تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | أثار صعود اليمين المتطرف في فرنسا على المغرب

تشهد فرنسا نهاية هذا الشهر انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، وتشير كافة التوقعات إلى فوز اليمين المتطرف الفرنسي وتشكيله الحكومة، وقد أصبحت كلمة اليمين المتطرف تشغل بال المسؤولين في المغرب، حيث وقف المغاربة السنة الماضية منتظرين مآل الانتخابات التشريعية الإسبانية التي كاد أن يكلف فيها اليمين الإسباني بتشكيل الحكومة هناك، ويحاول هذا الملف استعراض تجربة المغرب مع اليمين في إسبانيا، إضافة لتجربة المملكة مع الاشتراكيين في فرنسا خلال مرحلتي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

أعد الملف: سعد الحمري

تجربة المغرب مع اليمين الإسباني المريرة.. هل تشبهها تجربة اليمين الفرنسي المتوقعة ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

    رغم اختلاف الوضع بين إسبانيا وفرنسا، إلا أن استحضار تجربة المغرب مع اليمين الإسباني تبدو ضرورة ملحة، ربما لتوقع تجربة المغرب مع اليمين الفرنسي، فكلنا يتذكر كيف وقف المغاربة خلال السنة الماضية مشدودين لما ستؤول إليه الأمور عندما قرر العاهل الإسباني فيليبي السادس، تعيين زعيم الحزب الشعبي اليميني، ألبيرتو نونييس فييخو، لتشكيل الحكومة خلال أواخر غشت الماضي، ولم يتنفس المغاربة الصعداء إلا عندما فشل هذا الأخير في المهمة، وتم تكليف بيدرو سانشيز من جديد، صاحب القرار التاريخي القاضي بدعم إسبانيا لمخطط الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب كحل نهائي لنزاع الصحراء المغربية المفتعل.

وإن المتأمل في التاريخ السياسي للجارة الشمالية إسبانيا، منذ نهاية عهد حكم الجنرال فرانكو، يجد أنه منذ عودة الملكية في إسبانيا وبداية عصر الديمقراطية، لم يتمكن اليمين في هذا البلد من تولي زمام السلطة طيلة ثلاثة عقود.. فمنذ أول انتخابات تشريعية ديمقراطية والتي نظمت بتاريخ 15 يونيو 1977، لم يفز اليمين الإسباني قط بأي استحقاق انتخابي، كما أنه لم يتمكن من تولي الحكم في البلاد، وإن قراءة موجزة في مسار رؤساء وزراء إسبانيا منذ سنة 1977، تؤدي إلى خلاصة مفادها أن اتحاد الوسط الديمقراطي حكم إسبانيا من سنة 1977 إلى 1982.

والجدير بالذكر، أن العلاقات بين المملكتين الإسبانية والمغربية، لم تخل من مشاكل، غير أنها كانت في أغلبها بسبب قضية الصحراء المغربية، إلى جانب ملف الثغرين المحتلين سبتة ومليلية، بيد أنه كان دائما يتم القضاء على هذه المشاكل، ويتم التفاهم مجددا بين البلدين.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن الوضع انقلب رأسا على عقب.. فقد جرت في إسبانيا انتخابات تشريعية عامة يوم 3 مارس 1996، كانت نتيجتها مفاجئة، حيث فاز الحزب الشعبي الإسباني ذي التوجه اليميني المحافظ، بأغلبية نسبية لأول مرة في تاريخ إسبانيا، وعين على إثرها الملك خوان كارلوس، زعيم الحزب الشعبي خوسيه ماريا أثنار لوبيز، لتشكيل الحكومة الجديدة، وفعلا، نجح هذا الأخير في خلق حكومة وتم تنصيبه يوم 4 ماي 1996 كرئيس جديد للحكومة الإسبانية، وهكذا وقع انقلاب في سياسة الجارة الشمالية، ومن تم بدأت رحلة المغاربة في التعرف على اليمين الإسباني.

وبعد الانتخابات التشريعية الإسبانية، وتنصيب أثنار رئيسا للحكومة في إسبانيا، أسر الملك الحسن الثاني لصديقه القيادي الاشتراكي عبد الواحد الراضي، بأن ((حبل الود بينهما منقطع، وهو غير متفائل بالعلاقات مع إسبانيا في ظل حكم أثنار))، ويسترسل الراضي موضحا، أن ((الملك خوان كارلوس أسر إليه بدوره، أن أثنار رجل مزاجي وحاد الطباع، لكنه يلتزم بكلمته ويفي بوعوده، عكس بعض السياسيين الناعمين في كلامهم والذين لا يلتزمون بالوعود التي يقطعونها))، وبلغ عدم التفاهم بين المغرب واليمين الإسباني أوجه خلال بداية حكم الملك محمد السادس.. فقد كاد سوء التفاهم أن يؤدي بالبلدين إلى حرب بسبب جزيرة ليلى.

وبعد ذلك، صعدت حكومة اشتراكية ترأسها خوسيه لويس ثباثيرو، ووصفت مرحلة الرجل بأنها مرحلة ممتازة في الجوار مع المغرب، وبحلول شهر نونبر 2011، كان المغاربة على موعد مع تحول جديد في الجارة الشمالية، حيث صعد من جديد اليمين في إسبانيا، يومها بدأت رسائل غير مطمئنة تبعث بين المغرب وإسبانيا، حيث تزامنت الانتخابات التشريعية في إسبانيا مع الانتخابات التشريعية في المغرب والتي فاز فيها حزب العدالة والتنمية، يومها قال رئيس الحكومة الجديد عبد الإله بن كيران، وبصريح العبارة تعليقا على فوز ماريانو راخوي: ((العلاقات ستكون صعبة مع راخوي))، غير أنه حدث تحول مفاجئ.. فخلال الأيام التي تلت فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، وقرب تشكيل الحكومة الجديدة في إسبانيا، بدأت رسائل الود تبعث بين الضفتين، وعدت مرحلة ماريانو راخوي دون مشاكل.. وهكذا يمكن القول بأن المغرب عاش تجربتين مع اليمين الإسباني: الأولى كانت مريرة والثانية كانت إيجابية.

تتمة المقال تحت الإعلان
بن كيران رفقة راخوي

عندما كان للمغرب مشكل مع الحزب الحاكم في فرنسا وليس مع الحكومة الفرنسية

    لم يسبق لفرنسا أن سيطر فيها على الحكم حزب واحد لسنوات طويلة، بل في كل مرة كان يصعد حزب جديد، لذلك لن نجد في تاريخ فرنسا أن صعد إلى الحكم اليمين المتطرف لمعرفة علاقته مع المغرب كيف مرت، ويمكن مقارنة اليمين المتطرف في فرنسا بتجربة قديمة، تتمثل في صعود اليسار في فرنسا إلى الحكم لأول مرة، وذلك سنة 1981، بعد فوز فرانسوا ميتران على فاليري جيسكار ديستان، صديق الملك الحسن الثاني، وبهذا أصبح فرانسوا ميتران يوم 10 ماي من نفس السنة، أول رئيس اشتراكي للجمهورية الفرنسية.

وفور فوز الحزب الاشتراكي الفرنسي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، بدأ يلوح في الأفق تطور جديد في العلاقات بين المغرب وفرنسا، حيث ظهر تقارب واضح بين الحزب الحاكم الجديد في فرنسا والجزائر، وترجم ذلك بسرعة من خلال دعوة الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي أصبح يتوفر على أغلبية برلمانية جديدة، إلى تقرير المصير في الصحراء المغربية الذي كانت تنادي به الجزائر وجبهة البوليساريو، وقد كان هذا الأمر بمثابة المنعطف في علاقة الرباط بباريس.

تتمة المقال تحت الإعلان

لم تتأخر الحكومة الفرنسية الجديدة في إبراز موقفها من قضية الصحراء المغربية بصفة رسمية، وكان موقفها مناقضا لما أعلن عنه الحزب الاشتراكي الفرنسي. ومن هنا ظهر في الأفق أن المشكلة ليست بين المغرب والحكومة الفرنسية ولكن مع الحزب الحاكم، وزكى الملك الحسن الثاني فكرة وجود مشكلة بين المغرب والحزب الاشتراكي الفرنسي وليس مع الحكومة الفرنسية، وقد تجسد ذلك في الندوة الصحفية الملكية المنعقدة يوم 2 يوليوز 1981 بالقصر الملكي بالرباط، حيث طرح عليه السؤال التالي: “صاحب الجلالة، لقد عقدتم ندوة صحفية قبل نحو ثلاثة أسابيع، وكان قد وقع تحول حكومي في فرنسا آنذاك، وقد نذهب بعيدا ونقول أنه وقع تحول في النظام في فرنسا، فهل تبدد ذلك القلق الذي أعربتم عنه وقتها بكيفية ضمنية؟”، فأجاب الملك بوضوح قائلا: ((الحقيقة أن القلق الذي خامرني غداة تغيير رئيس الجمهورية، لم يكن مصدره رئيس الجمهورية نفسه، ولكن حزبه أو أجنحة من حزبه كانت لها مواقف مجسمة بذهابها إلى الجزائر والتقائها ببعض الأشخاص. إنني كنت أعلم علم اليقين بخصوص ميتران – وكنت أعرفه منذ سنة 1956 – أن السيد ميتران المعارض لن يكون هو السيد ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية، ثم إن هذا القلق والارتباك أو الشك، لم يدم سوى بضعة أيام ثم سجلت فرنسا موقفها في رسالة من أربع صفحات واضحة لا تردد فيها بخصوص موقف الحكومة الفرنسية، وكنت فعلا أخشى أطرافا معينة من الحزب الاشتراكي، لكنها أطراف ليست من الدرجة العليا)).

وحول نوع علاقته بالرئيس الجديد، خاصة وأن الرئيس السابق جيسكار ديستان كان صديقا للملك، وعن إمكانية أن يكون الرئيس الجديد صديقا له، صرح الحسن الثاني أنه إذا أراد فرانسوا ميتران أن يصبحا أصدقاء، فإنه يقبل ذلك بكل ما يكنه له من تقدير، لأن الرئيس الفرنسي هو الأكبر سنا، وتابع الملك حديثه بأنه لا يرى أي سبب يمنع من أن يصبحا صديقين على اعتبار أنهما يشتركان في العديد من الهوايات، فهما يحبان معا التاريخ والثقافة ويؤمنان بالإنسانية، وعن معرفته بفرانسوا ميتران، أوضح الملك أنه يعرفه منذ سنة 1956، ثم انقطعت أخبار بعضهما عن بعض لأسباب يجهلها الملك.

لم يمر شهران كاملان على تصريحات الملك الحسن الثاني، حتى وقعت بعض الأحداث التي زكت فعلا أن المشكلة توجد بين المغرب والحزب الاشتراكي الفرنسي وليس مع الحكومة الفرنسية، فقد جرى تطور جديد على المستوى الخارجي، حيث وافق المغرب على مخطط لمنظمة الوحدة الإفريقية، وذلك أثناء انعقاد قمة المنظمة في العاصمة الكينية نيروبي، على شروط إجراء استفتاء في الصحراء المغربية، وقد أعرب وقتها المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي عن تحفظه بشأن قبول هذا الاستفتاء في بيان مؤرخ بـ 5 شتنبر 1981، وعلى إثر ذلك، ألقي القبض على عبد الرحيم بوعبيد وأعضاء المكتب السياسي للحزب، وحوكموا.

تتمة المقال تحت الإعلان

كان الحزب الاشتراكي الفرنسي ينتظر الفرصة السانحة لمهاجمة المغرب، ولم يجد أفضل من هذه الأحداث، لذلك أصدر بلاغا نشره يوم 9 شتنبر 1981، طالب من خلاله بإلحاح بإطلاق سراح عبد الرحيم بوعبيد وبقية أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، غير أن هذا البلاغ لم يكن كباقي البلاغات، فقد جاء فيه أن ((الإفراج عن المعتقلين المذكورين سيقيم أمام الحزب الاشتراكي الفرنسي البرهان على أنه لا تزال بالمغرب بعض أثار نظام ديمقراطي للحكم))، وهكذا يظهر من خلال المفردات المستعملة، أن الحزب الحاكم في فرنسا استعمل مفردات لا تليق بمخاطبة دولة لها سيادتها، ولم تتأخر الحكومة المغربية في الرد، فقد نشرت تصريحا يوم 10 شتنبر 1981، ردا على بلاغ الحزب الاشتراكي الفرنسي، اعتبرت من خلاله أن ((هذا التدخل، سواء بالنظر إلى حجمه أو إلى جسارة صيغته، يعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية لبلد يتمتع بالسيادة)).

واستمرت العلاقات المغربية الفرنسية طبيعية خلال مرحلة حكم فرانسوا ميتران، في حين ظلت العلاقات بين المغرب والحزب الاشتراكي الفرنسي في حالة توتر وصراع. وفي سنة 1995، أجريت انتخابات فرنسية جديدة كان من نتائجها فوز المرشح الرئاسي جاك شيراك، الذي كان يعتبر صديق المغرب، والذي قام بعد انتخابه بفترة قصيرة، بزيارة للمغرب يوم التاسع عشر من يوليوز 1995، التقى خلالها الملك الحسن الثاني، وكانت أول مناسبة يلقي فيها خطابا أمام الجالية الفرنسية في المغرب، كما أنها شكلت دفعة كبيرة للعلاقات الثنائية بين البلدين. ومن تم بدأ الحديث عن شهر عسل بين المغرب وفرنسا.. فقد أجرى الملك الحسن الثاني حوارا مع جريدة “لوفيغارو” الفرنسية، يوم 29 أبريل 1996، وكان أول سؤال أثار الملك هو عندما سأله الصحفي بأن شهر عسل قد بدأ بين المغرب وفرنسا، في إشارة إلى العلاقة الجيدة بينه وبين الرئيس الجديد جاك شيراك، فأجاب الحسن الثاني بكلمة واحدة وهي “ولم ذلك؟”، فعاد الصحفي وذكر بأن العلاقات بين البلدين كان يطبعها بعض الخلاف، ليجيب الملك بأنه ((كان هناك بعض سوء التفاهم مع فرنسا شبه الرسمية، لكن فرنسا الرسمية لم يكن للمغرب معها أدنى مشكل)).

تتمة المقال تحت الإعلان

من المتضرر من اليمين المتطرف الفرنسي.. المغرب أم الجزائر ؟

    بالعودة إلى تجربة المغرب مع اليمين المتطرف في إسبانيا التي كانت مريرة خلال مرحلة حكم خوسي ماريا أثنار، نجد أن هناك تفسيرا واحدا، وهو عقد اليمين المتطرف مع المغرب والتي تعود إلى قرون، حيث أن اليمين المتطرف ما زال ينظر إلى المغرب على أنه عدو إسبانيا الرئيسي مرورا من فتح الأندلس وصولا إلى حرب الريف ما بين سنتي 1921 و1926، أما اليمين المتطرف في فرنسا، فلا يبدو أن له عقدا مع المغرب بقدر ما له عقدا مع الجزائر، ومنها مطالبته باستمرار بإلغاء اتفاقية الهجرة لسنة 1968 الموقعة بين فرنسا والجزائر، والتي تؤطر وجود الجزائريين فوق التراب الفرنسي، كما أن هناك ملفا آخر لليمين المتطرف الفرنسي، ويتعلق الأمر بموقفه الصارم من ملف “الذاكرة”، حيث تطالب الجزائر بإعادة أرشيف مرحلة الاستعمار، وكذلك رؤوس المقاومين الجزائريين المحتفظ بهم في متحف باريس، وكما هو معلوم، فإن جل قادة اليمين المتطرف سبق لآبائهم أن شغلوا مناصب عسكرية أو شبه عسكرية في الجزائر قبل استقلالها، ولهم موقف صارم يتمثل في عدم الاعتذار عن حقبة الاستعمار.

وقد بدأت الجزائر منذ مدة في دعم المعتدلين الفرنسيين لمواجهة خطر صعود اليمين المتطرف.. فقد كتبت جريدة “القدس العربي” تعليقا على زيارة عمدة مارسيليا شهر ماي الماضي إلى الجزائر ما يلي: ((كشفت الزيارة الأخيرة لعمدة مارسيليا إلى الجزائر، واستقباله على أعلى مستوى رغم عدم حيازته لصفة دبلوماسية أو حكومية، عن توجه عام لدعم الأصوات المعتدلة في فرنسا التي تتعاطى بإيجابية مع مسائل الذاكرة وتواجه أفكار اليمين بشقيه التقليدي والمتطرف، الذي ينصب العداء للجزائر ولمهاجريها في فرنسا، وهو ما ظهر بقوة خلال الفترة الأخيرة، من خلال الحملات التي لا تتوقف في البرلمان الفرنسي من قبل هذا التيار، لعرقلة كل بوادر التقارب بين البلدين)).

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى