كواليس الأخبار

تحت الأضواء | القصة الكاملة لسقوط أكبر مروج للحوم الحمراء بالمغرب

من بوزنيقة إلى عكاشة

الرباط – الأسبوع

 

    يعد البرلماني المعزول محمد كريمين من أبرز رؤساء الجماعات على الصعيد الوطني، الذين ارتبط اسمهم بالقضاء، حيث يتابع في عدة ملفات تتعلق بالتدبير الجماعي خلال فترة رئاسته لجماعة بوزنيقة، والاختلالات والفضائح التي سقط فيها والتي جعلت وزارة الداخلية تباشر مسطرة العزل في حقه، بينما قرر القضاء فتح تحقيقات في الشكايات التي ضده.

وتتم حاليا متابعة كريمين ورفيقه عزيز البدراوي، في اختلالات صفقة النظافة المبرمة بين الجماعة الحضرية لبوزنيقة وشركة “أوزون”، التي يمتلكها هذا الأخير، والتي رصدها تقرير المجلس الأعلى للحسابات وأحالها على رئاسة النيابة العامة، التي بدورها أرسلت الملف والتقرير إلى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء من أجل فتح تحقيق قضائي حول وجود اختلالات مالية وشبهة تضارب المصالح بين الطرفين.

فقد ترأس كريمين جماعة بوزنيقة منذ سنة 1997، أي قرابة ثلاثة عقود، وخلال هذه المدة جمع الرجل ثروة كبيرة، قادته إلى دخول عالم تربية الخيول والعجول الباهظة الثمن، والتي ظلت تسيطر على بطولات محلية ودولية، كما ترأس الفيدرالية البيمهنية للحوم الحمراء، ويملك ضيعات لا حد لها تضم مختلف أنواع الأبقار، وجعلته يشرف على قطاع اللحوم الذي يعتبر من أهم قطاعات الريع في البلاد والتي تستفيد من سوق الحليب ومشتقاته.

فمن بين الملفات التي لازالت تطارد كريمين وهو رهن الاعتقال الاحتياطي بسجن عكاشة، اختلالات وخروقات قطاع التعمير التي رصدها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، برئاسة زينب العدوي، والتي دفعت بعض المستشارين بالمجلس الجماعي ببوزنيقة لتقديم شكاية إلى القضاء في الموضوع، تتعلق بخروقات في التعمير من طرف “ب.ج” النائب الأول لكريمين، “ارتكب أفعالا مخالفة للقانون والأنظمة الجاري بها العمل”، تتعلق بشبهة “التزوير في تصميم عمارة، حيث قام النائب بإمضاء نسخة مزورة من تصميم عمارة بنفس رقم التصميم الأصلي الذي صادقت عليه مصالح عمالة بنسليمان من الوكالة الحضرية وقسم التعمير وغيرها، والموقع كذلك من طرف الرئيس السابق حينها للمجلس، محمد كريمين”.

وأوضحت الشكاية الموجهة لرئاسة النيابة العامة، أن “المعني بالأمر متورط كذلك في التوقيع على رخصة السكن الخاصة بعمارة بشارع بئر أنزران موضوع المخالفة والتي صدر في حقها قرار الهدم قبل عدة سنوات من طرف عمالة بنسليمان، ورغم وجود قرار الهدم وعدم اكتمال بناء العمارة، عمد المعني بالأمر إلى توقيع رخصة السكن وتسليمها للمعنيين بالأمر”.

كما برزت شكاية أخرى تتعلق بالتعمير وضعها رئيس لجنة التعمير السابق بالجماعة لدى الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ضد رئيس المجلس محمد كريمين ونائبه الأول، حول وجود خروقات وتجاوزات في مشاريع سكنية وتبديد أموال عمومية، تتضمن معطيات من تقرير مجلس الحسابات وتقرير للخبرة، مبرزة وجود تجاوزات تتعلق بحصول بعض المستفيدين على رخص البناء وتأشيرات الموافقة على تصاميم مختلفة مرتبطة بنفس المشروع، حيث أن التصميم الأول موقع من قبل رئيس المجلس والتصميم الثاني موقع من قبل نائبه بنفس التاريخ، وذلك بهدف تسهيل عملية التحفيظ العقاري، حيث استفاد صاحب مشروع تجزئة سكنية بجماعة بوزنيقة من وثيقتين إداريتين، واحدة أصلية والثانية مزورة تحملان نفس التاريخ تتعلق بتصميم مخالف للتصميم الأول الذي صادقت عليه اللجنة المكلفة بالتعمير، قصد تحفيظ المشروع بدون عراقيل رغم الاختلالات التي حصلت فيه والمغايرة للتصميم الأصلي.

وتأتي هذه الشكايات في ظل متابعة كريمين رئيس جماعة بوزنيقة في قضية قديمة سبق أن أصدر فيها القضاء حكما في حقه بأربع سنوات موقوفة التنفيذ وغرامة خمسة ملايين سنتيم، والتي عادت من جديد للتداول بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بعد صدور قرار من محكمة النقض لصالحه يقضي بإعادة المحاكمة، إلا أنه ظل غائبا عن أطوار جلسات غرفة الجنايات المكلفة بجرائم الأموال منذ سنة 2022، الأمر الذي دفع الهيئة للمطالبة بإحضاره من سجن عكاشة للحضور للمحكمة.

وهناك تحقيق آخر لدى النيابة العامة بالرباط يلاحق كريمين، يتعلق بفترة رئاسته للفيدرالية المغربية لإنتاج اللحوم الحمراء، والتي كانت موضوع اختلالات مالية خلال الفترة 2017-2020، والتي تشمل “انتهاك قواعد التصرف في منح وزارة الفلاحة المقدمة إلى هذه الجمعية بمناسبة المعرض الدولي السنوي للفلاحة بمكناس، وحصول هيئات غير عضو في هذه الجمعية على حصص من هذه المنح إلى جانب غياب الشفافية والوضوح في عمليات التلقيح الاصطناعي، وتحصيل مقابل هذه العمليات مبالغ (كاش)”، مما جعل البعض يشكك في قيمة الأموال التي تم تحصيلها من هذه العمليات الموسمية، كما تحيط شكوك بالدوافع التي جعلت الجمعية تبيع سيارات استخدمت في عمليات التلقيح الاصطناعي دون سلك المساطر القانونية، والعجول التي استعملت لإنتاج اللقاحات بيعت بهذه الطريقة، وجرى تحصيل مقابل هذه العمليات نقدا (كاش)، مما جعل بعض المهنيين يطعنون في التقارير المالية خلال الجمع العام الأخير، لكون المبالغ المصرح بها أقل بكثير من الأموال التي جرى تحصيلها.

وتم اتهام الجمعية بالتلاعب في عدد اللقاحات المستعملة سنة 2017، بعدما أبلغت وزارة الفلاحة بتنفيذ 180 ألف تلقيح بينما العدد الحقيقي – وفق تقارير داخلية – يبلغ 220 ألف تلقيح، مما يطرح التساؤل حول مصير أموال 40 ألفا من اللقاحات التي استعملت والتي لم تظهر في تقارير الجمعية، إلى جانب إهمال المعدات وتبديد مخزون لقاحات قيمتها ملايين السنتيمات، وصفقات أخرى مرتبطة بترقيم الأبقار، ثم عملية ترقيم الأضاحي عام 2018، وشكوك حول شفافية الفواتير.

وكشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تدبير جماعة بوزنيقة، “غياب نظام معلوماتي لمعالجة وتتبع طلبات وملفات التجزئة والتقسيم والبناء، حيث لا تتوفر الجماعة على نظام معلوماتي لمعالجة وتتبع طلبات وملفات التجزئة والتقسيم والبناء”، ويترتب عن هذا النقص عدم ضبط آجال البت في ذات الطلبات بما يتوافق مع المقتضيات القانونية والتنظيمية ذات الصلة، كما لا يتيح الوقوف على مآل الملفات وإضفاء المهنية على العلاقات التي تربط الجماعة بمرتفقيها وشركائها، وأخيرا لا يسمح هذا النقص بضبط العلاقة التي تربط قسم التعمير بالمصالح الأخرى، وخصوصا منها قسم تنمية الموارد المالية لتفادي ضياع مداخيل إضافية على الجماعة.

ورصد التقرير أيضا غياب معايير للاستفادة من الاستثناءات وضعف في المراقبة، حيث يستفيد مجموعة من المنعشين العقاريين على تراب الجماعة من استثناءات في مجال التعمير في غياب معايير محددة، كما جاء في الدورية الوزارية المشتركة رقم 31/10098 الصادرة بتاريخ 6 يوليوز 2010، بدليل أن مشاريع عقارية أو خدماتية تهم نفس الوعاء العقاري أو متجاورة يتم الترخيص لبعضها دون الأخرى، وقد لوحظ عدم تعليل قرارات منح الاستفادة من الاستثناء، التي لا تشير للمقتضى الذي تم تجاوزه في وثائق التعمير (تخصيص المنطقة، العلو المسموح به)، ولا تبين بشكل صريح ودقيق الالتزامات التي يجب أن يفي بها صاحب المشروع مقابل استفادته من الاستثناء.

وأشار التقرير إلى تضارب في الإدلاء بمعطيات ناقصة بخصوص عدد الرخص المسلمة، حيث صرحت الجماعة سنة 2017 بتسليم 149 رخصة بناء خلال السبعة أشهر الأولى من هذه السنة، في حين أن عدد الرخص المسلمة، المدونة في السجلات الممسوكة من طرف قسم التعمير، بلغ عن نفس الفترة 241 رخصة، وضعف وعدم جدوى مراقبة الجماعة لأوراش البناء، كما لوحظ عدم قيام مصالح الجماعة بإحصاء الأراضي الحضرية غير المبنية وفق القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، مما يترتب عنه ضياع مداخيل مهمة تفوق 900 مليون سنتيم.

وبخصوص قطاع النظافة وعقد التدبير المفوض الموقع مع شركة “أوزون” التابعة لعزيز البدراوي، كشف التقرير مجموع الموارد المالية التي حصلت عليها الشركة من 2010 إلى 2017، بحوالي 91 مليون درهم (أزيد من 9 ملايير سنتيم)، ثم إبرام اتفاقية جديدة لسبع سنوات إلى غاية 2024، بمبلغ 15 مليون درهم (مليار ونصف)، بحيث سجل التقرير تغييرا في معالم الاتفاقية عبر إبرام أربعة عقود ملحقة خلال سبع سنوات، تهم تغيير مكان تفريغ النفايات المنزلية ورفع سعر الخدمات المقدمة من طرف الشركة ليتم لاحقا رفعه من جديد، وتمكين الشركة من ثمن جزافي ومن مبالغ أخرى.

ووجهت شكاية للقضاء وضعها مستشاران جماعيان أمام النيابة العامة في نونبر 2022، بخصوص خروقات في دفتر التحملات، من قبيل “التباين بين الأثمنة الأحادية والأثمنة المعتمدة في جدول الحساب الإجمالي”، ووجود فترتين توثقان لخروقات في التدبير، عبر تعديل ميزانية التدبير المفوض وتخفيضه إلى 8 ملايين درهم عوض 14 مليون درهم، لكن في سنة 2015 تبين أن الاعتمادات تفوق 15 مليون درهم، وفي سنة 2016 تمت إضافة 6 ملايين درهم للميزانية ليرتفع المبلغ إلى 20 مليون درهم، بمبرر أنه دين سابق على المجلس لشركة “أوزون”، وبعد ذلك تنازلت الجماعة عن الآجال القانونية للخازن الجهوي لصالح الشركة.

وخلصت الشكاية بشأن تدبير “أوزون” الخاص بالفترة 2010-2017، إلى أن “نقطة الالتقاء بين كل الملحقات التي وقعها محمد كريمين مع شركة عزيز البدراوي، هي أنها كلها آليات لأداء مزيد من المال العام لهذه الشركة بطرق ملتوية ومشبوهة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى