تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | المحاولات الفاشلة لربط القضية الفلسطينية بمعضلة البوليساريو

يجري خلال هذه الأيام بقوة تداول اسم المملكة المغربية ومحاولة إقحامها في العدوان الإسرائيلي على غزة.. فمن ناحية إسرائيل، سال مداد كثير مؤخرا على خلفية رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي خريطة للشرق الأوسط تتضمن خريطة للمغرب دون صحرائه، لتعتذر وزارة الخارجية الإسرائيلية بعد ذلك بيوم عن الواقعة.

وبالموازاة مع ذلك، وجدت الجارة الشرقية الفرصة مناسبة لمهاجمة المغرب إعلاميا، حيث تداولت وسائل إعلام جزائرية وعدد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ادعاءات زائفة عن مشاركة 4000 جندي مغربي إلى جانب إسرائيل في حربها ضد حركة “حماس”، ووصل الأمر إلى فبركة مصادر بالقول: ((إن هذه الأخبار أوردتها شبكة “الجزيرة” القطرية نقلا عن صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، التي نقلته بدورها عن مصدر عسكري إسرائيلي في إطار ما سمّي “اتفاقا للدفاع المشترك بين البلدين”، وهو ما أثبتت منصات تدقيق الأخبار عدم صحته، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أطلق خلال الأيام القليلة الماضية المسمى نادر القيسي، ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الجزائر، تصريحات عبر الإعلام الرسمي الجزائري ليهاجم المملكة المغربية التي اتهمها بـ”التواطؤ” مع إسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني، دون أن يفوته أن يكرر أسطوانة النظام الجزائري حينما وصف المغرب بـ”النظام الاستعماري المحتل للأراضي الصحراوية)) وفق تعبيره.

ويحاول هذا الملف استعراض تجارب تاريخية حاولت من خلالها الجزائر استغلال القضية الفلسطينية لخدمة أجندة البوليساريو ومن ضمنها ما وقع بين سنتي 1977 و1978، إضافة إلى مواقف أخرى..

تتمة المقال تحت الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

البداية كانت سنة 1978

    كثرت محاولات النظام الجزائري ربط القضية الفلسطينية بقضية الصحراء المغربية، وتعود تفاصيل وأطوار أول واقعة حصلت من هذا النوع، إلى سنة 1978.. فبالموازاة مع ما كان يجري في الصحراء المغربية من حرب ضارية بين المغرب وجبهة البوليساريو، كان الوضع في الشرق الأوسط مماثلا، حيث وقع يوم 9 نونبر من عام 1977 حدث كان له ما بعده.. فقد أعلن الرئيس المصري محمد أنور السادات عن استعداده للذهاب إلى القدس، بل وإلى الكنيست الإسرائيلي، وقال: ((ستدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته، ومناقشتهم))، ولم يتأخر الرئيس المصري في تنفيذ ما أعلن عنه، فقد حطت طائرته الخاصة يوم 20 نونبر من نفس السنة بإسرائيل، وهو التاريخ الذي وافق يوم عيد الأضحى، وصلى صلاة العيد بالقدس الشريف، وبينما عبر بعض القادة العرب عن رفضهم لهذه الفكرة، أيد الملك الحسن الثاني مساعي الرئيس أنور السادات علانية، إذ بعد أيام قليلة من خطاب الرئيس المصري أمام مجلس الشعب، استقبل المغرب اجتماعا لوزراء العدل العرب، ألقى الحسن الثاني كلمة افتتاحية للمؤتمر عبر خلالها عن تأييده ودعمه لمبادرة الرئيس المصري، وفي اليوم الذي حل فيه أنور السادات بإسرائيل وألقى كلمته بالكنيست، برر الملك المغربي للصحافة المصرية بأنه دعم مبادرة الرئيس المصري لأنه وجد أن من شأنها أن تشكل منعطفا تاريخيا خطيرا على إسرائيل، لأن سفر الرئيس المصري إلى إسرائيل جعلها مجبرة على الرد على مبادرته، فإن كان الرد إيجابيا فذلك جيد، حسب تصريحه، وإن كان سلبيا، حكم التاريخ على إسرائيل نهائيا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتجدر الإشارة إلى أنه رغم إعلان الملك الحسن الثاني عن دعمه لمبادرة الرئيس المصري، والقاضية بالدخول في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، إلا أن الملك لم يستبعد إمكانية عودة الحرب بين العرب وإسرائيل في حال لم تنجح المفاوضات في جلب السلام، حيث قال في هذا الصدد خلال حوار صحفي في بداية سنة 1978: ((حين نذهب للمفاوضات، لا يعني ذلك أننا نذهب للتنازل عن حقوقنا، بل إن هدف المفاوضات هو الإقناع والاقتناع، والطرف العربي لم يكن في حاجة إلى اقتناع، لأن الأرض المحتلة أرضه، والحقوق المغتصبة حقوقه، لا يمكن إقناعه بقبول أي تنازل ونحن الطرف المعتدى عليه، فلم تبق إلا محاولة إقناع الخصم بحقنا، فإذا لم يقتنع.. ماذا يبقى لنا؟ يبقى استرجاع الحق بأي وسيلة كانت، وحتى لو استعملنا السلاح وبدأنا بالهجوم فالحق معنا، لأنه لن يكون هجوما للعدوان أو اغتصاب أرض أو للتوسع، بل لاسترجاع أرضنا وحقوقنا، وهو أمر مشروع في جميع المواثيق والمبادئ.. إن المغرب يأمل من صميم قلبه وقناعاته ألا تقع حرب خامسة بين العرب وإسرائيل، لأن مضاعفات هذه الحرب بالنسبة للمنطقة وللعالم ستكون وخيمة جدا، وربما ستجر إلى تدخل الدول الكبرى نظرا لقضايا الطاقة والتطاحن الموجود في المنطقة، فأملي ألا نركب طريق الحرب، ولكن إذا اضطررنا إلى ركوبه، فنصيحتي أن يتفق الجميع بأن المغرب سيكون من السباقين كعادته إلى تنفيذ التزاماته القومية)).

وفي ظل هذه الأوضاع، هاجمت قوات جزائرية ما بين 30 شتنبر وفاتح أكتوبر 1978، موقعين مغربيين بحاسي تلمسي، وهي المنطقة التي تدخل ضمن الحدود المغربية بمقتضى معاهدة 1972 الموقعة بين المغرب والجزائر، فقام الملك الحسن الثاني بعد ذلك مباشرة، بإرسال رسالة احتجاج مباشرة إلى الرئيس الجزائري هواري بومدين، رغم القطيعة الدبلوماسية بين الدولتين منذ مارس 1976، وبدوره، أرسل هواري بومدين رسالة جوابية إلى الملك الحسن الثاني يوم 6 أكتوبر، أي بعد أربعة أيام، غير أن هذه الرسالة لم تكن كباقي الرسائل.. فقد ربط الرئيس الجزائري أسباب القطيعة الدبلوماسية بين البلدين إلى عوامل أخرى غير قضية الصحراء المغربية، حيث أوضح أن العائق الأكبر الذي يحول دون استئناف العلاقات هو تباين مواقف البلدين من القضية الفلسطينية، حيث جاء في مطلع رسالته التي وجهها للملك: ((اسمحوا لي، وأنا متأكد من ذلك، أن أعرب عن أسفي من أن الدبلوماسية العلنية أصبحت اليوم تحل محل الدبلوماسية التقليدية، ولذا فإنني أود أنا أيضا كما تمنيتم ذلك، أن أستأنف الاتصال المباشر معكم حيث أن الحوار المباشر أفضل لا محالة، ولكن هل يعقل ذلك بعد المواقف التي اتخذها كل منا في شأن القضية الفلسطينية وامتداداتها بالنسبة للشرق الأوسط والأمة العربية؟)).

لقد جعل هذا الأمر وزارة الإعلام المغربية تصدر بيان حقيقة ضمنته عددا من الملاحظات الأساسية التي أثارتها رسالة الرئيس الجزائري في نفس اليوم الذي بعث فيه رسالته، على اعتبار أن الرسالة التي أجاب بها هواري بومدين عن خطاب الملك الحسن الثاني تستدعي تقديم ملاحظات أساسية، وضمنتها في التالي: ((إن الرئيس بومدين تساءل ضمن رسالته هل لا يزال معقولا ربط الاتصال المباشر بين المغرب والجزائر لتصفية الجو السياسي بمنطقة المغرب العربي بعد المواقف الأخيرة التي اتخذها الطرفان كل فيما يخصه بشأن القضية الفلسطينية؟ وأكدت الوزارة أن الرئيس الجزائري بومدين وضع هذا التساؤل وكأن المغرب والجزائر يفصل بينهما جدار سميك في موضوع القضية الفلسطينية، ويجعل حوارهما في قضية التوتر بمنطقة المغرب العربي لا يمر حتما إلا بطريق مسدود))..

تتمة المقال تحت الإعلان

وضمن نفس البيان، ذكرت الوزارة أن موقف المغرب واضح بشأن القضية الفلسطينية، وأنه متشبث بقرارات مؤتمر القمة العربية بالرباط الذي انعقد سنة 1974، وهي القمة التي فتحت الباب على عكس مقررات مؤتمر الخرطوم 1967 لمبادرات السلام القائم على العدل، وأعطت الضوء الأخضر للعمل على تسوية شاملة لمشكل النزاع العربي الإسرائيلي على أساس إنصاف الحقوق العربية المشروعة، وأكدت الوزارة أن المغرب لم يحد قط عن هذه الخطة على عكس الجزائر، التي اعتبرت أن لها الحق في الالتزام بالرفض، وهو موقف تأخذ به أقلية من دول الجامعة العربية التي لا يزال أغلبها في نفس موقف المغرب وفاء لقرارات قمة الرباط، وأضاف نفس البيان، أن إرادة السلام التي للمغرب تجعله يؤمن بمعالجة التوتر السائد في المنطقة بروح إيجابية لا يؤثر عليها أي اختلاف في المواقف مهما كان بالنسبة للقضية العربية.

واقعة 1987.. عندما صححت منظمة التحرير الفلسطينية خطأها

تتمة المقال تحت الإعلان

    لم تتوقف الجارة الشرقية عند هذا الحد، بل حاولت في عدة مناسبات إقحام الفلسطينيين في صراع الصحراء المغربية.. ففي سنة 1987، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر العاصمة، ونجحت الجزائر في فرض حضور زعيم البوليساريو في الاجتماع، وفي خطابه، شبه زعيم البوليساريو الراحل محمد عبد العزيز المغاربة بالصهاينة، على مسمع من ياسر عرفات، الذي كان قد وعد قبل أيام من انعقاد المؤتمر وفدا مغربيا بقيادة أحمد بنسودة مستشار الحسن الثاني، بعدم حضور زعيم الجبهة الانفصالية.

وقد رد الملك الحسن الثاني بإلقائه خطابا شديد اللهجة قال فيه: ((لقد أصدرنا أمرنا إلى جميع ممثلينا، كانوا رسميين أو غير رسمي

ين، يمثلون الأحزاب السياسية أو الهيئات الأخرى، أنهم إذا حضروا أي محفل دولي وقام أي فلسطيني يتكلم عن فلسطين، أن يغادروا مكان الاجتماع))، وبعد مدة قصيرة عادت المياه إلى مجاريها، وكان ياسر عرفات يحرص على زيارة المغرب والالتقاء بالملك الحسن الثاني من أجل إطلاعه على آخر مستجدات القضية الفلسطينية، وبعد التوقيع على “اتفاقية أوسلو” بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في شتنبر 1993، وإعلان إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، وقف المسؤولون الفلسطينيون على مسافة واحدة من المغرب والجزائر، ولم يتدخلوا في نزاع الصحراء.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبعد سنة من “اتفاقية أوسلو”، نظم المغرب فعاليات المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمدينة الدار البيضاء، ما بين 30 أكتوبر وفاتح نونبر 1994، والذي عرف مشاركة 2500 مشارك يمثلون 61 دولة، واستمرت أشغاله 3 أيام، معظمهم من رجال الأعمال، بالإضافة إلى ممثلين عن جميع الدول العربية باستثناء سوريا ولبنان، اللتين قاطعتا المؤتمر، وشاركت فيه الولايات المتحدة والدول الأوروبية والآسيوية.

ورغم مساهمة المغرب بشكل قوي في التقارب بين العرب وإسرائيل خلال سنة 1994 وتنظيمه لهذه القمة الاقتصادية، إلا أن ذلك لم يمنعه من الدفاع عن حقوق الفلسطينيين والدفاع عنهم بعد ذلك.. ففي سنة 1995، أثار قرار إسرائيل الاستيلاء على 53 هكتارا من أملاك العرب بمدينة القدس الشرقية غضبة قوية في العالم الإسلامي واستياء عميقا في جميع الدول التي كانت تتطلع بلهفة إلى إقامة سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الأوسط، وقد كان في طليعة المستائين والمستنكرين لهذا الابتزاز التعسفي الإسرائيلي، الملك الحسن الثاني، رئيس لجنة القدس، الذي كتب إلى الوزير الأول الإسرائيلي إسحاق رابين، وبيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبوريس يلتسن رئيس فيدرالية روسيا، ورؤساء الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بعث لهم رسائل يلفت فيها النظر إلى خطورة القرار الإسرائيلي وطالب بإلغائه محافظة على مسيرة السلام المتعثرة.

ومما جاء في الرسالة التي بعثها الملك إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي يوم 4 ماي 1995، أن ((استلاب إسرائيل 53 هكتارا من الأراضي العربية بالقدس كان له وقع القنبلة في أرجاء العالم كله))، وتضمنت الرسالة أيضا، أن ((المغرب والملك الحسن الثاني آلمهم هذا القرار، لأنه يقدر خطورة العواقب التي ستكون له على إسرائيل وشعوب المنطقة))، وذكّر الملك رئيس الوزراء الإسرائيلي بالقول: ((إننا عملنا بصبر وأناة منذ ما يزيد عن عقدين، متحدين سوء الفهم، ومواجهين أحيانا حتى مناهضة من كان من شأنها أن تهدد موقعنا داخل الأمة العربية، وقد سعينا باستمرار إلى تيسير التقارب اليهودي العربي، وإلى خلق الظروف الملائمة والمناخ الأجدى لتستطيع دول المنطقة أن تعيش في سلام ووفاق))، وتابع الملك كلامه: ((لكن، ها هو استلاب الأملاك العربية سيدفع رأسا إلى دخول نفق مسدود قد يصعب الخروج منه.. إننا حللنا وضعكم في الظروف الخاصة التي تعيشها إسرائيل وما يمثله دائما اقتراب الاستشارة الشعبية من استحقاق ذي بال بالنسبة لأي مسؤول سياسي، ومع ذلك، فمهما كانت جسامة انشغالاتكم الانتخابية، فلا يمكنها مطلقا أن تبرر استلاب الأراضي الذي هو إجراء خطير لا يقره أحد، فضلا عن إهانته لكرامة الآخرين))، وختم الحسن الثاني رسالته بالتالي: ((إننا إذ نحتج بكل قوانا احتجاجا حادا على هذا الإجراء، يحدونا لذلك من جهة، دفاعنا عن مصلحة السلام نفسه، ومن جهة أخرى، استرعاء انتباهكم للمخاطر التي تعرض إسرائيل نفسها لها وهي تجازف مجازفة فاحشة بسلام هش لا يزال يبحث عن وسائل تدعيمه)).

تتمة المقال تحت الإعلان
نادر القيسي ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في آخر زيارة له للجزائر

سنة 2016.. موقف “حماس” الواضح

    وفي سنة 2016، حاولت الجزائر إقحام حركة “حماس” في ملف الصحراء، عن طريق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي راسلت وزارة داخلية قطاع غزة (تابعة لحماس) من أجل السماح لها بتأسيس ما سمته “اللجنة الفلسطينية للتضامن مع الشعب الصحراوي”، واختارت “حماس” الرد بمراسلة رسمية عممتها على وسائل الإعلام، جاء فيها أنه ((يحظر القيام بأي أعمال أو نشاطات تحت هذا العنوان أو مرتبطة به بأي شكل من الأشكال، وتحت طائلة المسؤولية))، وبعد ذلك خرج مسؤولو الحركة للتعبير عن رفضهم لإقحام الفلسطينيين في نزاع الصحراء المغربية، وقال صلاح البردويل، القيادي البارز في “حماس”: ((نحن ننأى بأنفسنا وبمقاومتنا عن أي خلافات عربية عربية، احترامنا للأطراف العربية ولأنفسنا لا يسمح لنا بذلك، وليس لدينا متسع من الوقت لمثل هذا.. لا نسمح ولا يوجد لدينا في غزة أي توجه من هذا القبيل، ولا توجد لدينا أي جمعيات أو لجان بهذا الاسم، هذا هراء وغير موجود إطلاقا)).

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى