تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | لماذا لا يحب رؤساء الحكومات المندوبية السامية للتخطيط ؟

هل تحول لحليمي إلى ضمير للدولة ؟

مع دخول الأيام الأولى من هذا الصيف الذي يبدو أن درجة الحرارة فيه على غير المعتاد، حيث أنها تبدو منخفضة مقارنة مع السنوات السابقة، يبدو أن الحرارة رفعتها هذه المرة الأرقام الصادمة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والتي تدق ناقوس الخطر حول وضعية البلاد.. فقد أصدرت المندوبية تقريرين متتاليين: الأول يشير وبالأرقام إلى أن عدد فقراء المغرب ارتفع إلى درجة مهولة في سنة 2023 مقارنة مع سنة 2019، والثاني صدر مطلع هذا الشهر، يؤكد أن معدل النمو الاقتصادي في البلاد خلال النصف الأول من هذه السنة، سجل رقما ضعيفا بمعدل 2.5 في المائة، بسبب الجفاف، والملاحظ أنه على الرغم من أن هذه الأرقام صادمة، إلا أن حكومة أخنوش لم تدخل في صراع تكذيب أرقام هذه المؤسسة التي تضرب عمل الحكومة في الصميم، ويحاول هذا الملف مقاربة الموضوع من زاوية أخرى، وهي أسباب ترنح نمو الاقتصاد الوطني مدة عقود في مكانه، إضافة إلى محاولة تفسير عدم رغبة رئيس الحكومة عزيز أخنوش الدخول في مواجهة مع المندوبية السامية للتخطيط التي يرأسها أحمد لحليمي.

أعد الملف: سعد الحمري

أخنوش يقبل أرقام مندوبية التخطيط ويرفض الدخول في مواجهة مع لحليمي

تتمة المقال تحت الإعلان

    إن المتأمل في تاريخ المندوبية السامية للتخطيط، يجد أنها كانت دائمة الدخول في حرب أرقام مع مختلف الحكومات المتعاقبة منذ حكومة إدريس جطو (2002-2007)، والتي كانت أول حكومة دخلت معها في سجال حينما تعلق الأمر بإخبار المواطنين بمعدلات النمو والبطالة، وخلال تلك المرحلة، أكسبت هذه المواقف مندوبية التخطيط مصداقية لدى الرأي العام الوطني، لأنها لم تنسق وراء موجة “قولوا العام زين”، وواجهت الحكومة بالحجة والدليل، وظلت حكومة عباس الفاسي الاستثناء الوحيد، حيث كانت الوحيدة التي لم تدخل مع هذه المؤسسة في صراعات حول الأرقام التي تؤشر على وضعية نمو البلاد.

أما حكومة عبد الإله بن كيران، فقد كانت علاقتها مع مندوبية لحليمي سمنا على عسل خلال السنة الأولى من ولايتها، غير أن الأمور اتخذت منحى آخر، خصوصا خلال نهاية سنة 2013 و2014، فأصبح الوضع أنه ما إن كانت حرب الأرقام تضع أوزارها في المغرب، حتى تستعر من جديد، ومن ذلك ما حدث في بداية سنة 2014، عندما كشف المندوب السامي للتخطيط عن معطيات خطيرة رسمت صورة قاتمة عن الاقتصاد الوطني، يومها خرجت وزارة المالية ببلاغ مضاد حاولت فيه التقليل من شأن التوقعات السوداوية لمندوبية لحليمي.

وقد كان ذلك إيذانا ببداية حرب بين وزراء حكومة بن كيران والمندوبية السامية للتخطيط، حيث أشاد بن كيران في معرض كلمته ردا على مداخلات الفرق البرلمانية في إطار الجلسة الشهرية للأسئلة الشفهية المتعلقة بموضوع تأهيل القطاع المالي بالمغرب، والتي انعقدت أياما قليلة بعد نشر مندوبية التخطيط تقريرها المثير للجدل، (أشاد) بوزراء مالية حكومته، خاصة الوزير نزار البركة الذي كان وزيرا للمالية في النسخة الأولى من الحكومة، حيث تم تتويجه دوليا بجائزة أفضل وزير مالية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما أثنى بن كيران على الوزير عزيز أخنوش، الذي عوض البركة، وأيضا على وزير الاقتصاد والمالية خلال تلك الفترة، محمد بوسعيد.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما خلال مرحلة حكومة سعد الدين العثماني، فلم يختلف الأمر أبدا، فقد ظلت مندوبية التخطيط تقدم أرقاما ترسم واقعا قاتما عن الاقتصاد الوطني، ما جعل العثماني يخطط لإنشاء وكالات جديدة مخصصة للإحصاء بهدف تفريغ المندوبية السامية للتخطيط من معناها، إلا أن حكومة العثماني ذهبت وظلت مندوبية لحليمي قائمة تقوم بعملها، وفي عهد حكومة عزيز أخنوش ظلت تقوم بنفس العمل، ومن ذلك إصدار تقرير حول وضعية سوق الشغل، خلال شهر فبراير الماضي، والذي وصفت أرقامه بالصادمة، حيث قدرت المؤسسة أن نسبة البطالة في المغرب بلغت مستويات خطيرة جدا، حيث وصلت إلى 13 في المائة، وهو رقم مخيف، لكن عزيز أخنوش لم يكن كسابقيه، ذلك أنه لم يدخل في صراع مع لحليمي، بل لجأ إلى منهجية جديدة في العمل، حيث استقبل أحمد لحليمي، أما ما دار في ذلك اللقاء، فقد ذكر موقع “Telquel” أن ((الحوار كان إيجابيا ويسمح، قبل كل شيء، لعزيز أخنوش، بفهم المنهجية التي استخدمها أحمد لحليمي، وعلى عكس وزرائه، مثل رياض مزور، فإن رئيس الحكومة لا يخطط للمواجهة مع المندوبية السامية للتخطيط)).

ولا يبدو أن عزيز أخنوش يفكر في الدخول في مواجهة مع لحليمي في الوقت الراهن رغم نشر مندوبيته أرقاما صادمة حول الفقر، ذكرت من خلالها أن عدد الفقراء في المغرب ارتفع بشكل مخيف جدا، كما نشرت تقريرا آخر مطلع هذا الشهر، أشارت من خلاله إلى تعثر نمو الاقتصاد المغربي خلال النصف الأول من هذه السنة.

ولتجاوز مشكلة ارتفاع البطالة في المغرب، وإيجاد حلول لتشغيل الشباب، أكدت “Telquel” أن عزيز أخنوش تعاقد مع شركة “McKinsey” الأمريكية للاستشارات، وذكرت المجلة ضمن تقريرها المنشور يوم 22 أبريل الماضي، أن ((استخدام خدمات “McKinsey” ليس بالأمر الجديد بالنسبة لعزيز أخنوش، فعندما كان رئيسا لمجلس جهة سوس ماسة درعة، ساعد في وضع الشركة الاستشارية على رادار خدمات الدولة، من خلال تكليفها بتطوير مخططه للتنمية الجهوية، وبعد أن أصبح وزيرا للفلاحة، عهد إلى الحكومة بإعداد مخطط “المغرب الأخضر”، الذي انطلق سنة 2008، كما عملت “McKinsey” على مشاريع هيكلية أخرى، مثل le Plan Azur، وle Plan Emergence، وla stratégie de transformation de l’OCP، وénergétique la stratégie، وبدرجات متفاوتة من النجاح في التنفيذ، في ضوء التقارير المختلفة الصادرة عن مراجعي الحسابات الذين يستعرضون في تقاريرهم الخلل في بعض هذه الخطط)).

تتمة المقال تحت الإعلان
جطو

أسباب ضعف نمو الاقتصاد الوطني يكمن في النهج الاستراتيجي الذي هو نفسه منذ استقلال المغرب

    يلاحظ الباحث الاقتصادي نجيب أقصبي، من خلال كتابه بعنوان: “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج”، الصادر سنة 2024، أنه ((بالمقارنة مع الخيارات التأسيسية والسياسات التي نفذت في عهد الحسن الثاني، فإن سياسة الملك محمد السادس لا تمثل قطيعة معها، بل امتدادا وتطورا في مسار التوجهات الممتدة على مدى خمسين عاما، وأنه مع الاحتفاظ بالخيارات الأساسية (خيارات اقتصاد السوق والقطاع الخاص والنمو من خلال الصادرات)، سيتم اتخاذ مبادرات جديدة لتسريع أو تعزيز الديناميكية التي تم إطلاقها (الاستثمارات في البنية التحتية، وتحرير المبادلات والخوصصة…)، وتفكيك الإطار الاستراتيجي القائم (المخطط الوطني الذي تم استبداله بمخططات قطاعية)، أو حتى تقديم شكل جديد للحكامة يكون أكثر انسجاما مع روح العصر، ومع ذلك، يطرح إشكالية فيما يتعلق بالقيم الديمقراطية العالمية)).

ونتيجة ذلك، فقد أكد نفس الباحث أنه بعد ثلثي قرن من الزمان على استقلال المغرب، لا يزال اقتصادنا يُظهر سمات اقتصاد غير متطور ولا حتى صاعد (émergent) بحكم إنتاجه الداخلي الإجمالي الذي يقل عن 120 مليار دولار في عام 2019، و112 مليارا في عام 2020، حيث يبلغ “وزن” المغرب أقل من 0.15 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي وأقل بأكثر من أربع مرات من الناتج الداخلي الإجمالي لتايلاند، وأقل بـ 14 مرة من الناتج الداخلي لكوريا الجنوبية، وهما دولتان كان إنتاجهما الداخلي الإجمالي قريبا جدا من الناتج الداخلي الإجمالي لبلدنا في عام 1960.. وبلغ نصيب الفرد من نفس الناتج الإجمالي المغربي في الفترة 2019-2020 مستوى قريبا من 3200 دولار، أي أقل بعشر مرات تقريبا من نظيره في كوريا الجنوبية، التي كان هذا المؤشر نفسه أقل بقليل من مؤشر بلدنا في العام 1960، وفي النهاية، فإن هذا المستوى يضع المغرب في الصف 144 ضمن 211 بلدا ضمن قائمة البلدان ذات الدخل المتوسط، الشطر الأدنى.

تتمة المقال تحت الإعلان

نمو الاقتصاد المغربي يراوح مكانه منذ ربع قرن رغم وجود مخططات اقتصادية متنوعة ؟

    لا تكمن المشكلة في تراجع نسبة نمو الاقتصاد الوطني خلال النصف الأول من هذه السنة كما أشار إلى ذلك تقرير المندوبية السامية للتخطيط خلال بداية هذا الشهر، بل إن الأمر يتعلق بنسق يمتد لمدة ربع قرن أو أكثر.. فقد ظل معدل نمو الناتج الداخلي الإجمالي على المدى الطويل ضعيفا نوعا ما، خاصة بالنسبة لبلد يطمح إلى الارتقاء إلى مستوى الدول الناشئة émergents، وبالعودة إلى كتاب الاقتصادي نجيب أقصبي المعنون بـ”الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج”، فنجده يذكر واقع نمو الاقتصاد الوطني خلال ربع قرن الأخير كالتالي: ((خلال السنوات الحادية والعشرين الأولى من القرن الحادي والعشرين، بلغ متوسط معدل النمو 3.6 في المائة فقط، وإذا أخذنا في الاعتبار النمو السكاني، فإن نمو نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي ينخفض إلى ما يقرب من 2 في المائة فقط، على الرغم من أنه على مدار العقدين الماضيين، يمكننا أن نعاين أنه إذا كانت الوتيرة تميل إلى التسارع بشكل طفيف خلال العقد الأول، فإن اتجاه الديناميكية بعد ذلك، اتخذ اتجاها تنازليا إلى حد ما: ارتفع متوسط معدل النمو إلى 4.7 في المائة بين عامي 2000 و2010، ثم 2010، ثم انخفض بعد ذلك إلى 4 في المائة بين عامي 2011 و2015، وإلى 2.8 في المائة بين عامي 2016 و2019، أو إلى 0.9 في المائة فقط إذا اعتمدنا عام 2020، ضعيف للغاية إذن، ويزداد ضعفا)).

تتمة المقال تحت الإعلان

ويعلل نفس الباحث ضعف نمو الاقتصاد الوطني على مدى العقدين الماضيين، بل ويصفه بأنه تنازلي وغير مستقر ومتقلب، بكون الناتج المحلي الإجمالي ككل لا يزال خاضعا لتغيرات الناتج الداخلي الإجمالي الزراعي، وهذا الأخير لا يزال مرهونا بشكل كبير بالتقلبات المناخية في بلد يعرف تغيرات طبيعية قوية، حيث أنه على الرغم من عدة عقود من سياسة “السدود الضخمة والانتقائية”، فإن المناطق المسقية لا تغطي – في أفضل الأحوال – إلا 17 في المائة من المساحات المزروعة في البلاد، حيث أن أكثر من 80 في المائة من الأراضي المزروعة تظل خاضعة لتقلبات أحوال الطقس، وبالتالي، عندما تصاحب تساقطات مطرية مناسبة تطور الدورة النباتية، يكون محصول الحبوب (ما يقرب من ثلثي المساحات المزروعة) جيدا، مما ينعكس بشكل إيجابي على الناتج الداخلي الفلاحي، والذي بدوره يحفز قطاعات أخرى من الاقتصاد، وبالتالي، يدفع الناتج الداخلي الإجمالي إلى الأعلى.

ولسوء الحظ، تعمل هذه الديناميكية أيضا في الاتجاه المعاكس: عجز في تهاطل الأمطار، محصول الحبوب هزيل، انخفاض الناتج الداخلي الزراعي، يليه انخفاض الناتج الداخلي الإجمالي… على مدى أربعين عاما.

ويخلص نفس الباحث إلى أن ((الاقتصاد المغربي يمكن تشخيصه من خلال نوع من الهرم المقلوب(pyramide inversée) ، حيث أنه في الأسفل توجد “القمة”، التي تختزل في رقم رئيسي أساسي وحاسم، كمية محصول الحبوب، بملايين القناطير في المستوى الثاني – المقلوب – للهرم، هذا الرقم هو الذي سيحدد بشكل كبير الناتج الداخلي الإجمالي الزراعي، وبدوره في المستوى الثالث، فإن هذا الناتج الداخلي الإجمالي الفلاحي هو الذي سيحدد بشكل كبير الناتج الداخلي الإجمالي للبلاد، أي للاقتصاد ككل))، ويختم نجيب أقصبي كلامه بالقول: ((ألا يسمح هذا الواقع “المقلوب” بالقول أن الاقتصاد المغربي ما زال يسير على رأسه ؟!)).

تتمة المقال تحت الإعلان

فهل معنى أن ما خلص إليه نجيب أقصبي أن سياسة التصنيع و”صنع في المغرب” لا تغني ولا تسمن الاقتصاد الوطني من جوع ؟ وهل معنى هذا أنه على بلادنا أن تبحث عن نموذج اقتصادي جديد ؟

تعليق واحد

  1. مجرد تساؤل.
    لماذا لا يحب رؤساء الحكومات المندوبية السامية للتخطيط !!!؟؟؟
    التساؤل السالف مقتبس من المقال والرد عليه والرد جاء في المقال بما نصه:
    “إن المتأمل في تاريخ المندوبية السامية للتخطيط، يجد أنها كانت دائمة الدخول في حرب أرقام مع مختلف الحكومات المتعاقبة منذ حكومة إدريس جطو (2002-2007)” انتهى الاقتباس
    ويخلص نفس الباحث (نجيب أقصبي، صاحب كتاب “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج” إلى ما نصه:
    “أن ((الاقتصاد المغربي يمكن تشخيصه من خلال نوع من الهرم المقلوب(pyramide inversée) ، حيث أنه في الأسفل توجد “القمة”، التي تختزل في رقم رئيسي أساسي وحاسم، كمية محصول الحبوب، بملايين القناطير في المستوى الثاني – المقلوب – للهرم، هذا الرقم هو الذي سيحدد بشكل كبير الناتج الداخلي الإجمالي الزراعي، وبدوره في المستوى الثالث، فإن هذا الناتج الداخلي الإجمالي الفلاحي هو الذي سيحدد بشكل كبير الناتج الداخلي الإجمالي للبلاد، أي للاقتصاد ككل))، ويختم نجيب أقصبي كلامه بالقول: ((ألا يسمح هذا الواقع “المقلوب” بالقول أن الاقتصاد المغربي ما زال يسير على رأسه ؟!)).
    فهل معنى أن ما خلص إليه نجيب أقصبي أن سياسة التصنيع و”صنع في المغرب” لا تغني ولا تسمن الاقتصاد الوطني من جوع ؟ وهل معنى هذا أنه على بلادنا أن تبحث عن نموذج اقتصادي جديد ؟” انتهى الاقتباس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى