تحليل إخباري | “دولة المديرين”.. الخطر الصامت الذي يهدد الاستقرار
معضلة هيمنة الإداري على السياسي والنقابي

وقع جل المواطنين، ومن بينهم مواطنون بالاسم فقط(..)، وجمهور كبير من السياسيين والنقابيين، في تمجيد “الإدارة”، بل إن محاولة انتقاد بعض الإداريين الكبار من قبل الإعلاميين أو السياسيين(..) قد تجر على صاحبها وابلا من القذف والتشهير، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو على أرض الواقع، وتكمن خطورة هذا الانحراف الكبير في كون نموذج “دولة المديرين” يعد نموذجا فاشلا عبر التاريخ(..).
إعداد: سعيد الريحاني
في المغرب حيث بات الاعتماد على “حكومة رجال الأعمال” عنوانا للمرحلة السياسية الراهنة، وهذا النوع من الحكومات يتماهى مع نموذج “دولة الإدارة” وما أكثر المدراء اليوم(..)، فإن الأمر لا يبشر بخير، لأن هذا النموذج الإداري أثبت فشله الذريع بالتجربة، حيث ((تمثل حكومة الإدارة أول تجربة لحكومة جمهورية مؤسسة (أو قائمة) على دستور (فرنسا)، ولكن هذه التجربة لم تكن تجربة سعيدة الحظ، لسبب جوهري هو أن الحكومة الجديدة لم تختلف في شيء عن الحكومة السابقة: حكومة عهد الترميدوريين، بينما تزايدت المشاكل التي واجهتها حكومة الإدارة، ويقول ماثييز Mathiez، ممن أرّخوا لحكومة الإدارة: “إن رجال الحكم هم تقريبا نفس رجال الحكم السابقين، وإن أساليبهم لم تتغير في شيء، وإن الاعتداء يقع بصورة مستمرة على المبادئ الجمهورية بحجة العمل لإنقاذ الجمهورية)) (المصدر: كتاب “الصراع بين البورجوازية والإقطاع/ جمهورية حكومة الإدارة” للكاتب محمد فؤاد شكري).
في حكومة الإدارة، يكون الفرق شاسعا بين الدستور والممارسة، لاسيما في ظل انتشار الانحدار الأخلاقي، ففي عهد هذه التجربة البائدة، المشار إليها، قال المؤرخون: ((انتشر الفساد الخلقي في الحياة الاجتماعية، فمع أنه جاء في الدستور (دستور العام الثالث): “إن الإنسان لا يمكنه أن يكون مواطنا صالحا إلا إذا كان ابنا بارا، ووالدا رحيما، وأخا عطوفا، وصديقا وفيا، وزوجا طيبا”.. فقد ساد الانحلال الخلقي حتى صارت “المتعة” هدف الجميع وغايتهم، وحتى كتب أحد المعاصرين، ماليه دي بان Mallet du Pan، في سنة 1796: “إن أحدا من الناس لا يفكر في شيء سوى متعته ومشربه ومأكله”، فشهدت باريس حياة ترف وبذخ، ولهو ومجون، ومغامرة، ومضاربة.. لم يسبق لها مثيل، وعاد عهد الصالونات، ولكن هذه بدلا من أن تكون منتديات أدبية صارت بؤرا للفساد، وكذلك الحال في الحدائق العامة، والمراقص والمسارح والمطاعم والمقاهي، وتزيت النساء بأزياء فاضحة، وكثرت حوادث الطلاق)) (نفس المصدر: محمد فؤاد شكري).
إن التوجه نحو تمجيد المديرين، سواء في القطاع العام أو الخاص، تكون له نتائج وخيمة على الاستقرار، لاسيما إذا تطور الأمر إلى تحالف خفي بين مدراء الشركات و”مدراء الحكومة”، وسبق للحكومة الأمريكية حيث القواعد القانونية لا تجد طريقها للانتهاك إلا بحيل كبرى(..)، أن عانت من هذا النوع من التحالفات، ليعلق البعض تحت عنوان: “سقوط دولة المديرين”.
فـ((رغم الظلام الذي تلف به الأزمة الاقتصادية العالمية أرجاء المعمور، إلا أنها سلطت الضوء على بؤر الفساد ومواطن العبث في عالم الأعمال الخفي، التي استشرت بفضل جهود وخدمات جيوش مرتزقة تضم خبراء ضرائب ومحاسبين ومراجعين ومحامين ممن يزيّنون الباطل ويسهّلون الاعتداء على حرمة المال العام… وفي الواقع، فإن ميزان القوى بين الحكومات والشركات كان قد اختل لصالح الشركات بشدة خلال العقود الثلاثة الماضية، التي تحولت فيها الحكومات إلى موظف لدى الشركات مهمتها إصدار التشريعات التي تحقق مصالحها حتى ولو كان ذلك على حساب الصالح العام، بل أصبحت الشركات قادرة بفضل طفرة نفوذها، على زرع وقلع حكومات وتحريك سياسيين مثل قطعة شطرنج، وتعطيل إصدار تشريعات وقوانين لا تعجبها، والتشهير بأي مسؤول يجرؤ على انتقادها أو معارضة مصالحها، وفي مواجهة ديكتاتورية الشركات، كانت الحكومات التي تلهث وراء الدعم المالي في مواسم الانتخابات تغض البصر وتدير ظهرها للكثير من المخالفات التي ترتكب في حق المال العام، والتي يدفع ثمنها في النهاية صغار المستثمرين ودافعو الضرائب وحملة الأسهم وحملة الهموم من المواطنين العاديين، ممن وجدوا أنفسهم ـ فجأة ومن دون أي مقدمات ـ بلا وظيفة، وبلا دخل، وبلا مأوى، ومن دون مستقبل أو أمل، في الوقت الذي يصرف فيه مديرو كبريات الشركات مكافآت وحوافز بالملايين رغم الخسائر الفادحة التي حققوها والفشل المزمن الذي جلبوه على شركاتهم، وفي بعض الأحيان، كانت ملايين الحوافز والمكافآت التي تستفز مشاعر الرأي العام تدخل في باب النوادر والمفارقات، فعلى سبيل المثال، حصل رئيس مجموعة فنادق “ستاروود” العالمية خلال العام 2006، على مبلغ 1.5 مليون دولار علاوة على راتبه من أجل السفر بالطائرة يوميا من مكتبه في نيويورك إلى منزله في كاليفورنيا حتى يكون بجوار ابنه الذي يخوض غمار امتحانات الثانوية العامة، وكان البعض الآخر أكثر تواضعا ولم يحصل سوى على بضعة آلاف من الدولارات لجلسات التدليك وتصفيف الشعر والعناية بالأظافر، بل إن أحدهم كان يحمل شركته مصاريف إقامة كلبه في فندق خمس نجوم خلال سفرياته العديدة، وفي الحقيقة، فإن التحول الجذري في ميزان العلاقة بين الشركات والحكومات لم يكن ليحدث لولا أن الأخيرة بدأت تشعر بأن النفوذ الذي تتمتع به الشركات أضحى أكبر مما تحتاج، وأخطر مما يمكن القبول به، وأن الأرضية التي فقدتها الحكومات في علاقتها مع الشركات، تضعها في صدام مباشر مع المواطنين الذين يشعرون أن الحكومات تحابي الشركات على حسابهم وتغض البصر عن مخالفاتهم)) (المصدر: تعليق الكاتب جورج فهيم/ مارس 2009).

أي تشابه بين ما وقع في فرنسا، وبين تحالف مدراء الشركات ومدراء الحكومة في أمريكا خلال وقت سابق، هو عرض مقصود للمقارنة بين الوقائع الحالية وما وقع سابقا في دول كبرى، وفي السياسة لا داعي لأن يعيد التاريخ نفسه.
وقد كثرت القرارات الإدارية الكبرى، الصادرة عن المديرين في المجال السياسي والإداري، بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، وإذا كانت بعض القرارات الصادرة عن بعض الموظفين السامين تتم الدعاية لها بشكل ضخم، لا سيما عندما يتعلق الأمر بكشف الحسابات(..) أو القبض على بعض الأعيان.. في ظل الفراغ الحزبي والنقابي، مع ما يوازيها من تدخل في القرارات العامة، بداية من ميزانية الدولة، فإن الأمر ليس مبعث ارتياح دائما بالنسبة لكثير من المتتبعين، ويعيد إلى الأذهان إشكالية الخلط بين السياسي والإداري، رغم أن الفرق كبير بين الطرفين، فإذا كان نشاط السياسي والنقابي يساهم في الاستقرار، فإن نشاط الإداريين وتغولهم في مفاصل الدولة، لا يأخذ بعين الاعتبار معطيات السلم الاجتماعي، والصرامة الإدارية العمياء قد تؤدي إلى عواقب وخيمة(..).
((لا يختلف اثنان في كون الإدارة تعتبر ساحة من ساحات التنافس السياسي، وتظل عنصرا من عناصر اللعبة السياسية.. تخضع بطريقة أو بأخرى للأغلبية السياسية الحاكمة، وللكتلة المهيمنة، ولعل تعيين الموظفين السامين من هذه الأغلبية، سواء في الإدارة المركزية أو في المصالح الخارجية، من مديريات ومندوبيات، في إطار نظام الغنائم، ليس إلا دليلا صارخا على التداخل بين الإداري والسياسي، كما أن إقحام التكنوقراط في تدبير وتسيير دواليب الوزارات والمؤسسات السيادية، ليس إلا نموذجا آخر من هذا الالتباس والتشابك… ولا يمكن، ضمن هذا التجاذب بين ما هو سياسي وما هو إداري، إنكار حقيقة سائدة، وهي أن الإداريين هم بمثابة سياسيين يساعدون في اقتراح القوانين وتشكيلها، ويساهمون في وضع سياسات بعينها وتنفيذها، وفي صنع قرارات وفق مرجعيات وخلفيات معينة، وينخرطون في ترجيح كفة هذا الفريق أو ذاك، عن طريق التوجيه المباشر أو غير المباشر، وبواسطة تسخير الأدوات الإدارية لهذا الطرف أو ذاك، غير أن ذلك لا يعني أن يتحول الجهاز الإداري إلى جهاز يمارس السياسة بمعناها الإجرائي، من وضع البرامج، والمشاركة في الحملات الانتخابية، وتأطير المواطنين… لأن هنالك ضوابط دستورية وقانونية وإدارية تحكم العلاقة بين هذا الجهاز وذاك، كما تفرض الالتزام بالحياد الإداري حتى لا تعدو الإمكانيات الإدارية، سواء المادية أو البشرية، في خدمة الأغراض السياسية، ولعل ذلك ما جعل وضع آليات لضبط العلاقة بين السياسة والإدارة، وتحديد أوجه هذه العلاقة ومجالاتها ونطاقاتها، وتأصيلها ضمن شروط محددة وضوابط محكمة.. إن العلاقة بين الإدارة والسياسة هي بمثابة وجهين لعملة واحدة، أو مثل صفحتين لورقة واحدة، لا يمكن الفصل أو التمييز بينهما، وأن الإدارة في نهاية الأمر ليست إلا انعكاسا للفكر والمشروع السياسي المهيمن، تخضع لمجموعة من المحددات تحوم كلها حول نمط السلطة القائمة، ونظام الحكم السائد، والمصالح الاقتصادية المسيطرة)) (المصدر: تعليق عبد الحميد القويسمي/ موقع العمق).
فـ((في ظل التداخل القائم بين الاختصاصات السياسية وبين الممارسات الإدارية، وضمن الغموض الذي يشوب هذه العلاقة، والاختلال الوظيفي للمؤسسات التي تعرف تداخلا في التسميات والاختصاصات، يظل الوطن يئن تحت وطأة مشاكل ذات طابع اجتماعي، ترتدي لباسا سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا في غياب فصل فعلي بين السلط، ينتج عنه الوقوع في مأزق ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن ثم، في شراك الانتقائية في تفعيل القوانين وتحريك المساطر الإدارية)) (نفس المصدر).



