تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | ما دور المغرب في منطقة الساحل بعد انسحاب الجيش الأمريكي ؟

لا شك أن مجموعة دول الساحل أصبحت على قدر كبير من الأهمية في السياسة الدولية، نظرا لإحاطتها بمنطقة المغرب العربي، التي تعتبر الخاصرة الجنوبية لحلف “الناتو”.. فقد شهدت منطقة الساحل عدة تحولات في الآونة الأخيرة، شملت انقلابات عسكرية خلال مرحلة ما بعد “كورونا”، مرورا بدخول عدة دول من هذه المنطقة في أزمات مع الجزائر كما هو الحال بالنسبة لمالي والنيجر، ثم المبادرة التي أطلقها الملك محمد السادس يوم 6 نونبر 2023 والداعية إلى تمكين مجموعة دول الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وصولا إلى طلب النيجر من الولايات المتحدة الأمريكية سحب قواتها من فوق أراضيها، ثم إعلان التشاد عن استعدادها لطرد القوات الأمريكية من فوق أراضيها، وهو ما يؤشر على تحولات كبرى تقبل عليها هذه المنطقة.

 

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

    بالموازاة مع التطورات السياسية التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، ذكرت تقارير إعلامية أن البنتاغون الأمريكي قلق إزاء التحول الأخير، حيث أصبحت أمريكا تعتبر أنها فقدت منطقة الساحل لصالح روسيا والصين وتركيا.. فهل تؤثر هذه التحولات على مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، أم أن المغرب يلعب دورا محوريا في مستقبل المنطقة ؟

هذا ما يحاول هذا الملف الخوض فيه.

 

عندما تدخل المغرب عسكريا في الكونغو الديمقراطية ورفض التدخل في التشاد

    إذا تأملنا تاريخ منطقة تجمع دول الساحل القريب في علاقته مع المغرب، فإننا نجد أن هناك سابقة تاريخية لشكل الدور المغربي والتدخل في الصراعات التي كانت تشهدها المنطقة، ونستحضر هنا الصراع الليبي التشادي، الذي انطلق سنة 1978، حيث تدخل الراحل معمر القذافي في الحرب الأهلية التشادية من أجل ضم قطاع أوزو، الواقع أقصى شمال التشاد، إلى ليبيا، حيث ادعى الزعيم الليبي أن هذا الإقليم تابع في الأصل لليبيا وعليها استرجاعه، وقد تزامن هذا الصراع مع محاولة الشيوعيين السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، يومها أرسل المغرب جيشه إلى الكونغو الديمقراطية من أجل دعم النظام القائم هناك بطلب من الرئيس الكونغولي آنذاك، وفي المقابل، لم تتدخل المملكة بأي شكل من الأشكال في الصراع الليبي التشادي، رغم أن ليبيا في تلك المرحلة كانت الداعم الأول والرئيسي لجبهة البوليساريو، وكانت المناسبة سانحة ليعاملها المغرب بالمثل.

أما عن السبب وراء عدم تدخل المغرب في الأزمة التشادية الليبية، فقد أجاب الملك الحسن الثاني خلال مؤتمر صحفي سنة 1981، بالقول: ((كيف يمكن للمغرب أن يتدخل ومنظمة الوحدة الإفريقية لم تقم في الحقيقة بإدانة التدخل الليبي في التشاد))، معتبرا أن ((توصيات المنظمة حول التشاد لا توجد فيها أي إدانة لليبيا، إضافة إلى أن مؤتمر القمة الإفريقي الذي كانت غالبية الدول الإفريقية تناهض انعقاده في ليبيا، سينعقد في طرابلس))، وأضاف الملك: ((لقد ارتحت لموقف رئيس غانا وتحليل مندوبها، وكان من بين المتدخلين الأكثر شدة ومعارضة، ولكنه قال في النهاية ما مفهومه: انطلاقا من الآن وحتى مؤتمر القمة القادم، هناك سنة كاملة، ستكون بالنسبة للرئيس الليبي مرحلة امتحان، فإذا كان حكيما على الصعيد الإفريقي خلال هذه الفترة، فسنتوجه إلى طرابلس، وإذا ما عاد إلى ارتكاب الأخطاء فسنتوجه إلى أديس أبابا، إني أعتقد أن هذا موقف هام جدا، فإن حافظت ليبيا فيما يخص علاقاتها مع إفريقيا على موقف هادئ وحكيم وعلى الأقل أكثر هدوء، فإن مرحلة المراقبة هاته ستكون إيجابية وسنكون جميعا قد كسبنا عضوا، وعلى كل حال، فمن الآن إلى ذلك الوقت، لا أعلم شيئا، المهم هو أنه يوجد أمامنا عام بكامله)).

وحول ما إذا كانت ليبيا ستنسحب من التشاد سنة 1981، ودور مغربي محتمل في ذلك، أجاب الملك الحسن الثاني بأن ((ليبيا أخبرت منظمة الوحدة الإفريقية بأنها ستنسحب، وأن على المنظمة أن تبعث بوحدات عسكرية، كما أن المشكل يكمن في أنه لا أحد أراد أن يتوجه إلى التشاد))، وأضاف: ((نحن الذين ذهبنا إلى شابا، فلحد الآن لم ينتبه أحد إلى المصاريف التي تحملها المغرب خلال تلك المدة، وهناك ربحت ليبيا القضية بعد أن عبرت الدول الإفريقية فرادى وجماعات عن عدم استطاعتها تحمل مثل هذه النفقات))، ثم سأله نفس الصحفي السؤال التالي: “إنكم تقبلون الأمر الواقع الآن؟”، فأجاب الحسن الثاني: ((إنني لا أقبل الأمر الواقع، ولكني في حالة قبول التشاديين لاحتلال جديد، أقول أن هذا الأمر يخصهم))..

 

هكذا أعلن المغرب استعداده للتدخل عسكريا في التشاد

    لقد حصلت تطورات متسارعة ما بين سنتي 1981 و1983، من بينها دخول المغرب في مفاوضات مع ليبيا من أجل المصالحة والوحدة، وفي نفس الوقت، استمر التدخل الليبي في التشاد، وكان من المنتظر أن يغض المغرب الطرف عن التدخلات الليبية في التشاد، خاصة وأن ليبيا كانت قد تعهدت للمغرب بوقف دعمها للبوليساريو وقطع علاقاتها معها بصفة نهائية، وعندما طرح على الملك الحسن الثاني سؤال خلال ندوة صحفية نظمت على شرف رجال الصحافة الفرنسيين في بداية سنة 1983، قبل أيام قليلة من زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى المغرب، وكان السؤال الذي طرحه الصحفي كريستيان كاستيران كالتالي: “من حيث الجوهر، هناك قضيتان تفسران أزمة منظمة الوحدة الإفريقية، وهما الوضع في التشاد، ولدي سؤال حول التشاد، وهو في حالة قيام مغامرات عسكرية ليبية في التشاد، هل يمكن أن تهب بعض الدول كالمغرب أو كالسودان أو كمصر، لنجدة حسين هبري؟”، فكان جواب الملك مخالفا عما كان يصرح به في سنة 1981، حيث قال بوضوح: ((لا يمكنني أن أتحدث لكم إلا عن المغرب، لقد ذهبنا إلى الزايير مرتين بطلب من السلطة الشرعية، فإذا طلبت مني السلطة الشرعية (في التشاد)، فإنني سأستجيب للنداء، ولولا انشغالي بالصحراء لكنت ذهبت برحابة صدر، وعلى أية حال، فإن النية سوف تكون موجودة)).

وقد كان هذا التصريح المفاجئ الذي أعلن من خلاله الحسن الثاني أن بلاده مستعدة لتحريك جيشها لمساندة التشاد ضد ليبيا قبل أيام قليلة فقط من زيارة الرئيس الفرنسي الذي وصل إلى المغرب يوم 27 يناير 1983، وهو ما فتح التكهنات حول إمكانية التنسيق بين المغرب وفرنسا من أجل التدخل في التشاد كما فعلوا في الكونغو الديمقراطية مرتين، وعشية زيارة الرئيس الفرنسي إلى المغرب، ألقى خطابا في البرلمان، قال من خلاله: ((… ومع أن فرنسا ليست بلدا إفريقيا، فإنها ترتبط مع عدة بلدان من هذه القارة بعلاقات متميزة لا ترغب فقط في الإبقاء عليها، وإنما تريد إعطاءها أكثر ما يمكن من الحيوية، ويأتي بلدكم في المقام الأول لما يجمعه بفرنسا من تاريخ وموقع جغرافي وعوامل ثقافية إذا أردتم إضافتها، وعلى هذا الأساس، فإن فرنسا اتخذت موقفها دون أن تكون لديها رغبة في أن تحل محل المعنيين بالأمر أو أن تفرض سلوكها على أي كان، سواء في ناميبيا، أو تشاد، أو موضوع الصحراء، ولنقل بكل بساطة أن فرنسا تتمنى أن تستطيع الشعوب إسماع صوتها وأن تحدث التطورات الضرورية عن طريق المفاوضات، وأن يتم حل النزاعات بواسطة المعنيين بالأمر، وأن تبقى الدول العظمى بعيدة أكثر ما يمكن عن هذه النزاعات التي تعطيها من الآن عدة فرص للتدخل، وعلى العموم، فإن فرنسا تأمل أن تتمكن إفريقيا من حل مشاكلها الحقيقية بالحفاظ على وحدتها))، وتابع الرئيس الفرنسي كلامه قائلا: ((لقد صرحت أثناء سفري في إفريقيا، بضرورة ترك التشاد يتفرغ لإعادة بناء نفسه، ولهذا، فإن استقلال ناميبيا يعد ضرورة)).

وهكذا، فقد ظهر أن خطاب الرئيس الفرنسي كان مفاجئا، حيث أكد أن بلاده لن تتدخل في إفريقيا.. فهل كان في نية المغرب أن يتدخل بمفرده؟ ولماذا كان يريد أن يتدخل بمفرده في التشاد مع العلم أن ليبيا تعهدت بالتخلي عن دعم البوليساريو؟

سيبقى من الصعب تقديم إجابة عن هذه الأسئلة.

القذافي

مصالحة مغربية ليبية ووساطة بين ليبيا والتشاد

    وبعد سنة من إعلان المغرب عن نيته في القيام بتدخل في التشاد إذا طلب الرئيس التشادي ذلك، حصلت تطورات في الموقف المغربي، حيث أصبح الحسن الثاني مطلعا أكثر على الملف، خاصة وأنه التقى بالرئيس معمر القذافي في أكثر من مناسبة تمهيدا لتوقيع اتفاقية الوحدة المغربية الليبية، وأعلن الملك عن موقفه الجديد من الملف التشادي، حيث أنه لما سئل خلال لقاء صحفي يوم 25 فبراير 1984: “هل هناك نية لدى القذافي للاستيلاء على التشاد؟”، أجاب الملك بأن ((القذافي لم يستطع شرح موقفه أمام الرأي العام الدولي، ثم تكفل الملك بشرح الموقف الليبي وقال في هذا الصدد: ((

في الواقع، فمنذ الحرب العالمية الثانية ومنذ احتلال ليبيا من قبل الإيطاليين، شهدت ليبيا بترا لعدد من أراضيها، لقد كانت ليبيا منطقة عبور للتوجه نحو مكة المكرمة، ويمكننا القول إنه تم اغتصاب أراضيها، إذ أنها فقدت سكانها العرب والناطقين بالعربية، ولو كنت القذافي لأبرزت قبل كل شيء قرابة الدم القائمة بين أهل جنوب ليبيا وسكان شمال تشاد، ولكنه مع الأسف يواجه الأمر الواقع الذي يفرضه التاريخ، كما أن المغرب شهد وضعا مماثلا إلى حد ما.. وهذه الأمور لا نعود إليها، فلا يمكن وضع خرائط جديدة في كل مرة، غير أنه لو شرح القذافي المشكلة بهذه الطريقة، لأمكن التوصل إلى حل وسط))، وقد فاجأ جواب الملك رجال الصحافة، مما جعل أحد الصحفيين يتهم الملك بالدفاع عن القذافي، غير أن جواب الملك كان كالتالي: ((إنني لا أدافع عن الطرق المتبعة، بل أدافع عن كنه القضية)).

غير أنه اتضح سبب تصريح الملك الحسن الثاني الأخير، الذي أبرز من خلاله وجهة معمر القذافي من الأزمة.. فقد أصبح المغرب وسيطا بين ليبيا والتشاد، واستمر عمل المغرب في الوساطة بين البلدين طيلة سنة 1984، علما أنه في هذه السنة تم توقيع اتفاقية الوحدة المغربية الليبية، ومع حلول نهاية سنة 1984، انسحبت القوات الليبية من التشاد، حيث لعب المغرب دورا كبيرا في حل هذه الأزمة، وخلال لقاء صحفي للحسن الثاني مع الصحافة الفرنسية يوم 7 نونبر 1984، طرح عليه السؤال التالي: “هل قمتم بدور ما لتحقيق انسحاب القوات الليبية من تشاد؟”، فكان جواب الملك كالتالي: ((أود بهذا الخصوص أن أضع الأمور في نصابها، فالمغرب لم يقم بأي دور كمفاوض، بل كان مجرد ناقل للآراء، وقام بذلك بأمانة تامة مبلغا لهذا الطرف أفكار الطرف الآخر))، ومعنى هذا أن المغرب قارب وجهات النظر بين الطرفين دون أن يكون طرفا.

صورة من اجتماع القوات المسلحة لدولة النيجر مع القوات المسلحة الملكية ( 21 أبريل 2024 )

هل يجد المغرب موطئ قدم له في منطقة الساحل من باب التدريب والتكوين العسكري ؟

    شاهدنا كيف أن المغرب، في بداية الأزمة الليبية التشادية نأى بنفسه عن هذا الصراع رغم دعم ليبيا للبوليساريو، ثم تطورت الأوضاع، حيث تعهدت ليبيا بعدم دعم البوليساريو، ورغم ذلك، انقلب الموقف المغربي بشكل دراماتيكي.. فقد أعلن الملك الحسن الثاني عن استعداده لإرسال الجيش المغربي للتشاد إذا طلبت منه السلطات ذلك، لتنقلب الأمور رأسا على عقب بعد ذلك في السياسة المغربية تجاه الأزمة، حيث حل المغرب وسيطا بين البلدين، وساهم في خروج الجيش الليبي من التشاد.

واليوم، وفي ظل التغيرات التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، هل يكون للمغرب دور بعد خروج القوى الغربية تباعا من عدة دول بدء من مالي ثم النيجر وسوف تتبعها غدا التشاد وبوركينافاسو ودول أخرى؟ علما أننا أشرنا في عدد سابق إلى أن عدة قادة عسكريين في دول الساحل تلقوا تكوينهم في المغرب.. فهل يستثمر المغرب هذا الجانب ويصبح مساهما في تكوين جيوش دول منطقة الساحل، وتصبح هناك دبلوماسية مغربية في مجال التكوين العسكري؟

لا شك أن هناك مزاحمة روسية وتركية وصينية، لكن من الممكن أن تجد المملكة موطئ قدم لها هناك، خاصة في ظل رغبتها في الدخول بقوة في علاقات اقتصادية جديدة مع دول المنطقة في إطار مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.

ظهرت بوادر الدور المغربي في مجال التعاون العسكري مع دول منطقة الساحل من خلال دولة النيجر فور طلبها من القوات الأمريكية مغادرة بلادها، حيث استقبلت يوم 21 أبريل 2024 قيادات في القوات المسلحة الملكية وفدا عسكريا رفيع المستوى من دولة النيجر، إذ ترمي هذه الزيارة تعزيز العلاقات ‏وتبادل الخبرات في مجالات عدة، فضلا عن مواجهة التحديات والدفاع عما وصف بـ”المصالح المشتركة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى