تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | “حزب النخبة” يفضح مشاكل الأحزاب السياسية

بين التشخيص واقتراحات الحلول

لا يمكن للفاعل الحزبي والمناضل في صيغته الكلاسيكية أن يقدم جوابا عن أزمة الأحزاب السياسية المغربية إلا إذا تسلح بالمعرفة الأكاديمية، وفي غياب هذا المعطى قد لا يوجد أي منخرط في الرقم الذي تطلبونه(..)، لأن كل سياسي يبحث عن مبررات لوجود حزبه، ولكن جامعة محمد الخامس بالرباط قدمت تشخيصا وأجوبة جد مقنعة حول الظاهرة الحزبية المغربية من خلال مجموعة من الأساتذة الذين جمعهم سقف واحد في اللقاء الذي دعت إليه شعبة القانون العام مع فريق البحث في الأداء السياسي والمؤسساتي، وبعد أن قدمت “الأسبوع” في العدد الماضي وجهة نظر الأستاذ الباحث أحمد بوز والأستاذ الباحث غسان الأمراني، تقدم خلال هذا العدد مقتطفات من تعليقات كل من الأستاذ عبد الحفيظ أدمينو والأستاذ يونس برادة والأستاذ عبد العزيز قراقي والأستاذة بثينة القروي.. ليبدو الأمر كما لو أنه حزب للنخبة يقدم وصفته لمعالجة مشاكل الأحزاب السياسية(..).

إعداد: سعيد الريحاني

 

تتمة المقال تحت الإعلان

يونس برادة: الأحزاب المغربية يحكمها منطق رد الفعل  

    يقول الأستاذ يونس برادة: ((إن الحديث عن الأحزاب السياسية هو حديث ذو شجون.. فقد كنت أتساءل مع المتسائلين منذ 30 سنة عن الديمقراطية ودور الأحزاب السياسية في الدمقرطة وتخليق الحياة السياسية، لكن الحديث عن إشكالية الأحزاب السياسية من الناحية الأكاديمية يتطلب أخذ بعض المحاذير بعين الاعتبار: أولها: المنهجية، فالحديث عن الأحزاب بغض النظر عن النظام السياسي، يجعلنا أمام تجني على الممارسة الأكاديمية)) (حسب قوله).

تتمة المقال تحت الإعلان

يفضل برادة، الذي استأثر حديثه باهتمام كبير داخل اللقاء الذي حمل عنوان: “الأحزاب السياسية المغربية: أزمة أم تحول”، الحديث عن الأحزاب السياسية داخل النظام السياسي المغربي، ويقول: ((هناك ملاحظة ثانية مرتبطة بالعشرية الأخيرة، خاصة بعد التصويت على دستور 2011، حيث لاحظنا تواري الدراسات الجامعية، والحال أننا أمام موضوع لم يدرس بما فيه الكفاية، بل إن هناك تقصيرا من طرف بعض الجامعات في دراسة الأحزاب السياسية، على عكس بلدان أخرى..)).

توجه برادة يظهر جليا من خلال الأسئلة التي طرحها حيث يقول: ((هل نحن بصدد أزمة؟ أعتقد أننا يجب أن نتحدث عن “الفعل الحزبي المؤزوم”، لأننا عندما نتحدث عن أزمة فكأننا نقول بأننا قطعنا مراحل لم تكن فيها أزمة، والحال أن الأحزاب السياسية المغربية منذ أن نشأت مع ظهور أول تنظيم سياسي مغربي، نشأت في سياق استعماري “مأزوم” منذ البداية، وبما أننا نريد أن نركز على مغرب اليوم، فيجب التساؤل: هل استطاعت الأحزاب السياسية التي تأسست في سياقات مختلفة فيما بعد، أن تخرج عن منطق رد الفعل؟ وهل كان بمقدورها أن تعيش وضعية تخالف وضعية الأزمة؟ هل استعطنا في يوم من الأيام أن نؤسس لعمل سياسي واضح؟ إن الأزمة ظلت متلازمة مع العمل الحزبي، بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي في المغرب)) (المصدر: مداخلة الأستاذ برادة).

فـ((النظام في المغرب كما يعلم الجميع، مطبوع بالخصوصية، حيث توجد فيه ملكية حاكمة وتنفيذية، بمعنى أن المؤسسة الملكية لها القسط الوافر في تدبير النظام السياسي، وتدبير العلاقات بين الفاعلين.. وعندما نتحدث عن المؤسسة الملكية يجب أن ننظر إلى الطرف الآخر حيث توجد الأحزاب السياسية، ويجب أن نتساءل هل استطاعت أن تشتغل خارج منطق رد الفعل، بل إن النظام السياسي لم يسمح للأحزاب بالعمل خارج نطاق الأزمة..)) (نفس المصدر).

تتمة المقال تحت الإعلان
عبد الحفيظ أدمينو

عبد الحفيظ أدمينو: عندما تتحول السياسة إلى مصدر للثراء

    بخلاف الأستاذ برادة، يقول الأستاذ عبد الحفيظ أدمينو، الذي كسب خلال السنين الأخيرة ثقة جل الفاعلين داخل المؤسسة التشريعية: ((يجب أن ننتقل من سياق الأزمة إلى سياق التجاوز.. فبدون شك أن اشتغال الأحزاب السياسية عرف إكراهات متعددة مرتبطة بالوظائف المسندة لها انطلاقا من الدستور المغربي، والمتمثلة في تأطير المواطن وتكوين السياسي، والتعبير عن إرادة الناخبين.. هذه الوظائف عرفت تباينا في تنزيلها تماشيا مع السياق الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي.. ويمكن القول إن هذه الوظائف عرفت إكراهات في التفعيل ارتباطا بسياق يتمثل في تنامي أزمة الديمقراطية التمثيلية عبر العالم)).

ولم يكن الأستاذ أدمينو ليتحدث عن المشهد السياسي دون أن يثير عدة ملاحظات، من بينها أن عنصر عدم الثقة أصبح حاضرا في مختلف الديمقراطيات، حيث رصد ضعف منسوب الثقة في المؤسسات، خاصة في الأحزاب السياسية، كما أكد على ملاحظات أخرى أهمها: تزايد الهوة الاجتماعية بين الطبقات الفقيرة والميسورة، وخاصة ما يرتبط باغتناء النخب السياسية، بحيث أصبحت السياسة في بعض الحالات مصدرا للثراء، وكثرة المتابعات خير دليل على هذا الكلام، بالإضافة إلى استغلال المسؤوليات السياسية لتحقيق الأهداف الشخصية والثراء المادي غير المشروع (المصدر: تدخل الأستاذ عبد الحفيظ أدمينو).

تتمة المقال تحت الإعلان

((هذه الإكراهات مطروحة على الصعيد العالمي، وتجاوزها يصطدم بمجموعة من التحديات المرتبطة بمحدودية الوظائف الكلاسيكية للأحزاب، وكذا التحديات المرتبطة بالانتخابات الداخلية للأحزاب نفسها، حيث تحول بعضها إلى تنظيمات أوليغارشية، لا تطبق الديمقراطية الداخلية، وهناك أيضا تحديات مرتبطة بأجيال المناضلين الحزبيين، الذين تغيرت انتظاراتهم.. فأصبحت الأحزاب مثل المقاولات الحزبية التي تعمل فقط على انتقاء المرشحين، مع استبعاد البعد السياسي والحزبي والبعد التنظيمي)).. هكذا يتحدث أدمينو قبل أن يقول: ((أمام هذه التحديات يمكن الحديث عن التخليق والرقمنة، اللذان يمكنهما أن يتيحا الفرص لتعزيز قدرة الأحزاب السياسية على القيام بمهامها وتجديد مشروعيتها..)).

بثينة القروي: خطيئة النشأة تطارد الأحزاب  

بثينة القروي

    بخلاف ما سبق، تفضل الأستاذة القديرة بثينة القروي، أن تنطلق من فرضية أن الأحزاب السياسية تمثل جوهر العمل السياسي في النظام الديمقراطي، بل إنها أشارت إلى “دولة الأحزاب”، قبل أن تتساءل: “هل التسليم بوجود مؤشرات سلبية تخترق الظاهرة الحزبية، يمكن أن يؤدي إلى تساؤل آخر، وهو هل يمكن أن تكون هناك حياة سياسية ديمقراطية بدون أحزاب سياسية؟ وهل يمكن أن نتنبأ بنهاية الحزبية؟ وهل يمكن الحديث عن نهاية الديمقراطية؟”.

تتمة المقال تحت الإعلان

استعانت الأستاذة بثينة بعدة تقارير لتقدم بعض الأرقام الدالة لتفسير أزمة الديمقراطية، بحكم إجادتها لـ”المقتربات”، حيث تقول: ((لابد أن نرجع للتاريخ، وأن التجربة البرلمانية الأولى لم تكن مرتبطة بنشأة الأحزاب السياسية، بل إن القانون كان يمنع الانتماء إلى حزب سياسي.. وفي المغرب ارتبطت نشأة الأحزاب بمحاربة الاستعمار ولم يكن ذلك استجابة للنضال الديمقراطي، لذلك فطبيعة النشأة تجعلنا أمام عدد من المؤشرات، وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن أزمة التمثيلية السياسية))..

بناء على عدة تقارير، قدمت الأستاذة بثينة القروي بعض الأرقام، منها أن 39 في المائة من المواطنين يعتبرون أن الانتخابات لم تكن نزيهة، مقابل 71 في المائة من المواطنين يثقون في الأجهزة الأمنية، وهناك انخفاض تدريجي للثقة في الأحزاب السياسية، و74 في المائة من المواطنين لا يتابعون الشؤون السياسية، وأخيرا 2 في المائة فقط أعضاء في الأحزاب السياسية.. (نفس المصدر: بتصرف).

تخلص القروي إلى تساؤل آخر بناء على المعطيات التي قدمتها، وهي تتراوح بين المشاكل المتعلقة بالوظيفة والمشاكل المتعلقة بالبنية، حيث طرحت إشكال: “هل نحن أمام أزمة بنية، أم أزمة وظيفة”؟ قبل أن تؤكد بعض المعطيات منها:

تتمة المقال تحت الإعلان

– أولا: طبيعة النشأة الحزبية تؤثر على الأحزاب السياسية، وهي نشأة منفصلة عن النظام الديمقراطي التمثيلي؛

– ثانيا: الحياة الحزبية اتسمت بالدوران حول المؤسسة الملكية، إما تجاذبا أو صراعا، وبالتالي كانت الممارسة الحزبية دائما كرد فعل سلبا أو إيجابا؛

– ثالثا: إشكال الديمقراطية الداخلية، فإذا كنا أمام خطاب مكثف يطالب بدمقرطة النظام السياسي، نجد أن هذا الخطاب لا ينتبه إلى الديمقراطية الداخلية للأحزاب، حيث نلاحظ مثلا استمرار منطق الزعامات والمرشح الوحيد..

تتمة المقال تحت الإعلان

3 أسئلة للأستاذ والمحلل السياسي عبد العزيز قراقي:

الأحزاب المغربية فشلت في مواكبة التحولات الكبرى 

عبد العزيز قراقي

♦ هل تعتقد أن المشهد الحزبي في المغرب يعيش أزمة؟ وإذا كنتم تميلون لهذا الاعتقاد ما هي المؤشرات المعتمدة ؟

» أميل إلى فكرة مفادها أن الأحزاب السياسية المغربية تعرف صعوبات على مستوى مسايرة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، وللإشارة، فإن هذا غير مرتبط بدستور 2011، بل يبدو لي أنه بدأ قبل ذلك بكثير، فالأحزاب لم تستوعب تغيير نمط الاقتراع، وإعمال نظام اللائحة، الذي يتطلب أحزابا قوية ببرامجها ومبادئها وقدرتها على تأطير المجتمع، غير أنها ساهمت في إفراغ هذا النظام من محتواه، حيث ألبس لبوس الاقتراع الفردي، وفرض اللجوء أكثر من أي وقت مضى للأعيان، الذين تزايد التنافس بين الأحزاب حول استقطابهم، لقدرتهم على تمكين الأحزاب من العدد الكبير من الأصوات إن لم تكن المقاعد، واللحظة الثانية التي لم تستطع الأحزاب مسايرتها، هي قانون الأحزاب المؤطر للحياة الحزبية والضابط لإيقاعها، حيث أن إعماله لازال يثير الكثير من المشاكل بالنسبة للأحزاب السياسية، من قبيل التمثيلية، والاهتمام بالشباب والنساء، وأخيرا، يشكل الدستور اللحظة الثالثة التي تؤكد أن الأحزاب لم تستطع مسايرة التحولات الكبرى التي يتطلبها إعماله بشكل فعال، خاصة وأن الدستور فرض تعاونا بين السلطات بشكل أفضل مما كان عليه الأمر في الماضي، وأكد حمايتها ودورها، ثم حمايتها من الشطط، في المقابل، يتطلب أحزابا قادرة على اتخاذ المبادرات على مستويات متعددة، ولكن الأحزاب السياسية المغربية يبدو عليها نوع من التيه لا زالت أثاره واضحة المعالم إلى حد اليوم.

♦ شاركتم مؤخرا في لقاء تحت عنوان “الأحزاب المغربية أزمة أم تحول”.. ما هي أبرز ملاحظاتكم في قراءة المشهد السياسي ؟

» يبدو المشهد السياسي وكأنه يعاني من الركود، فالانتخابات هي اللحظة الوحيدة التي تنال الاهتمام المطلق، بعدها يبدو وكأن الفاعلين في المجال السياسي يدخلون مرحلة سبات عميق، في المقابل، يشعر المواطن بأن الانتخابات ونمط الاقتراع باللائحة لا تمنحه فرصة حقيقية للاختيار والمحاسبة.. من هنا أخذ الاهتمام بالانتخابات يتراجع، ولم تعد السياسة تغري مثلما كان الأمر في الماضي، خاصة وأن المواطن بات يتوفر على فضاءات أخرى تمكنه من متابعة المشهد السياسي عن بعد دونما أن يكون طرفا فيه، إن مواقع التواصل الاجتماعي أحدثت ثورة حقيقية على مستوى التواصل السياسي، غير أن الكثير من الأحزاب السياسية صعب عليها مجاراة ذلك، فباتت عاجزة حتى عن تحديث مواقعها على شبكة الأنترنيت، ثم إنه كان من الماضي فرض أن تنهض الأحزاب بدور الوساطة السياسية، غير أن الواضح هو كونها لم تعد قادرة على تحقيق ذلك، وباتت مسكونة بما تحصل عليه من أصوات ومقاعد، لكون كثرة ذلك توفر لها استقرارا ماديا مريحا، ولعل كيفية صرف الأحزاب للغلاف المالي الذي منح لها من أجل الدراسات العلمية، يؤكد الكثير من الحقائق ويغني عن الإطناب في هذا المجال.

♦ ما هو تعليقك على عملية المشاركة السياسية في المغرب على ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة ؟

» يبدو أن المشاركة في الانتخابات المغربية الأخيرة من خلال النسبة المعلن عنها تبقى مقبولة ومنطقية، وعوض أن تفرز قوتين سياسيتين مثلما كان الأمر في الماضي، بوأت ثلاثة أحزاب موقع الصدارة، وعزز ذلك كونها استطاعت أن تنتج في الغالب الأعم نفس النتيجة على المستوى الترابي، غير أن ذلك لم يحدث دينامية حقيقية ترقى إلى تطلعات المجتمع، وتكرس الأمر أكثر بعدما أظهرت الأحزاب السياسية ضعفا على مستوى التواصل السياسي، واتضح أن الأحزاب السياسية لم تعد المشتل الحقيقي للنخب الكفؤة، بعدما تم الاعتماد على أطر تكنوقراطية يتم صبغها في آخر لحظة بلون معين لتحقق الانسجام الشكلي المطلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى