تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | الإساءة لموسم الحج تهدد قدسية المناسك والمغرب يختار الابتعاد عن الزوبعة

بلاد الحرمين أمام تحديات غير مسبوقة

إعداد: سعيد الريحاني

    ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد، والنعمة.. لك والملك)).. مَن مِن المسلمين لا تهتز مشاعره لسماع كلمات هذا الدعاء، ولكن موسم الحج لسنة 2024 وإن كانت الأمور قد انتهت على خير، فإن حصيلة الوفيات تطرح عدة علامات استفهام.. فمن غير المعقول أن يكون الموعد مع الحج موعدا مع الموت أيضا، بعد أن عرفت هذه السنة وفاة أكثر من 1300 حاج كانوا بصدد أداء المناسك المقدسة، وبينما تتواصل التحقيقات والاعتقالات في عدة بلدان، خاصة العربية، فضل المغرب الذي كانت حصته من المتوفين حوالي 20 حالة، طي الصفحة ببلاغات رسمية جامدة اكتفت بالإشارة إلى عدد الوفيات، بل إن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حاولت التقليل من أهمية الوقائع، بقولها إن وفاة 20 حالة هو نفس العدد الذي سجل السنة الماضية، وقال بلاغ للوزراة أنه “خلال العشرين سنة الماضية، كان عدد الوفيات في صفوف الحجاج المغاربة كل عام ما بين 30 و45 حالة”.. يعني أن ما حصل لا يعد شيئا مقارنة مع سنوات أخرى، وطبعا لم تدخل الوزارة في التفاصيل ولم تكلف نفسها، لا هي ولا جهات أخرى، عناء التحقيق في الشكايات المنتشرة على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، لحجاج مغاربة اشتكوا من سوء التنظيم والخدمات، بل إن التحقيقات لم تشمل دراسة ما إذا كانت هناك خروقات مورست في السعودية من طرف الحجاج المتسللين للحج خارج القانون، ولا يعرف ما إذا كان من بينهم مغاربة أم لا..

في المغرب، لم يتم تسجيل أي تفاعل رسمي قوي لا مع شكايات الحجاج ولا مع أسئلة البرلمان، بعد أن تقدمت عدة فرق برلمانية من الأغلبية والمعارضة بعدة أسئلة إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، بخصوص ما تعرض له الحجاج المغاربة من معاناة ومشاكل خلال أداء مناسك الحج، رغم دفعهم لـ 7 ملايين سنتيم مقابل هذه المناسك، حيث سجلوا غياب المؤطرين والمرشدين والممرضين وعدم مرافقتهم للحجاج يوم مزدلفة ومنى وعرفات، مما جعلهم عرضة للضياع وتسبب في تدهور حالتهم الصحية.. وفي هذا الصدد، قال النائب محمد صباري عن حزب الأصالة والمعاصرة، في سؤال كتابي إلى أحمد التوفيق، أن ((الحج يعد من أعظم أركان الإسلام لما يمثله من قيمة روحية وربانية للمسلمين، ورغم الزيادة في تكاليف الحج ووفاء الحجاج بكافة التزاماتهم، إلا أنه مع كامل الأسف، تسجل سنويا تعثرات أثناء الحج أو بعده.. وأوضح أن مئات الحجاج المغاربة تعرضوا للمبيت في العراء في مخيم منى وسط القمامة والأزبال، كما أن عددا منهم اضطروا للذهاب راجلين من صعيد عرفات للمبيت بمزدلفة في حافلات لنقلهم، منتقدا خدمات التغذية التي كانت سيئة، وغياب الأطقم الطبية وعدم فاعليتها رغم تعرض العديد من الحجاج لحالات إجهاد بسبب الحرارة المرتفعة والاكتظاظ، مسائلا الوزير عن الإجراءات والتدابير التي ستقوم بها الوزارة لتجاوز هذه التعثرات السنوية المتكررة)).

تتمة المقال تحت الإعلان

من جانبها، انتقدت البرلمانية ربيعة بوجة عن حزب العدالة والتنمية، “الظروف المأساوية” التي مر منها الحجاج المغاربة، بعد انتشار فيديوهات توثق “غرق الخيام المخصصة لهم في المياه العادمة، وتعطل المكيفات الهوائية وسط ارتفاع مفرط لدرجة الحرارة، وحصول إغماءات متتالية في صفوف الحجاج، خاصة المرضى والمسنين منهم.. وقالت: ((هذه ليست المرة الأولى التي يعاني فيها الحجاج من ظروف مزرية في موسم الحج جراء تدني الخدمات، متسائلة عن إجراءات تجاوز هذه الإشكالات التي ما فتئت تتكرر عند كل موسم حج بدرجات متفاوتة))..

في السعودية، نقلت وكالة الأنباء “واس” عن وزير الصحة فهد الجلاجل، قوله: ((بلغ عدد الوفيات 1301، 83 في المائة منهم من غير المصرح لهم بالحج، الذين ساروا مسافات طويلة تحت أشعة الشمس بلا مأوى ولا راحة.. وأضاف الجلاجل أنه لم تُسجل أوبئة أو أمراض متفشية، لافتا إلى أن منظومة الصحة قدمت أكثر من 465 ألف خدمة علاجية تخصصية، كان نصيب غير المصرح لهم بالحج منها 141 ألف خدمة.. وكان جميل أبو العينين، المشرف العام على الإدارة العامة للطوارئ والكوارث والنقل الإسعافي في وزارة الصحة السعودية، قد قال – في تصريحات لوكالة رويترز – إن الوزارة لم تلاحظ أي شيء غير طبيعي أو أي انحراف عن الأعداد الطبيعية للحالات المرضية والوفيات)) (المصدر: وكالات).

عدد الحجاج ليس بالرقم الصغير، بل إنه يبلغ حوالي 1 مليون و833 ألفا و164 حاجا من أكثر من 200 دولة، بينهم 221 ألفا و854 من داخل السعودية.. ويفهم من تصريحات المسؤولين السعوديين الذين قالوا إن “العام زين”، أن المسؤول الأول عن ارتباك موسم الحج وارتفاع عدد الوفيات هم أولئك “المتسللين” الذين بلغوا أرقاما قياسية، وتحايلوا لأداء المناسك دون ترخيص..

تتمة المقال تحت الإعلان

لا يعقل الحديث عن “التحايل” فيما يتعلق بأداء الشعائر المقدسة، لكن الأمر حصل بشكل عادي، بل إن بعض المواطنين من دول أخرى قالوا لقنوات أجنبية إنهم “تحايلوا على القانون من أجل الحج”، وهناك من أدى رشوة مقابل الاختباء بعيدا عن السلطات، حيث استغل بعضهم بطاقة الزيارة التي لا علاقة لها بالحج، ثم ظلوا مختبئين لعدة أسابيع إلى حين انطلاق الموسم، وهناك من يتحرك دون ملابس إحرام لكي لا ينكشف أمره(..).

وبعيدا عن التقييم الإعلامي(..)، يمكن القول إن المسؤولين السعوديين بذلوا مجهودات كبيرة لضبط المتسللين.. ((ففي إطار ضبط المخالفين لقوانين الحج، ووفق أحدث تصريحات مدير الأمن العام السعودي ورئيس اللجنة الأمنية للحج، الفريق محمد بن عبد الله البسامي، فقد أفاد بإعادة نحو 98 ألف مركبة مخالفة، وأكثر من 171 ألف مقيم في المملكة من غير المقيمين بمكة المكرمة، وأكثر من 4 آلاف مخالف لأنظمة وتعليمات الحج (الحج بلا تصريح)، وما يزيد عن 6 آلاف مخالف لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود)) (المصدر: الإعلام السعودي).

تتمة المقال تحت الإعلان

وبينما لم تكن الحصيلة ثقيلة من عدد الوفيات بالنسبة للمغاربة، وهذا من حسن حظ العلاقات المغربية السعودية التي تتربص بها عدة أطراف معادية للأنظمة الملكية(..)، فإن حصيلة الوفيات كانت ثقيلة وتعد بالمئات بالنسبة للأردن ومصر وتونس.. وأغلب الهالكين كانوا ضمن قوائم غير قانونية للحج(..).

ومن جهتها، قامت عدة وسائل إعلام عالمية بإحصاء أسباب ارتفاع وفيات الحج هذا العام (كما أدرجها موقعbbc  عربي)، من بينها:

أولا: الحر الشديد:

تتمة المقال تحت الإعلان

يُعتقد أن الحر الشديد في السعودية، حيث سجلت درجات الحرارة 51.8 مائوية في الظل، هو أحد الأسباب الرئيسية وراء وقوع هذا العدد الكبير من الوفيات بين الحجاج هذا العام، وسبق أن حذرت وزارة الصحة السعودية الحجاج من مغبة التعرض للشمس وللحر الشديد، ونصحتهم بتناول كميات كافية من المياه، لكن رغم ذلك، وقع كثير من الحجاج ضحايا للإنهاك الحراري وضربات الشمس.. وعزى دبلوماسي عربي وفاة معظم الـ 658 حاجا مصريا هذا العام إلى الحر الشديد، وافتقر معظم هؤلاء إلى الخدمات المخصصة للحجيج النظاميين، ما حال دون حصولهم على الدعم اللازم.

ثانيا: الزحام الشديد ومشكلات تتعلق بالمرافق الصحية:

استناد إلى العديد من الشهادات، فإن الإدارة السيئة من جانب السلطات السعودية فاقمت الأوضاع، ما أدى إلى أزمات في العديد من المناطق المخصصة للحجيج.. وتحدث شهود عن إدارة بائسة لأماكن الإقامة والمرافق، قائلين إن الخيام شهدت تكدسات في ظل عدم وجود ما يكفي من أجهزة التبريد والمرافق الصحية.. وقالت أمينة (ليس اسمها الحقيقي)، وهي باكستانية تبلغ من العمر 38 عاما: “لم تكن هناك أجهزة تكييف للهواء في خيامنا رغم الحر في مكة، المبردات التي كانت مثبتة لم تكن بها مياه معظم الوقت”.

تتمة المقال تحت الإعلان
مسار الحجاج عن البي بي سي عربي

ثالثا: مشكلات تتعلق بالنقل:

وجد الحجاج أنفسهم، كذلك، مضطرين إلى قطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام تحت وطأة الحر الشديد، وعزى كثيرون تلك المعاناة إلى وجود حواجز تفتيش في الطرق، فضلا عن ضعف إدارة عمليات نقل الحجيج.. وقالت حاجة باكستانية، طلبت عدم ذكر اسمها: “وضعونا في مسار طوله سبع كيلومترات بلا ماء ولا مظلات تقينا أشعة الشمس، وكانت الشرطة قد أقامت حواجز للتفتيش، لنجد أنفسنا مضطرين إلى السير على أقدامنا لمسافات طويلة بلا داع”، وأضافت لـ”بي. بي. سي”: “في المخيمات، تُرك الحجيج كما لو كانوا دواجن أو حيوانات في مزرعة.. لم يكن ثمة فراغ بين الأسرة للتنقّل، ولم يكن هناك عدد كاف من دورات المياه”.

رابعا: ظاهرة الحجاج غير النظاميين:

تتمة المقال تحت الإعلان

من أجل أداء الفريضة، يتعين على المرء الحصول على تأشيرة خاصة بالحج، لكن البعض يسعى إلى الحج من دون الحصول على تلك التأشيرة رغم تحذيرات السلطات السعودية من عواقب ذلك، ولأنهم غير مسجلين رسميا، فإنهم يحرصون على عدم التعرّض للسلطات خشية انكشاف أمرهم، ومن ثمّ يُحرَمون من الحصول على الدعم وقت الحاجة.. هذه المشكلة، حسبما يعتقد كثيرون، أسهمت في ازدياد أعداد الوفيات في موسم الحج هذا العام.. وتلقي السلطات السعودية باللائمة على هؤلاء “الحجيج غير النظاميين” فيما يتعلق بتكدّس الخيام المشار إليه آنفا)) (المصدر: أسباب ارتفاع وفيات الحج/ تقرير موقع “بي. بي. سي عربي).

وأخيرا، مهما كانت المبررات.. فإن ارتفاع عدد الوفيات في موسم الحج وكثرة الشكاوى ودخول مواقع التواصل الاجتماعي على الخط، وتطور وسائل الغش في أداء الشعائر المقدسة، يسائل جميع المتدخلين في الحج، والمسؤولية الأكبر تبقى على عاتق السعودية، فالحديث عن وجود متسللين(..) يؤكد وجود تحديات أمنية ينبغي معالجتها في المستقبل.. هل يعقل أن تكون بلاد الحرمين الشرفين بهذه السهولة حتى يتم اختراقها من طرف آلاف الأشخاص ؟ ماذا لو تم دس أصحاب سوء النية ضمن المتسللين ؟ وماذا لو كانت نيتهم فعل شيء آخر غير الحج(..) ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى