تحقيقات أسبوعية

رأي | كيف يمكن للبرلمان إنقاذ البلدان من الانتهازية السياسية

المعارضة البرلمانية والنضال الانتهازي

في الملكية البرلمانية كما هو الحال في بريطانيا، يسود الملك ولا يحكم، ويكون دوره رمزيا وتمثيليا رغم أنه هو من يكلف رئيس الحكومة ويعين الوزراء، لكن ذلك لا يتعدى نطاق الرمزية والتقدير الذي يحظى به بوصفه ممثل الدولة وأهم رموز السيادة الوطنية دون أن يكون ضالعا بشكل واسع في صياغة وتنفيذ القرارات السياسية التي هي من شأن الحكومة وحدها المنبثقة عن مجالس تمثيلية (البرلمان) يتم انتخابها، ومع تنامي نشاط النبلاء المطالب بتحديد سلطات الملك، اضطر الملك إلى التنازل عن بعض صلاحياته، وتجسد ذلك في ما يعرف في أدبيات السياسة البريطانية بـ”الميثاق الكبير”، وكان ذلك سنة 1215، ونص على تقليص صلاحيات الملك وإلزامه بالتشاور مع حكومته ومع المجالس المحلية التي أحدثت بناء على الميثاق وشكلت أول نواة للديمقراطية وصلاحيات البرلمان البريطاني.

بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيأة وجدة

    منذ القرون الوسطى، أبدى البارونات والوجهاء معارضة شرسة لاستبداد النظام الملكي، وكانت تلك المعارضة عنيفة في بعض الأحيان، لكنها حظيت بشعبية واسعة النطاق نظرا لما تبشر به من تقليص سلطات الملك وإخضاع قراراته وجميع أفعاله للرقابة بواسطة جمعية تمثيلية (البرلمان)، وهذان الأساسان كما هو معروف، شكلا حجر الزاوية في الديمقراطية الحديثة، التي توسعت في كثير من الدول الأوروبية، وهناك دول أخرى تأثرت بالتغيرات السياسية الكبرى التي حدثت في بريطانيا.

ففي الدول الديمقراطية، يوجد ما يسمى بتوأمة “سلطة-معارضة”، ويمكن لهذين التوأمين أن ينظر إليهما على أنهما كيان سياسي أصيل ملازم للفكر الإنساني الديمقراطي المعاصر، لهذا، فإن الديمقراطيات الغربية لا يمكنها أن تعيش بدون “معارضة” حتى أن الملكية في بريطانيا تعتبر المعارضة ضرورية في الحياة السياسية، ويتم استشارتها في أمور كثيرة تهم مصير البلاد، لأن المعارضة ستصبح في يوم من الأيام في السلطة، لذلك استخدمت المعارضة في الدول الغربية من أجل الاستفادة من تجاربها السياسية وكفاءاتها العلمية وقدراتها، في حين أنه توجد في الدول المتخلفة ذات الأنظمة الاستبدادية توجهات سياسية تهدف إلى الضغط على المعارضة، بل القضاء عليها نهائيا عند اللزوم للاستحواذ على السلطة بشكل واسع دون منافس ولا معارض، وفي كثير من الدول المتخلفة، فإن السلطة الحاكمة تسعى إلى خلق معارضة شكلية انتهازية منفعية لاستكمال مسرحية النظام الديمقراطي المزيف عن طريق فبركة أحزاب سياسية انتهازية منفعية من أجل مضايقة المعارضة التقدمية لمنعها من الوصول إلى السلطة مقابل الحصول على الامتيازات، ونتيجة لهذه السياسة الفاسدة، تظل البلاد غارقة في المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية.   

تتمة المقال تحت الإعلان

بعد الخروج من القرون الوسطى، قبلت بريطانيا بالمعارضة واستعملتها لتسيير شؤونها العامة حتى تتمكن جميع القوى السياسية من تسيير شؤون البلاد، وإذا كان وجود الحكومة في الدولة أمر لا مفر منه من أجل تدبير الشأن العام وحفظ الأمن والاستقرار في المجتمع، فإن وجود المعارضة متمثلة في الأحزاب والهيئات التي تراقب أعمال الحكومة وتنتقدها وتستعد لتحل محلها في يوم من الأيام عن طريق انتخابات نزيهة، يجعل الرأي العام متابعا عبر وسائل الإعلام ومشاركا في كشف أخطاء الحكومة، وبذلك يتسع إطار التنظيم الدستوري للدولة، ولا يحتاج تغيير الحكومة إلى ثورة أو عصيان أو تكوين تنظيمات سرية، وحينئذ تعتبر الحكومة والمعارضة أجهزة تعمل في إطار التنظيم الدستوري للدولة مستهدفة الصالح العام.

تتمة المقال تحت الإعلان

إذا كان هدف الجماعات الضاغطة والسياسيين التقدميين والمناضلين الحقوقيين هو محاربة الفساد بجميع أشكاله وأهمه السياسي والمالي، فليس بالإمكان تحقيق هذا الهدف إلا بوجود برلمان قوي منبثق عن إرادة الشعب يكون قادرا على خلق بيئة سياسية تحقق العدالة وتحفز على وضع القانون الأسمى في البلاد، الذي هو الدستور، عن طريق اقتراح مسودته من طرف لجنة تأسيسية بوصفها وكيلا أو نائبا عن الشعب، زيادة على مناقشة التعديلات الدستورية وإقرارها وفقا للطرق المرسومة في الدستور، وصولا إلى تحقيق مبدأ الديمقراطية في ممارسة السلطة، وتتجلى أهمية البرلمان في مجال اقتراح أو وضع المسودة الدستورية ثم دراستها في البرلمان والتصويت عليها قبل طرحها على التصويت الشعبي، في استفتاء دستوري عام من أجل أخذ موافقة الشعب على الدستور، ولقد اهتمت المنظمة العالمية للبرلمانيين بمسألة تعزيز الحكم الرشيد في دول العالم من أجل النهوض بأهداف التنمية المستدامة، ولا جدوى من محاولات مكافحة الفساد في القطاعات والمجالات المختلفة في ظل وجود برلمانات غير قادرة على سن تشريعات لمكافحة مظاهر الفساد في الدولة، خاصة وأن الفساد مرتبط أحيانا بجرائم غسيل الأموال وتهريب المخدرات، والخطير في الأمر هو توظيف القوانين للتستر على الفساد وحمايته والتحايل على النصوص القانونية في كثير من الدول، خاصة في الدول المتخلفة، إذ أن الفساد السياسي يبقى التحدي الرئيسي في الدول العربية حسب تقرير منظمة الشفافية العالمية لسنة 2018، وتقدر تكلفة الفساد في العالم العربي بـ 3 % من الناتج المحلي، أي ما يقدر بحوالي 90 مليار دولار سنويا، وهو ما يمكن أن يحل مشكلة التفاوت الطبقي المتنامي في هذه البلدان ويعالج أسباب الفقر والبطالة وبناء المدارس والمستشفيات التي تفتقر إليها هذه الدول المتخلفة. 

إن من أبرز مهام البرلمان، الدفاع عن القضايا العادلة للوطن ومصالحه الحيوية، وحق المعارضة في تأطير المواطنين وحقها في الوصول إلى السلطة بالطرق الديمقراطية.. كل هذه الحقوق الراقية المتقدمة التي أعطاها الدستور للمعارضة في الدول الديمقراطية تقتضي أن يقابلها وجود نواب لهم كفاءات ثقافية في مستوى طموحات الشعب الذي صوت عليهم، كفاءة علمية وقدرة سياسية ويتمتعون بأخلاق سياسية سامية لترجمة وتنزيل نصوص الدستور على أرض الواقع.

نجد كثيرا من البلدان السائرة في طريق النمو ومن بينها الدول العربية، ترفض إعطاء أي مكانة للمعارضة، وما يجري الآن في الدول العربية إلا دليل على وجود اختلالات في هذه الأنظمة السياسية ورفض المعارضة السياسية وعدم الاعتراف بها كقوة سياسية فاعلة عن طريق تزوير الانتخابات وتزكية المفسدين للترشح في الانتخابات، الشيء الذي أدى إلى اضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية مصحوبة أحيانا بالعنف الدموي والفتن والاحتجاجات الشعبية وما يرافق ذلك من تدهور مستوى المعيشة وتزايد نسبة البطالة.

ويشكل قبول المعارضة من جانب السلطة الحاكمة ثم الاستفادة منها من أجل تسيير عمل المؤسسات السياسية، تقدما بارزا بالنسبة للمواطنين المنتمين للمعارضة، فهؤلاء يستطيعون عن طريق الدستور أن يؤكدوا استقلاليتهم وحرياتهم تجاه السلطة الحاكمة، ويعبرون عن آرائهم، وبواسطة المعارضة يستطيعون مراقبة الحكومة، وهذا مكسب إيجابي للمعارضة، التي يمكنها إظهار قوتها وما لديها من أفكار إيجابية بناءة يستفيد منها المجتمع بأكمله.

إن جوهر الحكومة الديمقراطية يتمثل في سيادة الأغلبية، فليس في الدول الديمقراطية شيء يستطيع مقاومتها، ذلك أن أغلب دساتير الدول الغربية عملت على زيادة قوة الأغلبية، دون إفراغ المعارضة من دورها الإيجابي ودون طغيان هذه الأغلبية على الأقلية، فالأغلبية لا تعدو أن تكون مجموعة من الأفراد كثيرا ما تتعارض آراءهم ومصالحهم مع آراء أشخاص آخرين، وهؤلاء الأشخاص الآخرين يسمونهم أقلية، فإن نحن سلمنا بأن الرجل الذي يملك قوة مطلقة قد يسيء استخدام هذه القوة فيظلم خصومه، فما الذي يمنع الأغلبية من أن تكون معرضة لمثل هذا الخطأ؟ وهذا تصور احتمالي أخذته الدساتير الغربية في الاعتبار، لأنه في السياسة، أسوأ الشر قد ينجم عن طغيان مؤسسة على مؤسسة أخرى.

فعندما يكون البرلمان قويا يتمتع بسلطة تشريعية ورقابة صارمة على تسيير الشأن العام، فإن الشعب يكون مطمئنا على حقوقه ومصالحه ومستقبله، وقد نجح البرلمان في دول عديدة في إقالة عدد من الرؤساء والمسؤولين الكبار من مناصبهم بسبب تهم الفساد واختلاس أموال عمومية، في حين اضطر آخرون إلى تقديم استقالاتهم طوعا خوفا من محاكمتهم، كما قررت بعض الشخصيات السياسية الانسحاب من المعارك الانتخابية لمجرد شبهة تناولتها الصحافة كما فعل مثلا فرانسوا فيون، الذي كان مرشحا لرئاسة فرنسا ضد نيكولا ساركوزي، فأعلن عن انسحابه من الانتخابات بسبب إثارة الصحافة مجرد شبهة ضده أغرقته في الوحل فتراجع عن المشاركة في الاستحقاقات الرئاسية من أجل حفظ كرامته، وغيره كثير من السياسيين الذي انسحبوا أو قدموا استقالاتهم أم تم إجبارهم على التنحي(..)

فهؤلاء المسؤولين أسقطهم البرلمان القوي المنتخب من طرف الشعب وليس برلمانا صوريا، ومما لا شك فيه أن عودة المفسدين المحكوم عليهم باختلاس أموال عمومية تحت أنظار البرلمان، تعتبر مهزلة سياسية تعيق النمو الاقتصادي وكل أهداف خطط التنمية طويلة وقصيرة الأمد، وإهدار موارد الدولة وأموال الشعب وهروب الاستثمارات، سواء وطنية أو أجنبية، لغياب حوافزها، والإخلال بالعدالة التوزيعية للدخل والموارد وإضعاف الفعالية الاقتصادية، واتساع الهوة بين الفئات الفقيرة والغنية، وإضعاف الفعالية الاقتصادية وتشويه دور البرلمان والحكومة بشأن تنفيذ السياسة العامة في البلاد نتيجة عدم فعالية البرلمان وهيبة دولة القانون والمؤسسات وإقصاء أصحاب الكفاءات وضياع كل جهود الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. فهذا كله يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي الذي يؤدي بدوره إلى الاضطرابات وانهيار النسيج الاجتماعي وانتشار الكراهية بين طبقات المجتمع بسبب انعدام العدالة.

وتعد الصفقات العمومية في الدول المتخلفة المجال الحيوي لنشاط المفسدين لسرقة الأموال العامة للدولة، وبالتالي تعد أهم مصدر للفساد يجب على البرلمان التصدي له بصفته ممثلا للسيادة الشعبية وأحد أهم السلطات التي تقوم عليها الدولة لقيادة جهود مكافحة ظاهرة الفساد التي تغلغلت في قطاع الصفقات العمومية، ولهذا فإن البرلمان له دور هام في سن القوانين الرادعة في المجال الجزائي للمفسدين المتورطين في الفساد اعتبارا لدوره الرقابي المفروض عبر الآليات التي يتوفر عليها في إطار رقابته لنشاطات الحكومة باعتبارها الساهرة على صرف وتسيير النفقات ومتابعة المشاريع والصفقات، وتفعيله للأجهزة المختلفة المكلفة بمكافحة ظاهرة الفساد ومحاربتها، لكن عندما يكون البرلمان ضعيفا أو بعض أعضائه هم أنفسهم متورطون في عمليات الفساد، فإن ذلك يشكل خطرا على مستقبل وحياة المواطنين ويدمر أسس الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى