تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل تتحول لعبة الحلال والحرام إلى نذير شؤم على الاستقرار ؟

مشاكل المرأة بين تيارين

كان من الممكن أن يكون امحمد الخليفة أمينا عاما لحزب الاستقلال منذ زمن طويل.. لولا أن الحسابات(..) داخل هذا الحزب دفعته إلى هامش التنظيم، غير أنها لم تكن لتنزع عنه قبعة المناضل الاستقلالي الذي لا يشبه غيره في إمكانية النهل من الرعيل الأول الذي عايش الزعيم الوطني علال الفاسي، وفي إمكانية مجاراة روح العصر بالحجج القانونية والسياسية للدفاع عن مواقفه.. وهذا الأمر يعرفه جيدا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، لذلك كان من الطبيعي أن يتم استدعاؤه لمهرجان خطابي كي يدلي برأيه في المشاورات حول تعديل مدونة الأسرة في وقت ساخن، حيث اختلط الحلال بالحرام من منظور ديني، واختلطت المزايدات القانونية والثقافية والقيمية من وجهة نظر سياسية..

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

    من الناحية الشكلية، يفترض أن هناك لجنة مكلفة بتلقي الاستشارات حول تعديل مدونة الأسرة، وهي اللجنة المكلفة انطلاقا من يوم 26 شتنبر 2003، حسب ما نصت عليه رسالة ملكية موجهة إلى رئيس الحكومة، والأصل أن تواصل هذه اللجنة عملها بشكل غير علني في انتظار تقديم تصورها للملك محمد السادس، الذي ينظر في الأمر باعتباره أميرا للمؤمنين.. ولكن السياسيين كعادتهم خرجوا للصراع في العلن، ولا يمكن لوم بن كيران أو الخليفة على هذا الأمر، لا سيما بعدما بادرت أطراف أخرى إلى إشهار مقترحاتها للعموم بوسائل مختلفة..

ولأن واحدا مثل عبد الإله بن كيران، يمثل جزء صغيرا من تيار كبير، ليس سهلا كما يدعي خصومه.. فقد اختار في خضم النقاش حول المرأة، تكريم امرأة من العيار الثقيل، ويتعلق الأمر بخناثة بنونة، التي وصفها امحمد الخليفة بالمجاهدة، بينما قال عنها بن كيران الذي أهداها مصحفا شريفا، بأنها لم تعد تملك سوى حصير، وباعت كل شيء من أجل القضية الفلسطينية.. فأي امرأة يمكنها أن تكون مثل خناثة بنونة؟ وأي رمزية هاته في احتفال من هذا النوع، وقد صفقت النساء المحجبات كثيرا لامرأة غير محجبة تحمل المصحف الشريف.. إنها نموذج لامرأة مغربية لا يختلف حولها اثنان، سواء من حيث رمزيتها النضالية، أو من حيث قدرتها الإبداعية.

المهم، نجح بن كيران في إيصال رسالته إلى من يهمه الأمر، غير أن ما يجب الانتباه إليه هو كلمات رئيس الحكومة السابق (بن كيران) وهو يذكر الحاضرين، في مهرجان حول تعديل مدونة الأسرة، بمصير “قوم لوط” الذين سلط عليهم الله حجارة من سجيل، وأنه بال

إمكان أن يكون هذا “مصيرنا” إذا خرجنا عن ديننا، حسب قوله(..).

في ذات اللقاء، وصف الاستقلالي امحمد الخليفة كل من يحاول تغيير الإسلام، بـ”الناعق”، والنعيق هو صوت الغراب، والغراب هو طائر الشؤم(..)، وقد ارتبط مثل هذا الصوت عند العرب بتهييج الفتنة.. وبالنسبة للخليفة يجب تسمية الأمور بمسمياتها، فـ((المعركة الحقيقية يجب أن تذهب إلى الشيء في جوهره، هل نريد أن نبقى مسلمين قرآنهم هو القرآن، أم نريد أن نصبح كمن يطلق عليهم “الجندرة”)).

بالنسبة للخليفة، فإن ما يحصل هو محاولة تغيير الإسلام، والهدف هو محاولة إيجاد ثغرة بسيطة في القرآن الكريم، لتحطيم كل شيء بعدها، وقد حدث ذلك – حسب قوله – عندما ظهرت في العالم اتفاقية “سيداو” (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، وهو ما دفع ملكا عالما هو الحسن الثاني، إلى التوقيع على هذه الاتفاقية بـ”تحفظ”، حسب الخليفة، الذي رجع إلى أيام الملك محمد الخامس الذي “كان حريصا على تدوين ما أنزل الله في الأحوال الشخصية”، وقتها كانت الأسرة متماسكة ولم يخلق التدوين أي مشكل في ذلك الزمان الذي كان فيه المغاربة يدرسون القانون الدستوري وليس لهم دستور..

وقد كان لافتا للانتباه استشهاد امحمد الخليفة بآيات من الذكر الحكيم، حيث لجأ إلى سورة المائدة ليذكر الحاضرين بقوله: ((وأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَٰتِ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)).

من جهته، اختار بن كيران – كعادته – لغة بسيطة، ليسجل أهدافا شعبية في مرمى خصومه السياسيين، حيث قال أن تعديل مدونة مرتبط بتأطير ملكي، من خلال تكوين لجنة مختصة، و”قد احترمنا التأطير الملكي”، وأحزاب أخرى قدمت مذكرات معارضة لمذكرتنا، فإذا بنا في غفلة من الزمن، خرجت مؤسسة وطنية بمذكرة تتعارض مع الجميع، وتتعارض مع البلاد والدستور (يقصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ويقصد المقترحات التي قدمتها أمينة بوعياش)، يقول بن كيران، الذي قال أيضا: ((إن المغاربة لا يقبلون بديلا عن المرجعية الدينية في الإصلاح)).

الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، قال بلغته العمدية البسيطة، ((ماذا يوجد في الزواج غير العلاقات الجنسية))، وفي موضوع زواج القاصرات، قال عن خصومه بأنهم لا يريدون فقط المنع، بل يريدون التجريم، وخاطب معشر النساء قائلا: ((إيلا جا واحد بغا بنتك وزوجتيها، غتمشي للحبس، إنهم يريدون القضاء على الزواج)).. هكذا تحدث بن كيران قبل أن ينقل صورة من الواقع عن حوالي 350 فتاة يغادرن الدراسة لا ينتبه إليهن أحد، مقابل التركيز على فئة قليلة جدا تتزوج بإذن من القاضي..

وبالنسبة للمساواة في الإرث، قال بن كيران مخاطبا الشابات: ((هادو راه بغاو يخليوكم بلا رجال)) بعدما “خرجو الأب”، وضرب المثال من عائلته، حيث لم يكن فيها بنات غير متزوجات فوق 18 سنة سابقا، بخلاف الوضع اليوم، مؤكدا أن النتيجة للمساواة في الإرث ستؤدي إلى قول الأخ لأخته “خديتي ليا حقي”.

مثل هذا الكلام مقبول في أوساط حزبية شبيهة بالعدالة والتنمية، سواء عند النساء أو الرجال، وهو ما انعكس على محيا الحضور وفيهم أطر عليا أيضا، لكن المشكل هو الطابع الصدامي لمثل هذا الخطاب مع مقترحات أخرى، فليس بعيدا عن بن كيران، يقول حليفه بالأمس نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية: ((لا يمكن القبول بالآراء المعبر عنها انطلاقا من نزعة محافظة ومنغلقة للإسلام، وانطلاقا من تأويلات تلزم فقط من يدلي بها، لأنه في المغرب مصدر رسمي يشرف على قضايا الدين، ولا يخول الدستور لأحد غير إمارة المؤمنين أن يتفرد بمقاربة دينية، خصوصا حين تكون هذه المقاربة منغلقة وغارقة في المحافظة، وعلى هذا الأساس، نعتبر أن المجتمع المغربي في سنة 2024 لا يمكن أن يستمر فيه زواج القاصرات دون سن 18 سنة، كما نؤكد على ضرورة تحقيق قفزة أساسية اليوم بمنع تعدد الزوجات، بما أنه لم يعد مقبولا بشكل أساسي في المجتمع))..

بنعبد الله // بوعياش

بنعبد الله، في إطار اللعبة السياسية، حمل حزب بن كيران مسؤولية التوقيع على اتفاقية “سيداو”، فـ((الأمر المحير، هو أن الطرف الذي وقع على اتفاقية “سيداو” والذي كان في موقع رئاسة حكومة تتعامل بناء على احترام مجموعة من المواثيق الدولية التي تهم مسألة المساواة بشكل أساسي، والذي التزم بالدستور وقام بحملة لصالحه وأعلن التزامه بكل مبادئه، بما في ذلك الفصل 19 الذي ينص على تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بنفس الحقوق، هو نفسه الذي يهاجم اليوم اجتهادا من داخل الدستور، حيث يخيل إلي أن هناك سعيا لتسييس في غير محله، ورغبة في استرجاع بعض الأمجاد والتأثير على مجموعة من الأوساط المغربية من أجل توسيع النفوذ واستعادة مستويات من التأثير السياسي التي لم تعد موجودة بالنسبة لهذا الطرف)) (المصدر: حوار نبيل بنعبد الله/ جريدة “الأيام” الأسبوعية).

كلام بنعبد الله عن “التسييس” هو أيضا سياسة، وسواء تعلق الأمر به أو بعبد الإله بن كيران، فكلاهما يمارسان السياسة بمرجعية مختلفة، لكن خلافهما في هذا الباب يؤكد وجود هوة بين “مجتمعين”، في هذا الإطار يقول المحلل السياسي المصطفى كرين، أن ((السؤال الذي يطرح نفسه بخصوص مدونة الأسرة ليس ذلك المتعلق ببعض الفصول والأبواب، وإنما هو ذاك الذي يتعلق بالمغزى من النقاش ذاته، ذلك أنه يتجاوز حدود النقاش المجتمعي ليتحول إلى صراع بين مجتمعين: مجتمع أقلي مدعوم، ومجتمع أغلبي مكلوم)).

نفس المصدر يقول في مقال رأي نشره على موقع “صوت المغرب”، خلص فيه إلى وجوب تنظيم استفتاء: ((إذا كان النقاش من حيث المبدأ يعتبر ظاهرة صحية، فإن هذا النقاش بالضبط يعكس حالة مرضية تتعلق بمعاناة حقيقية وعميقة للجسم المغربي حول حقيقة وجود مشروع مجتمعي للمملكة المغربية من دونه، وليس هذا فقط، بل هو نقاش حول شكل الدولة نفسها في المغرب، لأنه ليس مملكة أنشأت بقوة القانون الدولي أو بقرار أممي، بل هو مملكة نشأت بمقتضى قاعدة شرعية أساسها ميثاق البيعة بين المغاربة والنسب الشريف على أساس مجموعة من الالتزامات والثوابت والمرتكزات والتعاقدات، وأنتجت على إثر ذلك حضارة لها من العمق ما يجعلها تقريبا جزء من الحمض النووي للمغاربة، لذلك يعتبر النقاش حول المدونة خارج هذه المعطيات، مفترق طرق في سيرورة وصيرورة الدولة المغربية، وليس مجرد قانون كغيره من القوانين..

كرين

وبغض النظر عن أي موقف شخصي، فإن تفاعلات وردود أفعال الشارع المغربي حول ما تسرب لحد الساعة بخصوص مقترحات الأطراف المشاركة في صياغة مشروع تعديل المدونة، يظهر أن المواطن المغربي أصبح لديه إحساس بأن عملية قرصنة حضارية وسياسية للبلاد جارية على قدم وساق من طرف مؤسسات أصبحت غريبة عنه وأصبح غريبا عنها، حتى لا يكاد المغربي اليوم يعرف باسم من تتكلم هذه المؤسسات ولمن تشرع وتقترح أصلا، ويرى أنها استعملت بغير أمانة صلاحية الاقتراح الممنوحة لها، لتفرض مقترحاتها قسرا عليه، حتى يصل الأمر أحيانا إلى طرح سؤال مدى أهلية وشرعية أعضاء هذه المؤسسات القائمة أصلا على مبدأ التعيين، وفق المعايير والطرق التي يعلمها الجميع، لتثبيت منظومة قيمية واجتماعية لا تقنع سوى بعض الأقليات والأجندات الخارجية ضدا على التوجه الساحق للشعب المغربي.. وحيث إن الأمر كذلك، فإن الحسم في المقترحات المتعلقة بمدونة الأسرة يحتاج، لمصلحة الجميع، أن يمر عبر استفتاء شعبي، تتم الدعوة إليه طبقا لمقتضيات الدستور، وإن كانت هذه التي صارت تسمى أزمة المدونة، دليلا على الحاجة إلى تعديل الدستور ذاته، لأن الفشل في التوافق بين مختلف المؤسسات، لحد الآن، حول ما الذي يجب أن تحمله المدونة لمصلحة الأسرة المغربية، إنما يندرج ضمن حالة من الفشل الجماعي للمؤسسات الدستورية المنبثقة عن دستور 2011، والتي صارت إما مرتعا وراعيا للفساد، أو حصان طروادة لبث الخلافات والتفرقة وتغريب المجتمع المغربي عن نفسه وعن ثقافته)) (المصدر: تصريح المصطفى كرين).

إن الوقوف على حجم الخلاف بين الأطراف المتدخلة في النقاش حول مدونة الأسرة، والأبعاد الخطيرة للتعديلات المقترحة، يكفي فيه الوقوف على ما اقترحه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، رغم عضويته في لجنة التعديل(..)، وتقول بعض مقترحاته:

  • تجريم تزويج الأطفال والمشاركة في ذلك؛
  • حذف الاستثناء الوارد في المادة 20 وما يليها من مدونة الأسرة المتعلقة بزواج القاصر؛
  • تثبيت القاعدة المتعلقة بتحديد سن الزواج في 18 سنة شمسية كاملة؛
  • يعتبر تعدد الزوجات أمرا منافيا لكرامة النساء والفتيات؛
  • حذف المواد من 40 إلى 46 من مدونة الأسرة والمواد ذات الصلة بتعدد الزوجات؛
  • حذف مانع اختلاف الدين في الزواج؛
  • السماح لزواج المهاجرين الموجودين في وضعية غير قانونية الذين استقروا في المغرب؛
  • توسيع نطاق حرية الأطراف في الزواج المختلط وزواج الأجانب بالمغرب؛
  • توسيع صلاحية توثيق الزواج لتشمل أيضا ضباط الحالة المدنية إلى جانب الاختصاص الأصيل للعدول؛
  • حذف مسطرة الإذن القضائي بتوثيق الزواج.

وفي الأخير، وفي انتظار رفع المقترحات إلى النظر المولوي السديد، يبقى للقراء الأعزاء حق مواكبة هذا النقاش من خلال جريدة “الأسبوع الصحفي”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى