تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل يتحرك المغرب لمواجهة الجزائر عسكريا في إفريقيا ؟

بعد تدخلها في الكونغو

بعد استنفاذ كل أوراق الجزائر التي أحرقتها في منطقة الساحل ضد المغرب، يبدو أن الجارة الشرقية تحركت في اتجاه منطقة البحيرات الكبرى، وذلك من خلال الزيارة التي قام بها قائد أركانها، السعيد شنقريحة، إلى رواندا، التي أعلن خلالها عن دعمه لحركة “إم 23” التي دخلت في نزاع مسلح مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، حليف المغرب المقرب، وخاصة في ملف الصحراء المغربية، وهنا يطرح السؤال حول موقف المغرب من هذا التحول؟ ونقترح على قرائنا استعراض تجربة تدخل المغرب عسكريا في الكونغو الديمقراطية من أجل الحفاظ على وحدتها.. فهل يكررها المغرب في هذه الحالة أم أن هناك حسابات جديدة ؟

 

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

مؤشرات تحويل الجزائر الصراع مع المغرب من منطقة الساحل إلى البحيرات العظمى

    كانت نهاية شهر فبراير الماضي وبداية مارس الحالي، مليئة بالأحداث الإقليمية والدولية التي لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بالمغرب.. فقد انعقدت في الجارة الشرقية بداية الشهر الحالي، قمة الدول المصدرة للغاز، التي سجلت خلالها غيابات غير مفهومة لزعماء الدول الأكثر تأثيرا في المنظمة، حيث غاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي اكتفى بإرسال تمثيلية دبلوماسية من الصف الأخير، وغاب الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى جانب الرئيس النيجيري، صاحب مشروع الربط القاري الفرعوني مع الرباط، كما سجل غياب كل من حاكم الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.

وفي رسائل مشفرة لزعماء بعض الدول على عدم حضورهم للقمة، زار رئيس نيجيريا أحمد تينوبو، بعد يوم واحد من انتهاء القمة، دولة قطر، واستقبله أمير قطر تميم بن حمد، وهذا الأخير رفض استقبال قائد الجيش الجزائري السعيد شنقريحة، الذي قام بزيارة إلى قطر في نفس اليوم، واستقبله الممثل الشخصي لأمير قطر.

وبعد نهاية قمة الدول المصدرة للغاز، أعلن بالجزائر عن تشكيل اتحاد مغرب عربي يضم ثلاث دول وهي الجزائر وليبيا وتونس، نكاية في المغرب، بينما لوحظ غياب موريتانيا التي قيل أنها رفضت المشروع رفضا قاطعا، وفضلت الانضمام إلى مبادرة الأطلسي التي طرحها الملك محمد السادس قبل فترة، وفي رد مباشر من جانب موريتانيا على هذه المبادرة، فضلت نواكشوط إرسال إشارات غير ودية إلى قصر المرادية.. ففي يوم إعلان اتحاد المغرب العربي بدون المغرب وموريتانيا، وقعت هذه الأخيرة اتفاقية مع عدو الجزائر اللدود، ونقصد هنا الإمارات العربية المتحدة، التي تنعتها الجزائر بـ”عاصمة التخلاط”، (وقعت) على اتفاقية تعاون لتمويل مشروع جلب المياه من نهر السنغال إلى حوالي 165 قرية في ثلاث ولايات (لبراكنة ولعصابة وتكانت) وسط موريتانيا، ووقع ‏الاتفاقية كل من وزير الاقتصاد والتنمية المستدامة الموريتاني، وسفير الإمارات بنواكشوط.

غير أن ما يهمنا من هذه التحولات، هو ما وقع خلال نهاية شهر فبراير الماضي، حيث شهدت القارة الإفريقية حدثين متزامنين كانت بطلتهما الجزائر ولهما علاقة كبيرة بالمغرب، تتعلق الأولى بالمناورات العسكرية التي قامت بها الجزائر على الحدود مع مالي وأطلقت عليها اسم “زوبعة الهكار”، الأمر الذي جعل رئيس الوزراء المالي شوغيل مايغا، يرد على هذا الحدث الذي اعتبره استفزازا صريحا لبلده، حيث قال يوم 4 مارس الحالي، في محاضرة ألقاها في الجامعة الوطنية للتكوين في علوم الصحة بباماكو، ردا على المناورات الجزائرية، بكل سخرية وتحدّي: “نحن نعرفكم لا تحتاجون إظهار مفاتنكم، عندما يحين الوقت ستتعرفون علينا”.

أما ثاني حدث، وهو الأهم، فهو زيارة رئيس الأركان الجزائري السعيد شنقريحة، يوم 19 فبراير الماضي، إلى جمهورية رواندا، في زيارة رسمية دامت أياما، وهي الزيارة التي قالت وزارة الدفاع الجزائرية أنها جاءت بناء على دعوة من الجنرال مبارك موقانقا، رئيس الأركان الرواندي، والغريب في الأمر أن هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع التصعيد العسكري على الحدود بين رواندا والكونغو، في ظل اشتداد المعارك بين حركة “إم 23” المدعومة بوحدات من الجيش الرواندي من جهة، والجيش الكونغولي في ساكي (بلدة تقع على بعد 20 كيلومترا عن غوما، عاصمة الإقليم) من جهة أخرى.

وجدير بالذكر أن الجنرال شنقريحة اختتم زيارته بتوقيع اتفاقيات عسكرية ومباحثات تشمل تعزيز التعاون العسكري بين جيشي البلدين، وقال في كلمة له بالعاصمة الرواندية كيغالي: ((إن الزيارة تعد مؤشرا جليا على طموح السلطات العليا للبلدين من أجل بعث دينامية جديدة لآلية التعاون العسكري بين الجيشين وبما يسمح بمواجهة التحديات الأمنية التي تعرفها القارة الإفريقية)).

وبعد ذلك بيوم واحد، استدعت وزارة خارجية الكونغو الديمقراطية سفير الجزائر، الذي استقبله نائب الوزير الأول المكلف بالشؤون الخارجية، كريستوف لوتوندولا، وأبلغه أن كينشاسا تعتبر زيارة شنقريحة لرواندا وتوقيع اتفاقيات عسكرية معها، دعما لسياستها التوسعية، وطلب من السفير تقديم توضيحات حول هذه الزيارة، بينما اعتبر مراقبون أن إقدام الكونغو الديمقراطية على هذه الخطوة، جاء نتيجة عرض شنقريحة على رواندا دعم حركة “إم 23” ضدا في الكونغو الديمقراطية، التي تعترف بسيادة المغرب على صحرائه، ولها قنصلية بمدينة الداخلة، وطبعا المقابل هو اصطفاف رواندا إلى جانب الجزائر في مسألة الصحراء المغربية.

الشنقريحة يُستقبل من طرف رئيس الأركان الرواندي، موقانقا

وهو نفس التحليل الذي تبناه موقع “الصحراء ويكيليكس” الذي قال: ((يبدو أن الحليف الجزائر قد اتخذ قرارا بتغيير استراتيجية التعامل مع الدول التي تدعم الرباط في مواقفها، والتي قررت فتح تمثيليات دبلوماسية لها في مدن الصحراء، حيث كشفت زيارة قائد الجيش الجزائري سعيد الشنقريحة، إلى دولة رواندا، عن خطة جديدة لتركيع الدول التي تُعادي القضية الصحراوية، عبر البحث عن نقاط ضعفها والاستثمار فيها، وقد عمد قائد الجيش الجزائري إلى القيام بزيارة إلى دولة رواندا، وهناك عبر عن دعمه المطلق لحركة “23 مارس” الكونغولية، المعروفة بـ”M 23″، التي تدعمها رواندا ضد نظام دولة الكونغو، ووعدها شنقريحة بتقديم المساعدات العسكرية إلى وحداتها المقاتلة)).

وظهر بعد ذلك أن صراعا بين الجزائر والكونغو الديمقراطية بدأت ملامحه تلوح في الأفق، كما يحصل الآن مع جمهورية مالي.. ففي يوم واحد، أي 5 مارس الحالي، زار الرئيس الكونغولي وقائد الجيش الجزائري سعيد شنقريحة إمارة قطر، والغريب في الأمر، أن الرئيس الكونغولي استقبل من طرف أمير قطر بينما شنقريحة استقبل من طرف الممثل الشخصي لأمير قطر، ما يعني بطريقة أو بأخرى، رفض قطر والمنتظم الدولي دعم الجزائر لحركة “إم 23”.

لحد الآن، لا نرى تحركا من جانب المغرب بخصوص هذا المستجد، خاصة إذا كان استهداف الجزائر للدول الحليفة للمغرب في القارة الإفريقية هدفه الضغط عليها لتغيير موقفها من قضية الصحراء المغربية، وهناك من يرى بأن الجزائر تحاول نقل الصراع مع المغرب من دول الساحل إلى دول البحيرات العظمى، وهو احتمال كبير.. فهل يتدخل المغرب مستقبلا في مثل هذا الصراع؟ وكيف سيكون تدخله، هل عن طريق المشاركة في قوات أممية أم إفريقية، أم ستتدخل القوات المسلحة الملكية مباشرة لصالح الكونغو الديمقراطية في حال تمادت الجزائر في دعمها لحركة “إم 23” ؟

 

هل يكرر المغرب تجربته السابقة مع الكونغو الديمقراطية خلال سبعينيات القرن الماضي ؟

    هناك تجربة سابقة للمغرب مع الكونغو الديمقراطية بداية من سنة 1977، عندما واجهت حكومة الجنرال موبوتو سيسي سيكو حركة ضد السلطة في بداية سنة 1977، وكانت مدعومة من طرف أنغولا الشيوعية، يومها تدخل المغرب، حيث أرسل 1200 جندي، إلى جانب مصر، التي أرسلت خبراء عسكريين، فيما ساهمت فرنسا بعمليات نقل عسكرية نفذتها القوات الفرنسية، وبذلك تم سحق التمرد.. يومها حل الرئيس الكونغولي بالمغرب وقال بهذا الخصوص: ((تدخل المغرب الفعال للمحافظة على وحدتنا الترابية يستحق تنويها خاصا، والزايير تعرف اليوم أن المغرب يعتبر حليفا أكيدا، ويمكن أن يعتمد عليه في الأوقات الحرجة، كما أن تدخل المغرب في الزايير قد نسج بالدم روابط الصداقة التي تجمع بين الشعبين المغربي والزاييري، وبالنسبة لإفريقيا، فإن هذا التيار الجديد من التضامن يشكل نموذجا للتعاون الفعال داخل قارتنا من أجل أمن واستقرار دولنا، ولقد جسد المغرب بهذا تعلقه بالمبادئ التي كانت أساس إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، كما أبرز إرادته في الدفاع بكل قوة عن استقلال وأصالة إفريقيا، وإن تاريخ إفريقيا لن يتردد في تسجيل هذا العمل الشجاع من جانب جلالتكم بحروف ذهبية)).

الحسن الثاني وسيسي سيكو

غير أنه في سنة 1978، نشب تمرد جديد في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يومها أعلن المغرب – على لسان الملك الراحل الحسن الثاني – أن المغرب يرفض إرسال قوات مغربية محاربة إلى إقليم شابا كما فعل سنة 1977، وأكد أن المغرب على استعداد لإرسال قوات إلى الزايير، لكنه يريد من الدول الصديقة المجاورة لها أن تقوم بمجهود رمزي لإثبات أن المشكلة لا تخص الرئيس موبوتو فقط وشخص الملك الحسن الثاني، وإنما هي مسألة استراتيجية للمنطقة بأجمعها.

وعندما تم اقتراح تشكيل قوة إفريقية دائمة في الدول التي تندلع فيها حركات تمرد أو اضطرابات، رفض المغرب هذا المقترح، معللا ذلك بكون منظمة الوحدة الإفريقية لا تملك الوسائل المادية كما تملكها مثلا منظمة الأمم المتحدة لخلق قوة إفريقية دائمة تتدخل لحل النزاعات، وفي ظل رفض المغرب خلق قوة إفريقية دائمة، عاد مرة أخرى وتدخل عسكريا، وهذه المرة بعد مساعدة كل من فرنسا وبلجيكا ومصر، حيث أن بلجيكا أرسلت 250 مظليا لمساعدة قوات موبوتو في فبراير 1979، ووقع موبوتو مع مصر على اتفاقية تعاون عسكري وفني وتبادل وتدريب عسكريين في العاصمة الكونغولية كينشاسا في 8 فبراير 1980.

وفي خطاب العرش لسنة 1980، أكد الملك الحسن الثاني، أن استهداف الكونغو الديمقراطية ما هو إلا خطة كبيرة أعدتها الدول الشيوعية، هدفها أيضا استهداف الصحراء المغربية، حيث قال في خطابه: ((كنا نشعر ونحن نأمل أن تفيء الأحلام إلى الصواب، بأن المكابرة والعناد وليدا خطة مبيتة تستهدف اضطراب حبل الأمن في قارتنا، وزلزلة الأوضاع هنا وهناك، تمهيدا لبسط النفوذ وممارسة الهيمنة، وتحقيق الاستيلاء والاغتصاب، وحدثت أحداث بعد ذلك أكدت صحة الشعور، ونفاذ الحدس، فوقع الانقضاض على الزايير مرتين، وتطاول العدوان إلى بيت الله الحرام، وسرى جيش هام فانتشر غازيا في رحاب أفغانستان، ثم اتجهت الخطة المبيتة تكشف شيئا فشيئا عن مقاصدها ومراميها، واتضح أن الهجوم المتكرر على أراضينا في الصحراء ما هو إلا جزء من مؤامرة ترمي من وراء الهجوم والاعتداء، إلى استبدال وضع بوضع)).

وحول ما إذا كانت أمريكا مدركة للتحركات السوفياتية في الصحراء المغربية، أكد الملك أنها ليست مدركة لذلك تماما، إلا أنها نضجت كثيرا في الآونة الأخيرة، وأضاف أنها بدأت تدرك تماما أن الانفراج شيء والسذاجة شيء آخر، وفي هذا الإطار، قام الحسن الثاني يومي 14 و15 نونبر 1978، بزيارة رسمية إلى أمريكا، وخلال كلمة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، أثناء استقباله للحسن الثاني، ذكر بأن المغرب أول بلد في العالم اعترف بأمريكا، وعبر عن الامتنان الدائم لأمريكا تجاه المغرب بفعل هذا الصنيع الذي لن تنساه أبدا، وخلال نفس الكلمة، أوضح الرئيس أن والدته تزور المغرب باستمرار وتفضله على كل بلدان العالم، كما قال: ((أريد أن أكشف بكل صراحة أننا نحن الأمريكان استفدنا كثيرا من علاقاتنا مع المغرب أكثر من استفادة المغرب من هذه العلاقات))، وأضاف: ((إنها مناسبة عظيمة تتاح لنا لاستقبال ضيف اليوم، رجل يعرف القارة الإفريقية، المنطقة التي بدأت تظهر مصالحنا بصورة بناءة، وعندما ظل العالم أجمع مكتوف الأيدي أمام تهديد غزو الزايير من طرف قوات خارجية، ظهرت مرة أخرى أمة أبدت شجاعتها وزعامتها، إنها الأمة المغربية، فقد مارست تأثير الاستقرار وقامت بعمل في حينه بكل ثقة وعزم، وهذا يشكل مثالا يجب الاحتذاء بما قدمه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني للعالم أجمع))، أما كلمة الملك، فقد أوضح من خلالها أن الرئيس الأمريكي شدد على تاريخ العلاقات بين البلدين، وطالب بأن يكون تاريخ علاقات البلدين المعاصر في نفس مستوى تاريخ علاقات البلدين في الماضي، ورغم ذلك، فإن أمريكا ظلت مكتوفة الأيدي بخصوص دعم المغرب في إفريقيا.

حدث هذا الأمر في سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت الإيديولوجية الشيوعية في أوجها، أما الآن، فالجزائر تقوم بالتحرك لوحدها في عالم نهاية الإيديولوجيات.. فهل يكون التحرك الجزائري في منطقة البحيرات الكبرى دافعا للمغرب للتصدي له على اعتبار أن ذلك يدخل ضمن إطار الأمن القومي للمملكة، أم أن الأمر تغير جذريا وأصبح الاتحاد الإفريقي قويا لدرجة ردع الجزائر، أم تتدخل قوى دولية كأمريكا وتجبد أذن الجزائر من أجل التوقف عن ارتكاب هذه الحماقات ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى