تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | المغرب ضمن محاولة خلق مجتمع مشترك بين الصين والعرب

اتفق العرب على ألا يتفقوا(..)، لذلك من الطبيعي أن تفشل كل التنظيمات الدولية التي يشكلها العرب فيما بينهم، ولكن المتغيرات العالمية الجديدة فرضت تقاطبات جديدة أكبر من كل العرب(..)، وبغض النظر عن الحسابات القديمة القادمة من الغرب(..)، تواصل جمهورية الصين حشد الأصوات العالمية في إطار مشروع كبير للسلام، والتبادل المشترك، وقد ألقت الحكومة الصينية بكامل ثقلها لإنجاح مبادرة جديدة لخلق “مجتمع صيني عربي”، ونجحت في التنسيق مع عدة قادة من العالم العربي: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، والرئيس التونسي قيس سعيد.. كلهم حضروا افتتاح الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي، الذي انعقد مؤخرا، وحضر إلى جانبهم عن الجانب المغربي وزير الخارجية ناصر بوريطة، ما يعني أن المغرب منخرط في هذه الدينامية رغم المطبات التي قد تعترض طريقه من خلال ضغط شركائه التقليديين(..).

إعداد: سعيد الريحاني

    مفتاح المرحلة إذن، هو محاولة خلق “مجتمع عربي صيني”، ما يعني أن العرب قد يصطفون وراء قائد المرحلة، الرئيس الصيني شي جين بينغ(..)، خاصة فيما يتعلق باتخاذ مواقف مشتركة من القضايا الكبرى، ومنها حرب غزة على سبيل المثال، حيث يقول الرئيس الصيني بلسان كل العرب: ((إن الشرق الأوسط أرض خصبة للتنمية، غير أن نيران الحرب لا تزال تشتعل فيها، وقد شهد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تصعيدا حادا منذ أكتوبر الماضي، الأمر الذي ترك معاناة شديدة للشعب.. ولا يجوز استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى، ولا يجوز غياب العدالة إلى الأبد، ولا يجوز زعزعة حل الدولتين بشكل تعسفي.. يدعم الجانب الصيني بثبات إقامة دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ويدعم حصول فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ويدعم عقد مؤتمر سلام دولي بمشاركة أوسع ومصداقية أكثر وفاعلية أكبر.. سيقدم الجانب الصيني مساعدة إضافية بقيمة 500 مليون يوان بعملة الرنمينبي، إضافة إلى المساعدات الإنسانية العاجلة التي تم الإعلان عنها سابقا بقيمة 100 مليون يوان بعملة الرنمينبي، بهدف دعم وتخفيف الأزمة الإنسانية وإعادة الإعمار في قطاع غزة.. وستتبرع الصين بـ 3 ملايين دولار أمريكي لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، بهدف دعم الوكالة لتقديم مساعدات إنسانية عاجلة إلى قطاع غزة)) (مقتطف من كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ).

تتمة المقال تحت الإعلان

التضامن مع فلسطين يجمع كل العرب، ويشكل في الوقت نفسه عبئا كبيرا على المنظومة الغربية(..)، وقد ازداد العبء أكثر بهذه المبادرة الصينية الجديدة لخلق مجتمع عربي صيني(..)، وهي مبادرة بخلاف المبادرات الغربية التي انتهت في أغلب الأحيان بتشتيت الدول المستهدفة، تضمن استفادة متبادلة وعدم التدخل في الشؤون السيادية للدول المعنية، ما يعني أن حسابات القضية الوطنية، شأنها شأن قضية الصين الواحدة، ستجعل المملكة المغربية ضمن حسابات كبيرة(..).

وزير الخارجية الصيني وانغ يي وناصر بوريطة

إن الحديث عن مبادرة صينية لجمع العرب(..) تؤطره عدة منطلقات، وقد حددها الرئيس الصيني في معادلات، قالها في كلمته خلال اللقاء المذكور كما يلي:

1) معادلة أكثر حيوية للتعاون المدفوع بالابتكار: سيتعاون الجانب الصيني مع الجانب العربي في بناء 10 مختبرات مشتركة في المجالات، بما فيها الحياة والصحة والذكاء الاصطناعي والتنمية الخضراء والمنخفضة الكربون والزراعة الحديثة والمعلومات الفضائية، ويحرص الجانب الصيني على تعزيز التعاون مع الجانب العربي في مجال الذكاء الاصطناعي، للعمل سويا على تعزيز دور الذكاء الاصطناعي في تمكين الاقتصاد الحقيقي، والدفع بتكوين نظام الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، والذي يقوم على توافقات واسعة النطاق، كما يحرص الجانب الصيني على التعاون مع الجانب العربي في بناء مركز مشترك لرصد الحطام الفضائي، ومركز للتعاون والتطوير لتطبيقات نظام “بيدو”، وتعزيز التعاون في مجالي الفضاء المأهول والطائرات المدنية؛

تتمة المقال تحت الإعلان

2) معادلة أكبر حجما للتعاون الاستثماري والمالي: يحرص الجانب الصيني على إنشاء منتدى التعاون القطاعي والاستثماري مع الجانب العربي، ومواصلة دفع زيادة عضوية لرابطة المصارف الصينية العربية، وتسريع وتيرة تنفيذ مشاريع التعاون في إطار “القروض الخاصة لدفع العملية الصناعية في الشرق الأوسط” و”القروض الخاصة لدفع التعاون المالي بين الصين والدول العربية”،

ويدعم الجانب الصيني تعزيز التعاون بين المؤسسات المالية للجانبين، ويرحب بالدول العربية لإصدار “سندات الباندا” في الصين، ويرحب بالمؤسسات المصرفية العربية للانضمام إلى نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود (CIPS)، ويحرص على تعميق التواصل والتعاون مع الجانب العربي في مجال العملات الرقمية للبنوك المركزية؛

3) معادلة أكثر تكاملا للتعاون الطاقوي: سيواصل الجانب الصيني تعزيز التعاون الاستراتيجي مع الجانب العربي في مجال النفط والغاز، لربط أمن التموين بأمن السوق.. وستدعم الصين شركات الطاقة والمؤسسات المالية الصينية للمشاركة في مشاريع الدول العربية للطاقة المتجددة التي تتجاوز قدرتها المركبة إجمالي 3000 ميغاوات؛

تتمة المقال تحت الإعلان

4) معادلة أكثر توازنا للتعاون الاقتصادي والتجاري المتبادل المنفعة: سيواصل الجانب الصيني العمل بنشاط على تنفيذ مشاريع التعاون الإنمائي التي تبلغ قيمتها 3 مليارات يوان بعملة الرنمينبي، ويحرص على تسريع وتيرة المفاوضات مع الجانب العربي حول اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية، وتعزيز بناء آلية الحوار للتعاون في التجارة الإلكترونية؛

5) معادلة أوسع أبعادا للتواصل الثقافي والشعبي: يحرص الجانب الصيني على إنشاء “المركز الصيني العربي لمبادرة الحضارة العالمية”، وزيادة الحجم والتأثير لـ”مركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية”، وتسريع وتيرة بناء منصات مثل “الرابطة الصينية العربية للمؤسسات الفكرية” و”منتدى تنمية الشباب الصيني العربي”، و”الرابطة الصينية العربية للجامعات”، و”مركز الدراسات الصيني العربي للتعاون الثقافي والسياحي”.

وسيدعو الجانب الصيني 200 مسؤول من الأحزاب السياسية العربية كل عام إلى زيارة الصين، وسيبذل جهودا مع الجانب العربي من أجل وصول العدد الإجمالي للسياح المتوجهين إلى الطرف الآخر في غضون السنوات الخمس المقبلة إلى 10 ملايين سائح.

تتمة المقال تحت الإعلان

(المعادلات الخمس منقولة كما وردت في كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ).

قنطرة محمد السادس.. نموذج لمشروع صيني عملاق في المغرب

ولمن لم يفهم مبادرة بناء “مجتمع صيني عربي”، يمكنه الرجوع إلى مقال استراتيجي لوزير الخارجية الصيني وانغ يي، الذي استبق القمة المذكورة بالتذكير بثمار العمل العربي الصيني المشترك، حيث قال: ((تواصل الصين والدول العربية توسيع التعاون العملي بينهما لتحقيق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك بجودة أعلى، وقد وقعت الصين مع جميع الدول العربية وجامعة الدول العربية وثائق التعاون لبناء “الحزام والطريق”، وقد نفذ الجانبان ما يزيد عن 200 مشروع كبير في إطار “الحزام والطريق”، ويستفيد ما يقرب من ملياري نسمة لدى الجانبين من نتائج التعاون.

تبقى الصين كأكبر شريك تجاري للدول العربية للسنوات العديدة المتتالية.. فخلال العامين الماضيين، وصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى مستوى جديد، حيث يبقى هذا الحجم الآن على المستوى القياسي البالغ 400 مليار دولار أمريكي، وهو 10 أضعاف مما كان عليه قبل 20 عاما، كما يشهد التعاون الصيني العربي تقدما بارزا في مجالات الطاقة والمالية والبنية التحتية وغيرها، حيث استوردت الصين 265 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية في عام 2023، وهذا الرقم يشكل نسبة 47 % من واردات الصين الإجمالية للنفط الخام من الخارج، كما يتقدم التعاون الصيني العربي في مجالات الطاقة الكهروضوئية، وطاقة الرياح، والطاقة النووية للأغراض المدنية، والطاقة الهيدروجينية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتدخل العملة الصينية إلى الدول العربية بشكل متسارع، إذ وقعت أو مددت الصين اتفاقيات تبادل العملات المحلية مع كل من مصر والإمارات والسعودية، وأصدرت مصر بنجاح “سندات الباندا” في الصين، أما في مجال البنية التحتية، فقد ظهرت سلسلة من علامات جديدة بنتها الصين في الدول العربية، مثل المبنى الموجود في العاصمة الإدارية المصرية الجديدة الذي يلقبه المصريون بـ”الهرم الجديد”، وهو أعلى مبنى في إفريقيا، والطريق السيار الذي يربط شرق الجزائر وغربها ويتجاوز طوله 1200 كيلومتر، و”استاد لوسيل” الملعب الرئيسي لكأس العالم في قطر، وجسر محمد السادس في المغرب، وهو أكبر جسر معلق في إفريقيا..)).

ويمكن توقع الحسابات الصينية مستقبلا من خلال كلام نفس الوزير، وانغ يي، الذي كتب ما يلي، عن رفض نظرية صراع الحضارات والإسلاموفوبيا: ((ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الازدهار والانفتاح، لزيادة ديناميكية تنموية أقوى، يتلاقى توجه الصين للانفتاح غربا مع توجه الدول العربية للتطور شرقا، مما شكل تيارا هائلا للتعاون المتسم بتكامل المزايا والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك..

وستعمل الصين مع الدول العربية على بناء “الحزام والطريق” بجودة عالية بما يضفي حيوية عصرية نابضة على طريق الحرير العريق، وستواصل العمل مع الدول العربية على ترسيخ التعاون في مجال الطاقة كالمحور الرئيسي وتعزيز علاقات الشراكة للعرض والطلب على الطاقة فيما بينهما، إذ ترحب الصين بالدول العربية لزيادة الاستثمار في التنمية الصينية، وفي الوقت نفسه، ستواصل دعم الجانب العربي لتنفيذ المشاريع النموذجية الكبرى والمشاريع الصغيرة والجميلة والناجعة، وسيعمل الجانبان على تهيئة قطب النمو للصناعات المتقدمة والحديثة الذي يضم مزيدا من المكونات العلمية والتكنولوجية..

تتمة المقال تحت الإعلان

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الشمول والاستفادة المتبادلة، وإجراء تبادلات حضارية أكثر تنوعا، حيث تلتقي الحضارتان الصينية والعربية بعد تجاوز الجبال والبحار، والتفاهم بينهما قائم منذ آلاف السنين، وسجلتا قصصا ذائعة الصيت في التاريخ للتلاحم والتنافع بين الحضارات المختلفة، لذلك ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على استكشاف الطرق التنموية المتنوعة للتحديث، وزيادة توثيق التواصل الثقافي والشعبي في مختلف المجالات، التي تشمل الثقافة والتعليم والسياحة والشباب والفنون، وتكريس قيم البشرية المشتركة المتمثلة في السلام والتنمية والإنصاف والعدالة والديمقراطية والحرية، ورفض “نظرية صراع الحضارات” ومقاطعة “الإسلاموفوبيا”، وتنويع حديقة الحضارات في العالم، وقيادة الحضارة البشرية في اتجاه الاحترام المتبادل والتعايش المتناغم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى