كواليس الأخبار

العالم بخير..

بقلم: عبد الرفيع حمضي

    من شاهد القنوات التلفزية العالمية وهي تنقل الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي إلى إسرائيل في بداية شهر ماي، وبالضبط عند استقباله من طرف رئيس الوزراء الإسرائيلي.. فقد لاحظ العالم كيف وقف بنيامين نتنياهو متصلبا في مكانه، في حين ظهر أنتوني بلينكن يركض بسرعة ليسلم عليه، رغم أن هذا الأخير ضيف فوق العادة، مسؤول سياسي لأكبر وأقوى دولة في العالم، والتي تعتبر الحاضنة والراعية والأخ الأكبر لإسرائيل الصغيرة.

وإذا أضفنا إلى هذا المشهد، الصورة الأخرى التي جابت العالم كذلك في نهاية السنة الماضية، حيث ظهر نتنياهو بدون ربطة عنق وقميصه مفتوح في استقبال رسمي لبلينكن، الذي كان قد حل بتل أبيب في زيارة رسمية.. حينها سندرك ما هي مكانة هذا المسؤول الأمريكي ووراءه بلده في السياسة الخارجية والداخلية لدى الكيان الصهيوني؟ فلا استغراب إذن والجميع يسمع أن بلينكن يقول أن زيارته إلى إسرائيل “ليست كوزير خارجية أمريكا فقط، ولكن كيهودي فر جده من القتل”..

 كما لا نستغرب وإسرائيل تستهزئ بمحكمة العدل الدولية وقبلها بكل هيئات الأمم المتحدة، بآلياتها، واتفاقياتها، ورجالها، ونسائها، وقراراتها.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومنذ 7 أكتوبر ونحن نتابع ونلاحظ كيف اصطف الإعلام الغربي بجانب إسرائيل مدافعا عن كل عملياتها العدوانية، بدعوى الدفاع عن النفس والحق في الوجود والحياة، وآلاف الأطفال والنساء يسقطون يوميا..

تابعنا سياسيي أوروبا وأمريكا – إلا من رحم ربك – وهم يرقصون على أصوات المدافع والطائرات وفوق أجساد الضحايا من الرضع والشيوخ..

وتابعنا كيف صمت المثقفون ووقفوا ينتظرون نهاية الفرجة، ليكتبوا الروايات والقصص وينتجون الأفلام ويخلدون “همجية الفلسطينيين” الذين احتجزوا شبانا مستوطنين كانوا يرقصون ويلهون فوق أرض ليست لهم، وأخذوهم رهائن، ولكن لن يكتبوا أي شيء لا عن الأطفال الشهداء، ولا عن الأمهات الثكلى، ولا عن الجياع، ولا عن الأسر التي راحت، فالأوائل بشر من عرق سام، وهؤلاء كراكيز ورسوم متحركة انتهت صلاحيتهم وأدوارهم في مسرحية الاحتلال.

تتمة المقال تحت الإعلان

هكذا اعتقدت إسرائيل أن التاريخ قد توقف، وأن العالم خلفها ولها أن تعبث بجغرافية المنطقة والعالم.

فلا العالم العربي عربي، ولا العالم الإسلامي إسلامي، ولا العالم الغربي ديمقراطي، لكن “اللي كيحسب بوحدو كيشيط ليه”.

من منكم كان يعتقد أن الجامعات الأمريكية ستتحرك هي الأولى؟ هذه الجامعات التي يمولها كبار رجال الأعمال المتعاطفون والمؤيدون لإسرائيل منذ نكبة 1948، وقد هددوا بوقف الدعم وطرد الطلبة وإغلاق الجامعات.. وها هي جامعة كولومبيا منذ عدة أسابيع وهي في اعتصام مفتوح، حيث كان لها شرف إعطاء انطلاقة الشرارة الأولى لتتوسع وتشمل عشرات الجامعات داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها ببريطانيا وأستراليا وكندا، وحتى فرنسا، وفي بقية الجامعات حول العالم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولنا دروس في معركة أقدم جامعة أمريكية، هارفارد، التي تأسست سنة 1636، أي منذ أكثر من أربعة قرون، والتي تقدر قيمة المنح التي تقدمها بـ 42 مليار دولار، وأن 161 من الحاصلين على جائزة نوبل تخرجوا منها، وأنها أعطت ثمانية رؤساء للأمريكيين.

تلك هي هارفارد التي تضامنت مع الفلسطينيين، وهي الجامعة العريقة التي استقالت رئيستها كلودين غاي، بعد تعرضها لهجوم شرس من طرف اللوبي الصهيوني، وتم استجوابها لمدة خمس ساعات بالبرلمان، ورفضت أن تشهد وتقر بأن ما يقوم به الطلاب بجامعتها هو معاداة للسامية، بل هو احتجاج على ما تقوم به إسرائيل من قتل للأبرياء بفلسطين، وهو في العمق ممارسة للحق في التعبير الذي يعتبر من ركائز المجتمع الأمريكي الحر.

وأعتقد أن ما قام به طلاب الجامعات الأمريكية والأوروبية والأسترالية، يمكن قراءته من زاويتين اثنتين على الأقل:

تتمة المقال تحت الإعلان

1) ما يحدث الآن هو بداية التمرد على القهر والضغط الذي مارسته إسرائيل على الرأي العام الغربي منذ عقود، باعتبار وتكييف كل احتجاج هو معاداة للسامية، مع ما يواكب ذلك من آلة إعلامية جهنمية ومن تسلطت عليه، سواء كان فردا أو جماعة أو مؤسسة انتهى أمره (الله يخلف فيه).

2) أما الزاوية الثانية، فتكمن في اتساع الفجوة في ما تعلمه هذه الجامعات الكبرى للطلبة من دروس نظرية حول الديمقراطية والأنظمة الحرة بالعالم، وحقوق الإنسان وقيم الليبرالية، ونهاية الاستعمار والاستعباد، والعولمة، والاستثمار الحر، ونهاية الحدود الاقتصادية، وحرية تنقل السلع في انتظار حرية تنقل الأشخاص، وفي المقابل، ما يشاهدونه في فلسطين من صور وسلوكات ومواقف حكوماتهم وسياسة رؤسائهم.

وفي الأخير، يروى أن شارل ديغول، رمز فرنسا الحرة، حين دخل باريس بعد تحرير بلاده من الغزو الألماني، سأل عن أحوال البلاد، ومؤسساتها، فأخبروه بأنها بأسوأ حال، فسأل سؤاله الشهير: هل القضاء بخير؟ فقالوا له: نعم، فقال قولته الشهيرة: “إذا كان القضاء بخير ففرنسا بخير، فهو الدعامة الأساسية للنهوض بالدولة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولعل هذا يصدق بقوة على حالنا.. فرغم أن العالم يبدو متوحشا، فما دامت الجامعات بخير فالعالم بخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى