تحقيقات أسبوعية

للنقاش | “كارثة فلسطين العظمى”.. هل هي قضية بدون حل ؟

كتاب “كارثة فلسطين العظمى” من تأليف سوري اسمه فخري البارودي، ولد في دمشق سنة 1886م وتوفي سنة 1966م، التحق بالعمل العسكري، وشارك في الحرب العالمية الأولى مع الجيش العثماني، ثم شارك في الثورة العربية الكبرى وشارك في الانتفاضة الشعبية عام 1945، وذكر ناشر الكتاب الفقرة التالية من ذلك المؤلف جاء فيها: ((احتشدت الجيوش العربية ملبية نداء أرض الوطن في فلسطين، اجتمعت لتحافظ على الأرض فأضاعتها، جاءت لتحمي شعب فلسطين فدمرته، فقد خرجت إسرائيل من المعركة دولة، ولم يجن العرب منها سوى الهزيمة، لكن المساعي الصهيونية لا تكتفي بفلسطين، فهي تريد أن تؤسس  لدولتها من النيل إلى الفرات، لا سيما وأن إسرائيل لا تقف وحدها في تلك المعركة، بل يساندها الإعلام البريطاني بقوته ونفوذه، لذلك يستصرخ المناضل الكبير فخري البارودي شباب الأمة بعد أقل من عامين على سقوط فلسطين عام 1947م، لعلهم يقفون أمام الحلم الصهيوني، موضحا أنه لا مناص لتحقيق ذلك إلا بالمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، والاستعداد للمعركة، وأخيرا دور المهاجرين العرب في توعية العالم بالقضية، وها نحن في القرن الحادي والعشرين، وما زالت قضية فلسطين مثارة بلا حل))..

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    في مقدمة كتاب “كارثة فلسطين العظمى” ورد بيتان من الشعر:

يا أمة العرب نحن اليوم في خطر            هذي فلسطين فيها الهود قد سادوا

تتمة المقال تحت الإعلان

إن اليهود بقدس القدس قد عبثوا            لا تغفلوا بعدها الفيحـا وبغـداد

تتمة المقال تحت الإعلان

ويستفاد من تلك الفقرة أنه من سنة 1949 إلى سنة 2024 لم يستطع العالم بجميع دوله، ومنظماته، ومؤتمراته، أن يجد حلا تنتهي به هذه الكارثة العظمى، بل تفاحشت وتعقدت، وتطورت إلى حرب ضروس، استخدمت فيها جميع الأسلحة المتطورة الفتاكة، واستهدفت المدنيين من شيوخ ونساء وأطفال وعجزة ومعوقين، ودمرت الحرب المدن والقرى، والمساجد والمستشفيات، والبنى التحتية، وغدت غزة أنقاضا وفشلت جميع المساعي في الوصول إلى هدنة مؤقتة خلال شهر له مكانته المقدسة عند المسلمين، شهر العبادة والتقوى وليس شهر قتل الأبرياء حتى بلغ عدد الشهداء ما يفوق 35.600 شهيد لقوا حتفهم على إثر غارات جوية مكثفة من العدو الصهيوني، إضافة إلى المجروحين، والمطرودين، وانتشار المجاعة والأمراض الفتاكة، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، والعالم الذي يؤمن بالحرية والعدالة والمساواة ويتمسك بالمعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، جالس في مدرج الميدان يتفرج في مباراة بدون حكم، ويراقب أطوار وفصول هذه اللعبة الخبيثة، وقد فشلت جميع المحاولات للوصول إلى هدنة مؤقتة، لأن المواجهة كانت ترد بقنابل صاروخية عابرة للقارات مصنوعة من الحروف الهجائية الأبجدية، من نوع التنديدات، والاستنكارات، والبيانات، والأسلحة التي تصنعها الدولة ذات القوة الضاربة في رفع الشعارات، ومع فلسطين ظالمة أو مظلومة..

لقد فشلت المنظمات الدولية الأجنبية والعربية والإسلامية في الوصول إلى حل، هو إقناع حاملي السلاح بوضع سلاحهم، وفتح باب الحوار لقضية عمرت طويلا، ولا تحل بالحروب المدمرة المتتالية التي تعرضت لها فلسطين منذ سنة 1948، ولا يمكن أن ينجح الحوار ما لم يكن الفلسطينيون على كلمة واحدة، قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

قال فخري البارودي موجها كلامه للشباب: ((إذا لم يعرف شبابنا طريق الخلاص ويسيروا بالعرب في هذه الطريق، فقل السلام على العرب والعروبة))، وأضاف: ((أعقد أمالي على الشباب بتخليص العرب من الكارثة التي أصابتهم، والتي إذا أغفلنا عنها سنين أخرى، أودت بالشرق العربي إلى الهلاك))، فالخروج من الكارثة لا يكون بالضرورة عن طريق الحروب وإزهاق الأرواح وإراقة الدماء، بل الدخول في مفاوضات بنية الصلح وإحلال السلام والبحث عن أنجع السبل للتعايش السلمي وحسن الجوار، يجب أن يختار المفاوض من جيل يفهم جيدا أن ظروف سنة 1948 وحالة العالم بأسره، ليست هي ظروف العالم سنة 2024، ولا بد من أن يؤخذ بعين الاعتبار المتغيرات والمستجدات، وأن يجد الحل للتأقلم معها، وعدم السير في اتجاه التيار المعاكس أو المضاد، ومع الرياح التي تشتهيها السفن لتصل إلى بر الأمان. قال مؤلف كتاب “التفاوض علم وفن”، أيمن عبد  الواحد، ما يلي: ((تنشأ أهمية علم التفاوض من زاويتين: الأولى “ضرورته”، والثانية “حتميته”، فنحن نعيش عصر المفاوضات، سواء بين الأفراد أو الدول أو الشعوب، فجميع جوانب حياتنا هي سلسلة من المواقف التفاوضية، وتظهر ضرورة علم التفاوض ومدى الأهمية التي يستمدها من العلاقات التفاوضية القائمة بين أطرافه، أي ما يتعلق بالقضية التفاوضية التي يتم التفاوض بشأنها وتلك هي الزاوية الأولى، أما إذا نظرنا إلى الزاوية الثانية وهي الزاوية الحتمية، فنجد أن علم التفاوض يستمد حتميته من كونه المخرج أو المنفذ الوحيد الممكن استخدامه لمعالجة القضية التفاوضية والوصول إلى حل للمشكلة المتنازع بشأنها، ومع الاحترام والتقدير لنضال الشيوخ جيل سنة 1948، يكون من المفيد لضمان حسن سير المفاوضات، أن يقوم بها شباب كفء مقتدر، ملم بأن التفاوض علم وفن وقادر على التفاوض بالطرق العلمية الحديثة، وليس معنى ذلك أن يتنازل عن أهم المطالب الأساسية، وإنما الوصول إليها بأفضل سبل التفاهم ولما فيه مصلحة الطرفين)).

وذكرت بعض المراجع الحروب الطاحنة التي دارت في فلسطين ومنها: حرب التطهير العرقي لفلسطين في الفترة 1947ـ1948، أزمة السويس سنة 1956،  معركة السموع في شهر نونبر 1966، حرب الأيام الستة أو نكسة يونيو، معركة الكرامة سنة 1967، معركة بين الجيش الأردني والفدائيين ضد الجيش الإسرائيلي سنة 1968، معركة أكتوبر 1973، حرب يوليوز سنة 2006 بين الجيش الإسرائيلي وتنظيم “حزب الله”، حرب غزة في أواخر سنة 2008،  حرب غزة الثانية سنة 2012، حرب غزة الثالثة سنة 2014، الانتفاضة الرابعة سنة 2021، ثم معركة طوفان الأقصى، وفي إسرائيل عملية السيوف الحديدية، وهي عملية عسكرية ممتدة شنتها فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وعلى رأسها حركة “حماس” عبر ذراعها العسكري كتائب عز الدين القسام في أول ساعات الصباح من يوم السبت 7 أكتوبر 2023، إذ أعلن القائد العام للكتائب محمد الضيف، عن بدء العملية ردا على الانتهاكات الإسرائيلية في باحة المسجد الأقصى المبارك واعتداء المستوطنين الإسرائيليين على المواطنين الفلسطينيين في القدس والضفة والداخل المحتل، ولا زالت رحى هذه الحرب  تدور بشراسة، وعدد الشهداء والجرحى في تصاعد مهول، ودول هيأة الأمم المتحدة في سبات، وقرارات مجلس الأمن بهذا الخصوص لا يوجد من يطبقها وينفذها..

أيها المجتمع الدولي، ألا يكفي ما شاهدته تلك المنطقة من حروب ودمار، وسقوط ضحايا أبرياء، والعيش تحت خيام مهترئة لا ماء ولا طعام ولا دواء ولا مرافق صحية، وأطفال يعانون من المجاعة والمرض، بينما الجانب الإسرائيلي مصر على متابعة الحرب ويصرح بأن الهدنة بالنسبة إليه هزيمة لا يتحملها ولا يطيقها، وانتصاره هو محو غزة بجميع سكانها من الوجود.

تعليق واحد

  1. كل عام و الجريدة وقرائها وكافة المسلين، وأخص بالذكر إخواننا في غزة الجريحة والضفة المنكوبة بخير.
    سمعت الحق يقول والحق قول ربي:
    وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (الصف 13).
    تقبل الله صيام وقيام وصالح أعمال المسلمين وخاصة المجاهدين.
    أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليُمن والبركات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى