لها أن تقدمت بمقترح قانون للإجهاز على الحق في الإضراب لدى الشغيلة وتقييده بشروط معقدة، ومنح أرباب العمل السلطة والرأي في تنظيم الإضراب أو رفضه من خلال العديد من الشروط والنقاط المكبلة لهذا الحق الدستوري الذي كان معمولا به في عهد الاستعمار الفرنسي، لكن حكومة أخنوش تسعى إلى مصادرته والتوجه نحو تجريم الحق في الإضراب مستقبلا.

تتمة المقال تحت الإعلان

فمشروع قانون الإضراب الجديد يركز في مقتضياته فقط على القطاع الخاص، حيث تم تخصيص 22 مادة من أصل 49 كلها تتحدث عن كيفيات وشروط ممارسة حق الإضراب في هذا القطاع وكأن الإضراب يمارس فقط في القطاع الخاص من قبل الأجراء والعمال، في حين تم تخصيص أربعة مواد لتحديد شروط ممارسة الإضراب في القطاع العام، ما يؤكد أن هذا المشروع جاء بعيدا عن الممارسة العملية والواقعية للإضراب في الحق العام رغم أن الإشكاليات التي تثيرها ممارسة حق الإضراب في قطاعات التعليم والصحة والجماعات المحلية والعدل، أكثر بكثير من القطاع الخاص.

إدريس عدة

في هذا السياق، يرى إدريس عدة، نائب الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، أن “قانون الإضراب قانون تكبيلي للحق في الإضراب المضمون منذ سنة 1962، والآن هو في كف عفريت، لهذا نتساءل لماذا ضرورة تقنين هذا الحق رغم ممارسته منذ الاستعمار ولا يوجد مشكل لفرضه، لأن هناك قوانين أخرى كفيلة بتدبيره مثل القانون الجنائي، والقانون المدني وقانون الحريات العامة، واجتهادات قضائية، ولم يكن هناك أي فراغ في هذا القانون، وليست هناك حاجة قانونية لوجود قانون الإضراب؟”.

وأكد نفس المتحدث، أن ضرب الحق في الإضراب هو تشجيع لـ 25 في المائة من المقاولات وأرباب العمل الذين يحترمون قانون الشغل، لعدم الالتزام بتنفيذ القوانين، لأن حق الإضراب تمت مصادرته، وبالتالي، سيلتحقون بـ 75 في المائة التي لا تنفذ قانون الشغل في المغرب ولا تحترم الشغيلة، ومن تم، سيرتفع حجم الهشاشة بين الشغيلة والأجراء، لأن سلطات المراقبة والرقابة القانونية إما متواطئة أو ضعيفة، وآليات الوساطة والتحكيم والتفاوض كلها مهترئة، مشيرا إلى أن هناك اتفاقات في المغرب مرت عليها 25 سنة ولم تنفذ لحد اليوم، مثل اتفاق منذ 1996 ينص على تمكين الطبقة العاملة من السكن الاجتماعي، لكنه أقبر ولم ير النور إلى يومنا هذا، وعندما نمنع الإضراب الذي هو وسيلة من وسائل التذكير والضغط من أجل تطبيق قانون الشغل، سنسير في علاقات قطاع الشغل إلى عبودية ما قبل صدور المدونة، موضحا أن عدد الإضرابات الموجودة في المغرب حسب إحصائيات وزارة الشغل، لا تتعدى 300 إضراب ثانوي، 80 في المائة منها لتطبيق قانون مدونة الشغل، وتنفيذ الالتزامات الحكومية، أو للدفاع عن الحريات النقابية أو الحق في المفاوضة الجماعية، وهناك ما يكفي من نصوص لتدبير تنظيم هذا الحق، لهذا نحن لسنا أمام ظاهرة منفلتة لكي نتحكم فيها، معتبرا أن مسؤوليات الحكومات السابقة ثابتة، لكن في الحقيقة “ليست اختيارات للحكومات، فأنتم تعرفون أن دور الحكومات في المغرب شكلي جدا، لأن هناك اختيارات تحالف طبقي يحكم في البلاد كل مرة بقبعة سياسية أو حزب معين، تحالف يدافع عن مصالحه ويفرض تقاعدا بئيسا أكثر من الموجود ويفرض قانونا تراجعيا بالنسبة لقانون الإضراب.

وأشار إدريس عدة إلى أن مواقف المركزيات النقابية متذبذبة، بوجود رافضين للنقاش حول قانون الإضراب، ومن تقول بمقترحات تعديل ما هو مطروح في البرلمان، هذه المواقف نختلف معها، فالمطلوب الآن هو تجميع المواقف لكي نصل لقانون في مصلحة الجميع.

مصطفى جعى

من جهته، أكد مصطفى جعى، رئيس نقابة الممرضين المستقلين، أن قانون الإضراب المطروح حاليا تكبيلي، لأنه يقيد الحقوق العمالية، ويحاصرها، وبقي إلى جانب بعض القوانين التنظيمية، منها ملتمسات العرائض، حيث لا يأتي بتعريف صريح للإضراب وتم ربطه فقط بالدفاع عن المصالح المهنية فقط، دون الإشارة إلى الدفاع عن رفع الأجور الذي هو مطلب أساسي، وبالتالي، نقول الإضراب السياسي ممنوع، مضيفا أن القانون المطروح حاليا في البرلمان للنقاش مثير للجدل ويطرح مجموعة من التساؤلات، خاصة وأنه يفرض في نقطة العقوبات غرامات مالية على المشغل والنقابات رغم أن إمكانيات المكاتب أو التمثيليات النقابية محدودة أمام المشغل، بالإضافة إلى نقطة أخرى تشير إلى استصدار قرار بمنع الإضراب أو حتى تفكيكه، لهذا فهو حسب المقتضيات الزجرية ليس قانونا تكبيليا فقط، بل هو عقابي أيضا.

واعتبر جعى أن مشروع قانون الإضراب 15-97 المعروض على البرلمان، إذا تمت مقارنته بالمشروع الذي تقدمت به الباطرونا سابقا، سوف نجد أنه مماثل له، بمعنى أن هناك تدخل المشغلين في السلطة التنفيذية لفرض قانون للإضراب على الشغيلة، ولتمريره بهذه الطريقة قصد الإجهاز على هذا الحق الدستوري والديمقراطي، لأن الإضراب هو منبع الديمقراطية التي تعرفها أغلبية الدول الديمقراطية، وبالتالي، فالآليات الأساسية لدولة ديمقراطية هي ممارسة هذا الحق، ولكن عند الإجهاز عليه فإننا نتراجع عن المستوى الديمقراطي، بحيث عند النظر في علاقة القطاع العام بهذا القانون التكبيلي، نجد أنه وضع لائحة طويلة جدا للموظفين الممنوعين من ممارسة الحق في الإضراب، بمن فيهم بعض الموظفين المدنيين.

وأوضح ذات المتحدث، أن من بين النقاط التي تصادر الحق في الإضراب وتقيده في مشروع القانون، هي عند ممارسة الحق في الإضراب في المؤسسات العمومية حيث يتم ربطها بنظام الحد الأدنى من الخدمة، وينص على إعداد لائحة بتوافق مع السلطة لتحديد الخدمات التي يكون فيها الحد الأدنى من الخدمة، وبالتالي، فجميع المرافق العمومية باعتبارها لديها خدمة حيوية، سيتم الإجهاز على هذا الحق بالنسبة للموظفين، إلى جانب ضرورة وضع إشعار قبل ممارسة الإضراب بخمسة أيام حتى في حالة الخطر الذي قد يهدد سلامة العمال، وضرورة المفاوضات القبلية على ملفات واضحة من الأول تتعلق بحقوق العمال وتطبيق مدونة الشغل، وإعطاء سلطة للمشغل، معبرا عن رفضه لمشروع قانون الإضراب لأنه يجب أن يسعى للتقنين والتنظيم وليس التكبيل، متسائلا عن كيفية المرور لقانون الإضراب في غياب القانون المنظم للنقابات، خاصة وأن هذا المشروع يتحدث عن الجهة الداعية إلى الإضراب وهي النقابات الأكثر تمثيلية، بينما لا يوجد تعريف للنقابات الأكثر قطاعيا ووطنيا.

بدوره، انتقد عبد الله فناتسة، نقابي في الاتحاد المغربي للشغل وممثل شبكة تقاطع لحقوق الشغيلة، مشروع قانون الإضراب الذي تسعى الحكومة إلى تمريره خلال المرحلة الحالية، لكونه يشكل هجوما على حقوق الشغيلة وعلى مدونة الشغل، ويندرج ضمن الهجوم على القدرة الشرائية وضرب المقاصة ودعم الأسعار، وتعميق البطالة عن طريق الضغط على التشغيل، ومجموعة من الحقوق الأخرى، مضيفا أن الحق في الإضراب هو من بين الحقوق القديمة التي تحققت منذ ما يقارب قرنا من الزمن، حيث أن أول إضراب كان في عهد الاستعمار سنة 1926، ثم جاء دستور 1962 الذي أقر باستمرارية هذا الحق من خلال المادة 16 منه، والتي تقول أن الإضراب يستمر ومضمون، لأنه كان من قبل في قانون الإضراب لسنة 1926 و1936 و1937.

وقال نفس المتحدث: “الحكومة الحالية والسابقة هي فقط واجهة لمصالح رأسمالية كبرى، فالقرار يتخذ بعيدا عن الحكومة لأنها فقط أداة لتنفيذ قرارات سياسات كبرى أغلبها من صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية، وهذا برز في قانون الإضراب، حيث جاءت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي بشروطها للمغرب لتمرير قانون الإضراب ومراجعة قانون التقاعد والتراجع عن صندوق المقاصة، وهذه القوانين تندرج ضمن هجوم شامل”.

فالملاحظ أن الجانب العقابي والزجري طغى على مشروع قانون الإضراب، حيث يتضمن الباب الخامس المخصص للعقوبات 12 مادة من أصل 49 مادة في المشروع تتضمن غرامات مالية، وبالتالي، تم التركيز على البعد الزجري أكثر من البعد التنظيمي للحق في الإضراب، خاصة في المادة 40، التي تعاقب بغرامة مالية تصل إلى 10 آلاف درهم كل من عرقل حرية العمل، والمادة 41، التي تعاقب كل من دعا إلى ممارسة حق الإضراب بغرامة مالية من 20 إلى 50 ألف درهم، دون المرور عبر المادة 7 التي تمنع الإضراب الفجائي وتفرض تقديم ملف مطلبي للمشغل.

والمثير للتساؤل، أن مشروع قانون الإضراب فتح المجال للاستعانة بالمقتضيات الجنائية الصارمة من نصوص قانونية أخرى مثل القانون الجنائي، من بينها منح اختصاص تحرير محاضر المعاينة وإثبات المخالفات لأحكام القانون لضباط الشرطة القضائية، الأمر الذي يجعل المخالفات التي تم إدراجها ضمن مقتضيات مشروع قانون الإضراب، تدخل ضمن جرائم الحق العام.

وترى العديد من الفعاليات ضرورة إعادة صياغة بنود ومحاور مشروع قانون حق الإضراب، خاصة المواد التي تقيد ممارسة هذا الحق الدستوري حتى تتماشى مع القوانين والمواثيق الدولية الخاصة بالمنظمة الدولية للعمل والتشريعات الدولية، لضمان التوازن بين ممارسة الحق في الإضراب وحرية العمل وتطبيق شروط مدونة الشغل وحقوق العمال، لتفادي الوصول للإضراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى