تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | معضلة التيارات داخل الأحزاب السياسية المغربية

تاريخ من الشد والجذب

انتهى المؤتمر الوطني الثامن عشر لحزب الاستقلال دون انتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية، وبذلك يكون الحزب قد دخل في أزمة تشكيل هذه اللجنة، ويرجع ذلك إلى الصراع بين تياري الأمين العام للحزب نزار البركة، ورجل الصحراء القوي حمدي ولد الرشيد، حول الأسماء التي يرغب كل طرف في تزكيتها ضمن اللائحة النهائية لأعضاء اللجنة التي تضم 34 اسما، ومن المثير للانتباه في هذه الحالة، أن انقسام الحزب إلى تيارين متصارعين مع بعضهما أمر لا يخص حزب الاستقلال وحده، بل إن ظهور التيارات داخل الأحزاب أصبح نسقا عاما في المشهد السياسي المغربي، ويهدف هذا الملف إلى التطرق لمسألة التيارات داخل الأحزاب السياسية ؟ وهل هي متشابهة، أم لكل تيار داخل حزب سياسي مميزاته الخاصة؟ وما هو الدور الذي من الممكن أن تلعبه التيارات داخل الأحزاب السياسية المغربية ؟

 

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

الأحزاب السياسية المغربية.. من نسق الانشقاق إلى نسق التيارات

    تطبع الانشقاقات تاريخ الأحزاب السياسية المغربية منذ نشأتها.. فقد بدأ الانشقاق عند ظهور الحركة الوطنية في بدايتها، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ثم أصبح انقسام الأحزاب بعد الاستقلال قاعدة عامة تطبق على الكل، حيث انشق حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال، الذي انشق عنه فيما بعد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والذي شهد بدوره في بداية ثمانينيات القرن الماضي انشقاقا انبثق منه حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، ويذكر أن الساحة الحزبية عرفت أيضا انشقاق الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وجبهة القوى الديمقراطية عن حزب التقدم والاشتراكية، ثم حزب الاتحاد الاشتراكي الذي انفصل عنه المؤتمر الوطني الاتحادي.

وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الانشقاق لم تكن حكرا على الأحزاب الوطنية سليلة الحركة الوطنية، بل إنها شملت أيضا ما يصطلح عليه بالأحزاب الإدارية، إذ انشق الحزب الوطني الديمقراطي عن حزب الإصلاح والتنمية، الذي انشق عنه فيما بعد حزب التجمع الوطني للأحرار، وكذلك الانشقاق الذي حدث داخل أول حزب سياسي إداري تم تأسيسه بعد الاستقلال، وهو حزب الحركة الشعبية.

غير أن المشهد السياسي تغير كثيرا، فعلى الأقل يمكن القول أنه بعد دستور 2011 اختفت ظاهرة الانشقاقات الحزبية، ويلاحظ المهتم بالشأن الحزبي المغربي أن جل المؤتمرات الحزبية التي عقدت بعد الدستور الجديد، ووفق مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب رقم 11-29، عرفت تصدعات داخلية ارتبطت في عمقها بمسألة ضعف الحكامة وتغييب الديمقراطية التشاركية، وقد أفرزت هذه التصدعات عدة مبادرات على شكل آليات عمل اتخذت صيغة تيارات داخل الأحزاب أو الحركات التصحيحية، غير أن ما يمكن ملاحظته هو أن كل حزب من الأحزاب السياسية ظهرت فيه الحركات التصحيحية أو التيارات السياسية بشكل لا يشبه الحزب الآخر، واتخذ التيار السياسي شكلا آخر.

الاشتراكي الموحد تجمع التيارات.. نموذج للتكتلات القابلة للانفجار

الاشتراكي الموحد.. تجربة الحزب الوحيد الذي أسسته تيارات يسارية

    يبدو أن تجربة حزب الاشتراكي الموحد جديرة بالاهتمام، حيث أنه الحزب الوحيد لحد الآن في المشهد السياسي المغربي الذي تأسس عن طريق تجمع تيارات يسارية في حزب واحد، وهنا يظهر الخلاف بينه وبين باقي الأحزاب السياسية التي سنستعرض تجاربها، حيث يكون الحزب موحدا وبعد مؤتمره الوطني أو قبيل انعقاده يظهر فيه تيار تصحيحي، وقد ظهرت فكرة جمع التيارات داخل حزب واحد بالمغرب مطلع الألفية الجديدة مع الحزب الاشتراكي الموحد، حيث أن الحركات اليسارية المشكلة له، وهي منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحركة من أجل الديمقراطية، والديمقراطيون المستقلون، شكلت تيارات سياسية انطلاقا من سنة 2002 من أجل تأسيس الحزب الاشتراكي الموحد، وبعد تأسيس الحزب سنة 2004، استمر العمل بأسلوب التيارات وكان الهدف هو توفير فضاء ملائم للتحاور، وللعمل المشترك فيما بين أفراد وجماعات تحمل أفكارا وتصورات وطموحات سياسية متفاوتة أو مختلفة، وكانت الغاية من استعمال التيارات هي تلافي الانشقاقات أو الانقسامات بين المجموعات الحاملة لأطروحات سياسية مفاوتة، أو متباينة، أو مختلفة.

لكن ما حدث بالملموس فيما بعد، حسب الباحث رحمان النوضة، هو أن ((المجموعات السياسية المختلفة أخضعت فكرة التيارات السياسية الداخلية في الحزب للتحريف، وللتشويه، لتلبية مصالح خاصة، أو لخدمة طموحات شخصية زعامية، أو انتهازية، أو بورجوازية، أو يمينية، وخطأ العمل بهذه التيارات السياسية يأتي خصوصا من كونها لا تعمل كـ”تيارات فكرية” ملتفة حول أطروحات سياسية متحركة، وإنما تعمل كـ”جماعات عصبية”، أو كـ”قبائل سياسية”، مكونة من أشخاص محددين، وثابتين، ولا يتغير هؤلاء الأشخاص ولو تغيرت الظروف والأطروحات السياسية، بل تحولت التيارات بسرعة إلى “أحزاب” قائمة بذاتها، ومتواجدة داخل الحزب الواحد المشترك، ويميل كل تيار إلى القيام بأنشطة سياسية، أو يقوم بدعاية سياسية، خاصة به كتيار متميز، وكل نشاط سياسي للحزب يصبح منظما، ومحسوبا بمنطق “المحاصصة” فيما بين التيارات، وليس بمنطق الحزب الواحد المشترك)).

وقد كانت النتيجة أنه بعد قرابة عقدين من العمل بأسلوب التيارات (في الحزب الاشتـراكي الموحد)، حدث في شهر يونيو 2021 ما كان محتما، وهو انفجار الحزب الاشتـراكي الموحد، وانقسامه إلى التيارات التي كان يتكون منها أصلا في سنة 2002، وهكذا وقع الرجوع في سنة 2021 إلى نـقطة الانطلاق التي كانت في سنة 2002، وهذه “التيارات” هي: أولا تيار نبيلة منيب أو تيار منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وثانيا تيار حركة الوفاء للديمقراطية بقيادة محمد الساسي، ثم ثالثا تيار حركة الديمقراطيين المستقلين الأحرار بقيادة محمد مجاهد، وأصبح الأمر وكأن هذه التيارات لم تتوحد، أو لم تندمج أبدا في الحزب الاشتـراكي الموحد.

الاتحاد الاشتراكي.. تيار الانفتاح والديمقراطية ينتهي بتأسيس حزب البديل الديمقراطي الذي رفضته الداخلية

    بعد انتخاب الكاتب الأول الجديد لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، بداية سنة 2013، خلال المؤتمر الوطني التاسع، تأسس تيار داخل الحزب يحمل اسم تيار الانفتاح والديمقراطية بزعامة الراحل أحمد الزايدي، وهذا التيار وجد نفسه مترنحا بين خيارين: الأول يتعلق بالانشقاق والالتحاق بحزب سياسي جديد وهو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أما الخيار الثاني، فهو تأسيس إطار سياسي جديد، غير أن الموت المفاجئ لزعيم التيار أحمد الزايدي، أدى إلى تعطل العمل لفترة من الزمن، ثم عاد للنشاط مجددا عندما قاده ابن الزعيم الاتحادي محمد اليازغي، علي اليازغي، وانتهى المطاف بالتوافق سنة 2016 بين أعضاء التيار على تأسيس حزب سياسي جديد وهو “حزب البديل الديمقراطي”، غير أن الحزب لم يعمر طويلا، بفعل قرار وزارة الداخلية الذي أبطل تأسيس الحزب، وتحول بعد ذلك السجال بين الحزب الممنوع والداخلية إلى المحكمة الإدارية، التي قضت بتأييد قرار وزارة الداخلية.

 

حزب الاستقلال.. تيار “بلا هوادة” الذي انتهى بالصلح فوق قبر الزعيم علال الفاسي

    كما هو الشأن بالنسبة للعديد من الأحزاب السياسية المغربية، عقد حزب الاستقلال مؤتمره الوطني سنة 2012، وتنافس على الأمانة العامة للحزب كل من عبد الواحد الفاسي وحميد شباط، وبعد فوز هذا الأخير، أسس عبد الواحد الفاسي تيار “بلا هوادة”، ووصل الصراع بين تيار “بلا هوادة” والأمين العام للحزب إلى ردهات المحاكم في أكثر من مناسبة، غير أنه وبعد ثلاث سنوات من الصراعات، تدخل حكماء الحزب وتمكنوا من عقد مصالحة تاريخية بين التيارين المتصارعين في يناير 2016، تحت إشراف الأمين العام السابق امحمد بوستة، وعباس الفاسي، “الإخوة الأعداء” داخل حزب الاستقلال عمدوا إلى زيارة قبر مؤسس الحزب، علال الفاسي، بمقبرة الشهداء بالرباط، كطريقة لطي الخلاف، وجعل الزعيم التاريخي للحزب أكبر شاهد على المصالحة التاريخية بين تيار شباط وتيار عبد الواحد الفاسي، نجل علال الفاسي، وتزامنت هذه المصالحة التاريخية مع الذكرى الـ 72 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي كان علال الفاسي أبرز الموقعين عليها، وكان هدف حزب “الميزان” من وراء تلك المصالحة طي خلافات الماضي وتوحيد الصفوف على بعد أشهر فقط من موعد الانتخابات التشريعية التي كان من المزمع عقدها سنة 2016.

حزب الحركة الشعبية.. حركة تصحيحية تظهر في كل مرة وتختفي

    ظهرت حركة تصحيحية وليس تيارا في حزب الحركة الشعبية في سنة 2014، بزعامة الوزير السابق والقيادي في الحزب سعيد أولباشا، حيث انتقدت طريقة تسيير الحزب بعد فضيحة “الكراطة” التي كان بطلها وزير الشباب والرياضة محمد أوزين، وكانت أهم مطالبها الدعوة إلى استقالة الأمين العام للحزب امحند العنصر والمرأة القوية داخل الحزب حليمة العسالي، ومارست الحركة ضغطا قويا على الحزب ما جعل امحند العنصر يرد عليها في أكثر من مناسبة، وبلغت الحركة ذروتها في أكتوبر 2015، عندما أعلنت أن عددا من قياديي الحزب التحقوا بصفوفها، وبدأ الاستعداد لعقد مؤتمر استثنائي للحزب من أجل الإطاحة بالعنصر، غير أن شيئا من هذا لم يحصل، واستمرت هذه الحركة مدة سنتين دون أن تحقق أي نتائج تذكر، ثم اختفت عن الأنظار، وبعد الانتخابات التشريعية لسنة 2017، ساد سخط كبير وسط أعضاء حزب “السنبلة”، بسبب عدد المناصب الوزارية الممنوحة له، ما جعل محمد مبديع يعلن عن نيته قيادة حركة تصحيحية داخل الحزب، وعقد اجتماعات مع عدد من أعضاء الحزب في منزله بالرباط، غير أنه لم تخرج أي حركة تصحيحية إلى الوجود.

وفي سنة 2018، عادت أسطوانة الحركة التصحيحية لتتكرر داخل الحزب عندما راجت أخبار بأن محمد حصاد يستعد للترشح لقيادة الحزب محل العنصر، يومها ظهرت حركة تصحيحية اختارت لنفسها اسم “كفى منطاد”، في إشارة إلى إسقاط محمد حصاد، وزير التربية الوطنية السابق، على حزب الحركة الشعبية بالمنطاد، أعلنت في بيان صادر عنها، عن ترشيح حصاد لمنصب الأمين العام لحزب “السنبلة”، وأنها بصدد عقد لقاءات تواصلية مع الكتابات الإقليمية والمحلية للحزب، من أجل “توضيح رفضها التام لهذا المنطق الخبيث”، وفق تعبيرها، ودعت الحركة التصحيحية إلى القطع مع “طموحات الوافد الجديد”، في إشارة إلى حصاد، معتبرة أن سعيه إلى الظفر بمنصب الأمانة العامة للحركة الشعبية فيه تبخيس لأطر الحزب، خاصة وأن حصاد كان واحدا من الوزراء الذين أطاح بهم الزلزال السياسي، بإقالتهم من طرف الملك محمد السادس بسبب اختلالات مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، وهذه المرة حققت الحركة التصحيحية مطالبها بمنع حصاد من الوصول إلى الأمانة العامة لحزب الحركة الشعبية.

 

أي مستقبل للتيارات داخل الأحزاب ؟

    واضح جدا أن ظاهرة التيارات داخل الأحزاب مست عدة أحزاب سياسية في المغرب، وكما هو معلوم، فإن الظاهرة هي ظاهرة عالمية، فبعد انتشار الديمقراطية التشاركية، أصبحت التيارات داخل الأحزاب ظاهرة عالمية جعلت الأحزاب تنفتح على كل المبادرات داخل الحزب الواحد بكيفية معقلنة ومقننة لاحتواء كل الأفكار والأطروحات والتصورات والمبادرات، بهدف تطوير وتأهيل الحزب وقيادته وهياكله حفاظا على استمرار وحدة الحزب، التي أصبحت تقتضي أن يتعايش مناضلو الحزب مع الاختلاف داخل الوحدة.

وبخصوص حالة المغرب، يقول الباحث ميلود بلقاضي: ((يلاحظ المهتم بالشأن الحزبي المغربي، أن جل المؤتمرات الحزبية التي عقدت بعد الدستور الجديد ووفق مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب رقم 11-29، عرفت تصدعات داخلية ارتبطت في عمقها بمسألة ضعف الحكامة وتغييب الديمقراطية التشاركية. وقد أفرزت هذه التصدعات عدة مبادرات على شكل آليات عمل اتخذت صيغة تيارات داخل الأحزاب))، وأضاف الباحث نفسه: ((قبل الدستور الجديد، وقبل إصدار القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، فإن المفهوم الذي سيهمن على الممارسة التنظيمية والتدبيرية الحزبية بعد المرجعيتين الدستورية والقانونية سالفتي الذكر، هو مفهوم التيار، الذي أصبح أكثر تداولا في السنوات الأخيرة، لكن وجب الإشارة هنا إلى أن التيارات التي تعرفها الأحزاب المغربية حاليا لا تستند على أي أسس قانونية، وعليه فقد حان الوقت لشرعنة التيارات في قوانين وأنظمة الأحزاب كآليات لتدبير الاختلاف الذي يقع بين مناضليها على أساس عدم المس بوحدة الحزب ومبادئه الأساسية، وإلا تحولت التيارات إلى انشقاقات، وهذا ما سيزيد من بلقنة المشهد الحزبي المغربي، وبالتالي، يمكن اعتبار التيارات الحزبية سيفا ذا حدين، إما أنه يحافظ على وحدة الحزب وتقويته بتقنين التيارات داخل الحزب كآلية ديمقراطية لتدبير ثقافة الاختلاف لاستمرار التعايش بين المكونات المتعددة للحزب، وإما أن يتحول التيار انشقاقا عن الحزب، أي إلى تأسيس حزب جديد، وهذا ما يزيد من إضعاف الحزب الأصل وإضعاف الحزب المنشق)).

فهل تتجه الدولة إلى شرعنة التيارات داخل الأحزاب، أم سيكون لها رأي آخر كما حدث عندما تم منع حزب البديل الديمقراطي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى