متابعات | رؤساء الجماعات أمام أكبر سلسلة محاكمات في تاريخ المغرب
دفعة أولى أمام المحاكم وآخرون في الطريق

يستمر مسلسل المتابعات القضائية في حق العديد من رؤساء الجماعات الترابية، سواء الكبرى أو الصغرى، في انتظار تحريك الملفات التي أحالها تقرير المجلس الأعلى للحسابات على رئاسة النيابة العامة والمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، إلى جانب الشكايات الموازية المقدمة من قبل بعض الجمعيات التي تنشط في مجال الدفاع عن المال العام ومحاربة الرشوة والفساد.
إعداد: خالد الغازي
من المنتظر أن تعرف الأسابيع القادمة إحالة رؤساء جماعات سابقين وحاليين على القضاء شملتهم تقارير سوداء من قبل المجلس الأعلى للحسابات برئاسة زينب العدوي، تتعلق بالاشتباه في ارتكاب اختلالات أو خروقات أو شبهة تبديد أموال عمومية، حيث تحدثت العديد من المصادر والتقارير عن تقديم دفعة جديدة من المنتخبين الكبار والمسؤولين الجماعيين في مختلف المدن، للتحقيق معهم في العديد من القضايا، أبرزها مرتبطة بالفساد والصفقات والتسيير.
ويدور الحديث عن فتح ملفات رؤساء جماعات ومجالس منتخبة خلال الفترة السابقة، بعدما عرض المجلس الأعلى للحسابات ملفات بعض المنتخبين على رئاسة النيابة العامة وفق تقرير صادر في السنة الماضية (2023)، والذي رصد سوء تدبير واختلالات في الصفقات والتعمير والطلبات والدراسات وغيرها، كما أن هناك متابعات في حق العديد من النواب البرلمانيين، ينتمون للأغلبية والمعارضة، في العديد من القضايا المرتبطة بتدبير الجماعات أو الأموال العمومية.
لهذا، فإن المتابعة القضائية للعديد من الرؤساء في المجالس المنتخبة الذين ينتمون إلى أحزاب التحالف، تضع الأغلبية أمام ضرورة تخليق الساحة الحزبية ومراجعة التزكيات والدعم الذي منحته لبعض المنتخبين الذين صدرت في حقهم أحكام، أو الذين أكدت تقارير رسمية والمفتشية العامة لوزارة الداخلية، سقوطهم في المحظور وارتكاب اختلالات مالية.
وأبرز تقرير مفتشية وزارة الداخلية قيام بعض الرؤساء باعتماد سندات للطلب رغم عدم توفرهم على برامج توقعية واضحة تحدد الحاجيات التي يراد تحقيقها والهدف منها، مما يكشف غياب الحكامة وصرف المال العام بدون مبرر أو صفقات واضحة مبنية على دراسات دقيقة لتنفيذ المشاريع.
فالعديد من ملفات رؤساء الجماعات في مختلف الأقاليم والعمالات معروضة على القضاء حاليا للحسم فيها، سواء تتعلق بقضايا مرتبطة بتدبير المال العمومي، أو الصفقات أو إجراءات خاطئة، مما ينذر باتساع دائرة المتابعات القضائية، ويطرح تساؤلات حول مصير هؤلاء الرؤساء ومستقبلهم السياسي والحزبي.
ومن بين رؤساء الجماعات المتابعين قضائيا، يوجد رئيس المجلس الجماعي بأسفي نور الدين كموش، الذي وجد نفسه في ورطة جديدة بعد متابعته رفقة أحد موظفي الجماعة بتهمة اقتلاع أشجار مملوكة للغير بطريق سيدي بوزيد، وإتلاف نباتات نمت طبيعيا أو بغرس من طرف الإنسان.
وحسب مصادر مطلعة، فقد جاءت هذه المتابعة القضائية بناء على شكاية للفرع المحلي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، إلى كل من رئاسة النيابة العامة بالرباط والوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بأسفي، بشأن اجتثاث مجموعة من أشجار الكاليبتوس بمنعرج سيدي بوزيد، حيث تم تحديد أولى جلسات المحاكمة يوم 15 أبريل القادم، وذلك بعدما أنهى القاضي المكلف التحقيق التفصيلي مع نور الدين كموش، رئيس المجلس الجماعي بأسفي وموظف آخر.
ويتابع أيضا محمد السيمو، رئيس جماعة القصر الكبير، رفقة 11 شخصا من بينهم مستشارين وموظفين بالمجلس الجماعي، أمام قاضية التحقيق بالغرفة الخامسة باستئنافية الرباط في حالة سراح مؤقت، وبالرغم من نفيه للتهم الموجهة إليه في وسائل الإعلام واعتباره أن الشكاية كيدية ضده، إلا أن أصحاب الشكاية يتهمونه بارتكاب اختلالات خلال الفترة السابقة لرئاسته لمجلس القصر الكبير، تتضمن “اختلالات بشأن طريق أولاد احمايد، والقاعة المغطاة، وحصول أحد الأعضاء بالمجلس على صفقة من جماعة القصر الكبير، من خلال بيع أرض في ملكية شركة بثمن يفوق قيمتها الحقيقية مقارنة مع سعر الأراضي في المنطقة”.
كما يتابع محمد كريمين، رئيس المجلس الجماعي لبوزنيقة، في حالة اعتقال ضمن ملف متعلق بالتدبير الجماعي، من قبل قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، رفقة مدير شركة “أوزون” ومهندس جماعي متقاعد في حالة اعتقال احتياطي، بعدما وجهت النيابة العامة لهم تهما بارتكاب “جناية اختلاس وتبديد أموال عامة موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته، وجناية محاولة اختلاس وتبديد أموال عامة، وجناية التزوير في محرر رسمي واستعماله، وجنحة استغلال النفوذ الغرض منه القيام بعمل يشكل جناية التبديد، وجنحة المشاركة في تزوير محررات تجارية”.
ومن أبرز رؤساء الجماعات المتابعين أمام القضاء خلال السنة الحالية، يوجد رئيس جماعة وجدة رفقة أشخاص آخرين، في قضية تتعلق بـ”تزوير محررات رسمية في الانتخابات الجماعية لشتنبر 2021″، حيث يتابع من قبل الغرفة الجنحية بالمحكمة الابتدائية إلى جانب مستشار سابق وموظف جماعي مكلف بالتنسيق بمصلحة الإمضاء.
ويتابع رئيس جماعة وجدة من قبل النيابة العامة بشبهة “التزوير في محرر عرفي واستعماله وصنع شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة، والمشاركة في صنع عن علم شهادة تتضمن وقائع مصطنعة غير صحيحة واستعمالها، والتزوير في محررات عرفية”، بعدما تقدم محمد جوهر، أحد أعضاء لائحته، بشكاية إلى القضاء يرفض استعمال اسمه بعدما قرر الترشح مع حزب آخر، الأمر الذي استغلته المعارضة للمطالبة بحل المكتب المسير للجماعة.
ومن بين القضايا المعروضة على القضاء كذلك، ملف رئيس الجماعة الحضرية لورزازات، المنتمي لحزب الأحرار، والمتابع بتهمة “خيانة الأمانة”، حيث من المرتقب أن تحسم هيئة المحكمة في الملف بداية شهر أبريل، وتعود القضية إلى تقدم إحدى شركات التأمين بشكاية إلى القضاء ضد رئيس المجلس الجماعي، تتهمه فيها بـ”اختلاس مبالغ مالية” و”خيانة الأمانة”، حيث سبق أن أدانته المحكمة في المرحلة الابتدائية بـ 8 أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 4 آلاف درهم، وفي الدعوى المدنية بأدائه لفائدة المطالب بالحق المدني في شخص ممثلها القانوني، مبلغا ماليا قدره 53 مليون سنتيم وتعويضا مدنيا قدره 40 ألف درهم.
بدوره، يتابع رئيس جماعة سيدي قاسم في دعوى قضائية رفعها مقاول يتهمه بـ”التزوير ومحاولة الابتزاز”، حيث لازال يخضع للتحقيق التفصيلي من قبل قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية.
وقد قررت النيابة العامة إحالة ملف القضية، الذي يتابع فيه رئيس الجماعة رفقة المدير الجهوي للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب قطاع الماء وشخصين آخرين، على قاضي التحقيق، الذي ارتأى متابعتهم في حالة سراح مع إتاحة الفرصة لتقديم الأدلة والشهود.
في هذا الصدد، سجلت الجمعية المغربية لحماية المال العام، تحركا إيجابيا في بعض المتابعات القضائية، ما يشير إلى إمكانية تحقيق نتائج إيجابية في مكافحة الفساد، ورغم ذلك، تؤكد الجمعية على أهمية شمول التحقيقات جميع المفسدين ولصوص المال العام، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة القانونية.
ودعت الجمعية المغربية لحماية المال العام إلى محاكمة “لصوص المال العام والمفسدين”، و”استرجاع الأموال المنهوبة والتصدي لتبييض الأموال، واتخاذ قرارات حازمة في مواجهة لصوص المال العام تجاوبا مع تطلعات المواطنين وانتظاراتهم بخصوص محاربة الفساد والرشوة ونهب المال العام وتبييض الأموال”.
ونبهت الجمعية السلطة القضائية، إلى كون تأخر الأبحاث التمهيدية وطول أمد المحاكمات والمساطر القضائية وصدور أحكام لا تتناسب وخطورة جرائم الفساد المالي، من شأنه أن يساهم في هدر الزمن القضائي وتقويض القانون والعدالة، مطالبة بحسم ملفات الفساد التي استغرقت وقتا طويلا في البحث والمحاكمة، وتسريع الإجراءات بخصوصها، مع التأكيد على ضرورة مصادرة ممتلكات المتهمين في قضايا الفساد، وتجريم الإثراء غير المشروع وتعديل قانون التصريح بالممتلكات.
فالعديد من الملفات المعروضة على القضاء التي يتابع فيها رؤساء جماعات قروية وحضرية في قضايا مختلفة، تتعلق بشبهة الفساد، أو تبديد المال العام، أو التلاعب، أو خروقات في التعمير، أو التزوير، في انتظار الحسم في هذه الملفات إما بالإدانة أو بإصدار عقوبة موقوفة التنفيذ أو البراءة، ومن بين الرؤساء المتابعين أمام القضاء بمراكش، رئيس جماعة لالة تكركوست المستقيل (ك. أ)، في ملف يتعلق بجرائم غسيل الأموال، رفقة ثلاثة متهمين آخرين، وذلك عقب دعوى رفعها ضدهم منجم بإقليم تنغير.
ومن المنتظر أن يمثل رئيس جماعة تمصلوحت (ع. ق) يوم 25 أبريل 2024 أمام غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بمراكش، بتهم “تبديد واختلاس أموال عامة ومنقولة موضوعين تحت يده بمقتضى وظيفته”، حيث جاءت متابعته بعد انتهاء القاضي من التحقيق التفصيلي، وذلك بعد الشكاية التي تقدم بها المستشار الجماعي حسن الكبيدة بالجماعة المذكورة، يتهم رئيس المجلس بـ”التورط في صفقات الفساد والاغتناء غير المشروع عبر استغلال منصبه”.
كما يتابع رئيس جماعة بن صميم بإفران (ع. ل) المنتمي لحزب الحركة الشعبية، في قضية معروضة على غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس خلال شهر أبريل 2024، رفقة مكتب الدراسات وأربعة مقاولين إلى جانب تقني لمكتب الدراسات، بتهم “الاختلاس وتبديد أموال عمومية أو المشاركة فيها، والمشاركة في التزوير في محاضر عرفية، وأخذ أو تلقي فائدة”، حيث سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن أصدر غرامة مالية في حقه قدرها 22 مليون سنتيم، بسبب إعفاء صاحب فندق من أداء ضرائب الجماعة ومنحه وثيقة إبراء الذمة.
ويواصل قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بفاس النظر في ملف رئيس جماعة أحد أولاد زباير (ت. ك) المعزول بقرار قضائي، والمنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، رفقة ثلاثة موظفين، والمتابعون بتهم “الفساد الإداري في شقه المتعلق بإصدار رخص مشكوك فيها”، وقد جاءت هذه المتابعة بعد توصل الوكيل العام بشكاية تقدم بها مستشارون جماعيون بناء على تقارير تتهمه بإصدار وثائق تعميرية مشبوهة.
كما تمت إحالة رئيس جماعة الحرارة السابق، على الغرفة الثالثة بمحكمة الاستئناف بمراكش، من قبل قاضي التحقيق، الذي يتهمه بارتكاب أفعال جنائية تتعلق بتبديد أموال عمومية والتزوير في محررات رسمية، استنادا إلى نتائج الأبحاث التمهيدية المنجزة من قبل الضابطة القضائية، رفقة ثلاثة مقاولين ومزودين للجماعة على عهد الرئيس الأسبق، بالإضافة إلى تقني بالجماعة، والذي وقع على نهاية الأشغال لبعض المشاريع التي يشتبه أنه شابتها تجاوزات قانونية.
وفي ظل حملة الملاحقات القضائية التي تقوم بها السلطات القضائية والداخلية في حق العديد من رؤساء الجماعات والمجالس المنتخبة، وحسب مصادر مطلعة، فإنه من المنتظر أن يتم تحريك ملفات أخرى لرؤساء جماعات سابقين وحاليين بعد تفعيل تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية، وستبدأ محاكمة كل من تورط في اختلاسات مالية أو تلاعب في ملفات ذات طابع مالي أو إداري.
في هذا الصدد، قام عامل إقليم بجهة الرباط سلا القنيطرة، بإحالة ملفات خمس رؤساء جماعات على القضاء، بشبهة بيع مناصب عمال مياومين والحصول على عمولات مالية منهم، مما دفع بعض المنتخبين لتقديم شكايات إلى القضاء ضد رئيس مجلس جماعي بسبب إغراق الجماعة بالعمال، كما تم عرض رؤساء جماعات ترابية بإقليم سيدي سليمان على القضاء، بسبب اختلالات والتلاعب في صفقات عمومية وتحويلها إلى سندات الطلب من أجل تفويتها إلى المستفيدين دون تطبيق مسطرة المنافسة، وذلك بعدما سجلت المفتشية العامة للإدارة تجاوزات مالية وتدبيرية.



